الخميس، 1 يناير 2026

إسبانيا صاحبة الفضل الأكبر في نشر الكاثوليكية الرومانية، أما فرنسا فكانت وبالًا عليها


إسبانيا صاحبة الفضل الأكبر في نشر الكاثوليكية الرومانية، أما فرنسا فكانت وبالًا عليها

إسبانيا وفرنسا: بين "التبشير العقائدي" و"البراغماتية السياسية"

 

يُسجل التاريخ أن إسبانيا كانت صاحبة الفضل الأكبر ديموغرافيًا في بقاء الكاثوليكية الرومانية دينًا عالميًا، بينما لعبت فرنسا دورًا مزدوجًا؛ حيث ضمنت التجانس الكاثوليكي داخل حدودها، لكنها كسرت وحدة الصف الكاثوليكي دوليًا لتحقيق مصالحها القومية.

1. إسبانيا: ذراع الكنيسة في العالم الجديد

عندما واجهت الكاثوليكية خطر الاندثار في أوروبا بسبب الإصلاح البروتستانتي، قامت إسبانيا بنشر المذهب في القارة الأمريكية والفلبين.

في العالم الجديد: خلقت إسبانيا أكبر كتلة كاثوليكية في التاريخ. اليوم، تضم الأمريكتين نحو 48% من إجمالي كاثوليك العالم.

الفلبين: نجحت إسبانيا في تحويل الأرخبيل إلى معقل كاثوليكي (يضم اليوم أكثر من 93 مليونًا)، مما جعلها المركز الرئيسي للمذهب في آسيا.

 

2. فرنسا: صراع "الدولة" ضد "المذهب"

كانت فرنسا الكاثوليكية تعيش مفارقة تاريخية تحت قيادة الكاردينال ريشيليو:

في الداخل (التجانس): كان ريشيليو حريصًا على وحدة فرنسا تحت راية التاج، فقام بسحق القوة السياسية والعسكرية للبروتستانت (الهيجونو) في حصار "لاريشيل" (1627-1628)، مجبرًا إياهم على الخضوع أو الهجرة، لضمان تجانس ديني يخدم استقرار الدولة.

في الخارج (الانحياز للبروتستانت): في حرب الثلاثين عامًا (1618-1648)، دخلت فرنسا الحرب إلى جانب البروتستانت (السويد والدنمارك) ضد إمبراطورية النمسا وإسبانيا الكاثوليكيتين. كان ريشيليو يرى أن تحطيم نفوذ "هابسبورغ" أهم من التضامن الديني.

 

3. عبقرية "كونديه وتورين" ونهاية الهيمنة الإسبانية

برز الفتى العبقري الأمير كونديه وزميله المارشال تورين كأهم القادة العسكريين الذين رجحوا كفة البروتستانت بتمويل وسلاح فرنسي:

معركة روكروا (1643): قاد كونديه الجيش الفرنسي لتحطيم "الترسو" الإسباني (الجيش الذي لم يُهزم لقرن ونصف)، منهيًا بذلك عصر السيادة الإسبانية.

معارك تورين: قاد تورين حملات استراتيجية في قلب ألمانيا وبافاريا، وأرغم الإمبراطور في معركة "زوسميرهاوزن" (1648) على التفاوض.

صلح ويستفاليا (1648): انتهت الحرب بمنح الولايات الألمانية "الحرية الدينية"، وهو ما كرَّس الانتشار البروتستانتي، وهو الأمر الذي رفضته فرنسا في أرضها لكنها فرضته على خصومها الكاثوليك لإضعافهم.

 

4. الفشل في أفريقيا وآسيا

بينما نجحت إسبانيا في تنصير قارات كاملة، فشلت فرنسا في مستعمراتها المتأخرة:

أفريقيا: تحركت فرنسا كدولة علمانية إمبريالية، فاصطدمت بكتلة إسلامية صلبة متمسكة بدينها، ولم يكن التنصير أولوية للدولة الفرنسية الحديثة.

جنوب شرق آسيا: رغم الاستعمار الفرنسي الطويل للهند الصينية، بقي السكان محصنين ضد المسيحية (باستثناء أقليات في فيتنام)، وظل النفوذ البوذي هو السائد.

 

الإحصائيات العالمية للكاثوليك (حسب قارات العالم 2025/2026)

وفقًا لآخر البيانات الإحصائية المحدثة، يبلغ العدد الإجمالي للكاثوليك في العالم حوالي 1.406 مليار نسمة، وتتوزع الأعداد كالتالي:

 

القارة

العدد التقريبي للكاثوليك

الملاحظات

الأمريكتان

672 مليونًا

تضم 47.8% من كاثوليك العالم (البرازيل والمكسيك في المقدمة).

أفريقيا

281 مليونًا

القارة الأكثر نموًا بنسبة زيادة سنوية تصل إلى 3.3%.

أوروبا

286 مليونًا

تشهد تراجعًا مستمرًا في الأعداد والممارسة الدينية.

آسيا

154 مليونًا

تتركز الكتلة الأكبر في الفلبين (93 مليونًا) والهند (23 مليونًا).

أوقيانوسيا

11 مليونًا

تمثل أقل من 1% من إجمالي الكاثوليك عالميًا.

 

 

الخلاصة

كانت النتيجة النهائية لانتصارات كونديه وتورين هي توقيع صلح ويستفاليا، الذي أعاد رسم خريطة العالم:

إضعاف الكنيسة: اعترف الصلح بالمذهب الكالفيني رسميًا إلى جانب اللوثرية والكاثوليكية، مما أنهى حلم "أوروبا الكاثوليكية الموحدة".

سيادة الدولة: استبدل النظام الدولي "السلطة البابوية" بسلطة "الدولة القومية"، حيث أصبح لكل حاكم حق تقرير دين شعبه.

عزلة إسبانيا: خرجت إسبانيا من الحرب منهكة ومفلسة، وبدأت تفقد بريقها كقائدة للعالم الكاثوليكي لصالح فرنسا التي أصبحت القوى العظمى الأولى في أوروبا، ولكنها "عظمى بجيوشها" لا "بتبشيرها الديني".

لقد كانت إسبانيا تضحي بمواردها لتعميد العالم بالكاثوليكية، بينما كانت فرنسا (بقيادة ريشيليو وخلفه مازاران) تستخدم الحرب الدينية كأداة سياسية لتحقيق الهيمنة القارية. وبفضل عبقرية تورين وكونديه العسكرية، تحولت الكاثوليكية من مشروع إمبراطوري عالمي تقوده إسبانيا إلى مجرد خيار مذهبي ضمن دول أوروبية متصارعة.

يمكن القول إن إسبانيا كانت "خزان البشر" للكاثوليكية، فلولا جهودها في العالم الجديد لربما انكمشت الكاثوليكية لتصبح دينًا أوروبيًا محليًا. أما فرنسا، فقد كانت "العقل السياسي" الذي أعاد صياغة العالم على أسس علمانية وقومية، مضحيةً بالوحدة الكاثوليكية في سبيل السيادة الفرنسية.

والمفارقة، أنه على المدى الطويل، كان لانتصار البروتستانت -بفضل فرنسا- كوارث هائلة ومدمرة عليها، ودفعت ثمن ذلك باهظًا من مكانتها وكرامتها!

القديسون الكاثوليك سرهم باتع

 

*******

*******

*******

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق