الآية 29 من سورة النساء
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ (تِجَارَةً) عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ
وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا"
"يا أيها الذين آمنوا"
هذه وحدة ندائية خطابية:
يا [أيها [الذين آمنوا]]
"الذين آمنوا" وحدة موصولية تحدد جماعة المخاطَبين، وصلتها:
[هم] ← آمنوا
فالخطاب كله يفتح Vocative Discourse Frame قبل بدء الأحكام.
"لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"
البنية:
[أنتم] ← لا تأكلوا [أموالكم] [بينكم] [بالباطل]
"لا" Negative Directive Operator تضع الڤِرْب في نطاق المنع.
"أموالكم" متمم مفعولي.
"بينكم" ليس مجرد "ظرف مكان"؛ إذ لا يوجد مكان
حسي، بل هو Relational–Distributive Domain Constituent يحدد مجال تداول الأموال:
داخل شبكة العلاقات بين أفراد الجماعة.
أما:
"بالباطل"
"بالباطل"
اسم نحوي مركب في محل نصب حال
للفعل، فهو Principle–Manner Circumstance يحدد المبدأ الذي يقع عليه الأخذ أو التداول المحرم: على وجه الباطل.
فتصبح البنية:
لا [تأكلوا [أموالكم] [بينكم] [بالباطل]]
"إلا أن تكون تجارةٌ / تجارةً عن تراض منكم"
هذه وحدة استثنائية كاملة تستثني صورة مشروعة من مجال المنع السابق:
إلا [َنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ (تِجَارَةً) عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ]
والقراءتان تكشفان الفرق بين نمطين من الكينونة.
القراءة الأولى: "تجارةٌ"
تكون البنية:
أن [تكون [تجارةٌ] [عن تراض منكم]]
وهنا "تكون" Existential Being Verb: تثبت تحقق "تجارة" بوصفها حامل الكينونة.
أي:
توجد/تتحقق تجارة ناشئة عن تراض منكم.
"تجارة" إذن Predication-Bearer of Existential Being.
و"عن تراض منكم" مكوّن علائقي يحدد المنشأ والمبدأ الذي تقوم
عليه التجارة:
تجارة ← عن [تراض [منكم]]
و"منكم" يحدد أطراف التراضي ومجاله البشري.
القراءة الثانية: "تجارةً"
هنا تتحول "تكون" إلى Predicative Being تفتح متمم تصنيف:
أن [تكون [X] [تجارةً] [عن تراض منكم]]
فـ"تجارةً" Predicative Classification Complement؛ أي إن العلاقة أو المعاملة
المفهومة من السياق تصنف بأنها تجارة.
ولا يلزم أن نخلق اسمًا لفظيًا محذوفًا محددًا مثل "المعاملة"؛
يكفي القول إن حامل الكينونة Contextually Recovered Predication-Bearer مفهوم من بنية الاستثناء والسياق.
وهنا يبرز الفرق:
تجارةٌ ← Existential Being
تجارةً ← Predicative/Classificational Being
مع بقاء الوحدة كلها في الحالتين استثناءً من مجال التحريم.
"ولا تقتلوا أنفسكم"
إسناد نهي جديد:
[أنتم] ← لا تقتلوا [أنفسكم]
"أنفسكم" المتمم المفعولي، و"كم" تعيد الإحالة
إلى جماعة المخاطَبين.
ولا يلزم من الناحية النحوية تحديد هل المقصود القتل الذاتي المباشر أو
قتل بعضكم بعضًا؛ فهذه مسألة دلالية تفسيرية أوسع، أما البنية اللسانية فتسند
"القتل" إلى المخاطبين وتجعل "أنفسكم" مجال وقوعه.
"إن الله كان بكم رحيمًا"
البنية العليا:
إن [[الله] ← كان [بكم] [رحيمًا]]
"إن" Operator of Assertion.
"الله" حامل إسناد الكينونة.
"كان" هنا Predicative Being Verb لا "فعلًا ناقصًا".
"رحيمًا" Predicative Trait Complement يحدد السمة المسندة إلى Allâh.
أما:
"بكم"
فمكوّن علائقي يحدد مجال تعلق الرحمة بالمخاطَبين.
والزمن الصرفي في "كان" لا يعني أن الرحمة كانت ثم انقطعت؛
فهذه من أوضح تطبيقات:
Morphological Past ≠ Contextually Bounded
Past
فالمرجع الإلهي وطبيعة السمة والسياق يمنعان حمل الماضي الصرفي على انقطاع
الرحمة.
إذن:
[الله] ← كان [[بكم] رحيمًا]
أي قيام سمة الرحمة به من جهة تعلقها بالمخاطَبين.
الآية 30 من سورة النساء
"وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ
نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا"
"ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا"
هذه بنية شرطية عامة:
[من [يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا]] ← فـ[سوف نصليه نارًا]
"من" رأس إحالي شرطي عام.
داخل الشرط:
[من] ← يفعل [ذلك] [عدوانًا] [ظلمًا]
"ذلك" مفعول يعود إلى مجموعة الأفعال المحرمة السابقة.
أما:
"عدوانًا وظلمًا"
اسم نحوي مركب في محل نصب حال للفعل.
فهما اسما معنى يؤديان Qualificational–Manner Circumstances؛ أي يصفان طبيعة تحقق الفعل
وقيمته الأخلاقية:
يفعل ذلك على وجه العدوان والظلم.
وهما ليسا حجتين لازمتين للڤِرْب "يفعل"، بل تعديلان تصنيفيان
لكيفية الفعل.
المقصود بـ "حجتين" هنا ليس
"حجتين" بمعنى دليلين في الاستدلال، بل Argument(s)
في نظرية البنية الحُججية Argument Structure؛
أي عنصران يفتح لهما الڤِرْب موضعين داخل بنيته الدلالية لأن معنى الڤِرْب نفسه يقتضيهما
أو يسمح بهما بوصفهما مشاركين أساسيين في الحدث.
فإذا قيل مثلًا: "أعطى زيدٌ عمروًا كتابًا"،
فإن معنى "أعطى" يفتح بطبيعته شبكة حُججية من نحو: المعطي Giver،
والمتلقي Recipient،
والشيء المعطى Theme. هذه العناصر ليست إضافات تصف كيفية العطاء،
بل تدخل في بنية الحدث نفسه؛ ولذلك تسمى Arguments.
أما في العبارة:
"وهما ليسا حجتين لازمتين للڤِرْب
"يفعل"، بل تعديلان تصنيفيان لكيفية الفعل"
فالمعنى أن العنصرين المشار إليهما لا يطلبهما
معنى "يفعل" بوصفهما مشاركين ضروريين أو متممين داخل بنيته الحججية، وإنما
يأتيان بعد اكتمال الإسناد الأساسي ليحددا نوع الفعل أو كيفيته أو الصورة التي تحقق
بها؛ ولذلك هما أقرب إلى Modifiers / Circumstantial Modifiers
لا إلى Arguments.
وبصيغة أشد ضبطًا:
الحُجّة Argument
= عنصر يفتحه المسند من داخل بنيته الدلالية.
المعدِّل Modifier
= عنصر يضاف إلى إسناد مكتمل نسبيًا ليقيده أو يصنف كيفية تحققه.
ولأن كلمة "حجة" في العربية قد توهم
معنى البرهان، يمكن استعمال:
الحُجّة الدلالية Argument
أو العنصر الحُججي Argument
ثم بعد ذلك نختصر إلى الحُجّة إذا كان السياق
واضحًا.
فصياغة العبارة نفسها بصورة أوضح:
"وهما ليسا عنصرين حُججيين يفتحهما الڤِرْب
"يفعل" من داخل بنيته الدلالية، بل معدِّلان يصنفان كيفية تحقق الفعل."
"فسوف نصليه نارًا"
الفاء تصل الشرط بجوابه.
"سوف" Future Operator تضع الجزاء في منظور مستقبلي.
البنية:
[نحن] ← نصلي [ه] [نارًا]
"نا" حامل الإسناد، والمرجع Allâh بصيغة الجمع التعظيمي.
الهاء مفعول يعود إلى "من".
أما "نارًا" فهي Result/Destination Complement؛ أي المجال النهائي الذي
يدخل فيه الشخص نتيجة الإصلاء.
فلا حاجة إلى اختزالها في "مفعول ثانٍ" من غير بيان وظيفتها
الدلالية؛ علاقتها هي وجهة/نتيجة الإدخال في النار.
"وكان ذلك على الله يسيرًا"
البنية:
[ذلك] ← كان [على الله] [يسيرًا]
"ذلك" حامل إسناد الكينونة، ويعود إلى الجزاء السابق.
"كان" Predicative Being Verb.
"يسيرًا" Evaluative Predicative Complement.
"على الله" Evaluative Relation Constituent يحدد المرجع الذي تقاس إليه
السهولة.
فتصبح القضية:
ذلك ← يسير [بالنسبة إلى الله]
ومرة أخرى لا يلزم أن تجعل "كان" الماضي دالًا على زمن منقطع؛
هي تضع الحكم في صيغة ڤِرْبية ماضية، بينما دلالته السياقية عامة مستقرة.