كيف اندثر التقويم العربي الأصلي لحساب اللاتقويم الهجري
في الحقيقة لم يصدر قرار من عمر بن بالعمل باللاتقويم
هم لم يكونوا يتحركون إلا في حالة وقوع أزمة أو لتجنب وقوعها ووجود من يلفت
نظرهم إليها.
أزمة الاختلاف في قراءة القرءان وعدم وجود نسخ معتمدة والذي كان سيسبب
قتالا بين الجمود في غزو أرمينيا، وكان الذي نبه السلطة إلى ذلك حذيفة بن اليمان.
أزمة عدم وجود تأريخ، وكان الذي نبه السلطة إليها أبو موسى الأشعري، الوالي
في العراق.
أما أزمة خلل اللاتقويم ذاته فلم يوجد لها حذيفة أو الأشعري، ولم يشعروا
بخطورتها، فلم يعودوا بحاجة إلى تقويم لاندثار رحلتي الشتاء والصيف (استولوا على
اليمن والشام)، ولعدم الحاجة إلى أسواق أو رعي أو زراعة في قلب الجزيرة العربية
والحجاز، لتدفق ثروات أسطورية على الحجاز.
فلم يصدر أي قرار متعمد لإبطال التقويم، يجب وضع الحدث في مساره الطبيعي كـ
"تآكل تدريجي" فرضه الفراغ المؤسسي والتغير الجذري في مصادر الثروة.
العقلية الإدارية للدولة الناشئة كانت بالفعل عقلية "رد فعل" (Reactive) تتحرك
لدرء أزمات يثيرها قادة الميدان (كأزمة المصاحف مع حذيفة، وأزمة التأريخ مع أبي
موسى). ولأن أحدًا لم يصرخ محذرًا من أزمة التقويم، سقط الكبس بصمت.
ويمكن كتابة التسلسل التاريخي لسقوط التقويم المقوّم عبر المحطات التالية:
1. التطابق الفلكي والفراغ المؤسسي (10 - 11 هـ):
أعلن النبي ﷺ في حجة الوداع تطابق الزمن مع التقويم ("إن الزمان قد
استدار")، مصفرًا بذلك العداد الفلكي ليعود ذو الحجة إلى موقعه الشتوي. تُوفي
بعد هذا الإعلان بأشهر، ظهرت بوادر التمرد والانقلاب على الأعقاب، نزلت فتن كقطع
الليل المظلم كما تنبأ، غابت القيادة المركزية التي ما يلزم لضبط التقويم. ومع
الإلغاء الحتمي لطبقة "القلامس" (الذين احتكروا حساب الكبس في الجاهلية
واستغلوه في النسيء السياسي)، لم تؤسس الدولة هيئة علمية مركزية بديلة ترث هذه
المهمة الفلكية، فبقي التقويم بلا حارس.
2. ضياع موعد الكبس الأول وسط ضجيج المعارك (13 - 14 هـ):
رياضيًا، كان موعد إضافة أول "شهر كبيس" لضبط التقويم سيحين بعد
حوالي ثلاث سنوات من حجة الوداع. في هذه اللحظة، كانت الدولة الناشئة منغمسة
بالكامل في حروب الردة ثم الانطلاق فورًا نحو الفتوحات الكبرى. مر الموعد الفلكي، انفضى
12 شهرًا قمريًا دون أن يتدخل أحد لإضافة الشهر المتمم، لتبدأ الأشهر بانزياحها
البطيء عن الفصول.
3. الطفرة الاقتصادية وزوال الحاجة للتقويم (عهد عمر وعثمان):
السبب الجوهري لعدم شعور المجتمع بأزمة انزياح الأشهر هو التغير الجذري في
محركات الاقتصاد. باستيلاء المسلمين على الشام واليمن، دُمجت منابع التجارة
ومصباتها داخل إمبراطورية واحدة، مما أنهى الحاجة الاستراتيجية لـ "رحلة
الشتاء والصيف" الإيلافية التي كانت تتطلب تزامنًا مناخيًا دقيقًا.
في الوقت ذاته، تدفقت الثروات الأسطورية (من الغنائم وخراج الأمصار
المفتوحة) على الحجاز. تحول مجتمع مكة والمدينة من بيئة تعتمد على التجارة
الموسمية، وتتبع الرعي، والزراعة المحدودة، إلى مجتمع يعتمد على
"العطاءات" والرواتب من بيت المال. أصبح عمل الخليفة الأساسي تلقي
الأموال والغنائم وتوزيعها على الناس كما يتراءى له، وأصبح العمل الأساسي للباقين
في الحجاز تلقي عطاء الخليفة.
رووا عن عثمان: فلما وليهم عثمان، كان رجلا لينا، وكان يخطب فيقول: أيها
الناس، اغدوا على أعطياتكم! فيأخذونها وافية؛ اغدوا على كسوتكم، فتقسم بينهم.. يا
معشر المسلمين، اغدوا عن السمن والعسل.. اغدوا على الطيب.. فلم يزل المال متوفرا،
حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا، وبيع الفرس بعشرة آلاف دينار، وبيع البعير
بألف، والنخلة الواحدة بألف».
وروى البخاري في التاريخ قال: "حدثنا مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن
البصري يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلما يأتي على الناس يوم إلا وهم
يقتسمون فيه خيرًا، يقال لهم: يا معشر المسلمين! اغدوا على أعطياتكم، فيأخذونها
وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم، اغدوا على السمن والعسل والأعطيات
الكثيرة؛ فيأخذونها".
أي إن العرب والأعراب كان يأتيهم رزقهم من كد الشعوب المقهورة، وهم مستلقون
على اقفيتهم، وأن بلادهم تحولت إلى أسواق رقيق لبنات هذه الشعوب.
لكل ذلك زالت الحاجة اليومية لضبط مواسم الأسواق الكبرى (كعكاظ) أو مواقيت
الحصاد المحلي، فلم يشعر أحد بخطورة انزياح التقويم.
4. الصدام الإداري واختراع "الازدواجية" (العصر الأموي
والعباسي):
بعد انتهاء مرحلة الفتوحات التوسعية السريعة، واستقرار الدولة كإمبراطورية
تعتمد ميزانيتها على الجباية الزراعية المنتظمة (الخراج)، اصطدمت الإدارة
بالكارثة. انزياح التقويم القمري جعل مواعيد تحصيل الضرائب تسبق مواسم الحصاد، مما
هدد بإفلاس الدولة وتدمير الفلاحين.
هنا استشعروا الأزمة، ولكن بعد فوات الأوان؛ فالتقويم القمري الأعمى
(الخالي من الكبس) كان قد تجذر واكتسب قداسة عند العامة على مدى عقود. ولتجنب
الصدام مع الموروث الفقهي، ولأن مسألة الدين لم يكن لها أهمية تذكر عندهم، اخترعت
السلطة الازدواجية: استعارت تقويمًا شمسيًا (التقويم الخراجي/النيروز) لضبط اقتصاد
الدولة ومواسم الزراعة، وتركت التقويم القمري لتطوف به العبادات عشوائيًا عبر
الفصول.
أما العاملون بالفعل في الزراعة فاستمروا يعملون وفق ما يعلمونه من تقويم
منضبط، كما كان الحال في مصر.
أما تجار دين السلطة فقد تولوا اختلاق ما يلزم من مبررات للكارثة الماثلة،
ومن ذلك أنهم قالوا إن شهر رمضان يدور ليتدرب الناس على الصيام تحت أقسى الظروف؛
لهيب الصيف وزمهرير الشتاء، هذا مع أن الله تعالى قال في كتابه العزيز بعد أن كتب
عليهم الصيام:
{شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقرءان هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ
كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)}
سورة البقرة
ولكنهم لم
يتمكنوا من تبرير مصرع ما لا حصر له من المسلمين على مدة القرون بسبب الحج في أشهر
قيظ!
*******