الاثنين، 21 سبتمبر 2026

الوحدة المقصدية لسورة المائدة

 

الوحدة المقصدية لسورة المائدة

تكشف سورة المائدة عند جمع مقاصدها أن بناء الدين فيها يسير من الأعلى إلى الأدنى ومن الداخل إلى الخارج في آن واحد: الله هو المرجع الأعلى، والوحي هو مصدر البيان، والإنسان هو حامل التكليف، والأسرة إحدى دوائر الاجتماع، والأمة هي الكيان الأكبر المنوط به إقامة منظومة القيم، ثم تأتي العلاقات مع الكيانات الأخرى لتختبر قدرة هذه الأمة على تحويل إيمانها إلى عدل وقسط ووفاء.

ولهذا تتكرر الأسماء الإلهية بكثافة هائلة في سورة مليئة بالتشريع؛ لأن القانون القرءاني لا يراد له أن ينفصل عن مصدره القيمي. فإذا انفصل الحكم عن «الغفور الرحيم» تحول إلى قسوة، وإذا انفصل عن «العزيز الحكيم» تحول إلى قوة عمياء، وإذا انفصل عن «العليم» و«الخبير» توهم الإنسان أنه يملك الإحاطة الكاملة، وإذا انفصل عن «الرقيب» و«الشهيد» أمكن أن يصبح الامتثال مجرد مراوغة أمام أعين البشر.

وكذلك لا تنفصل الأمة عن الفرد؛ فالأمة التي لا يتكون أفرادها من الصادقين العادلين الأوفياء لن تنقذها كثرة القوانين. ولا ينفصل الفرد عن الأمة؛ لأن الفضيلة الفردية إذا بقيت معزولة عن المؤسسات والعهود والقضاء والتعاون لم تتحول إلى عمران. ولا تنفصل الأمة عن بقية البشر؛ لأنها مطالبة بأن تدخل معهم في شبكة من العدل والتعاون والمصاهرة والحوار والوفاء، مع القدرة في الوقت نفسه على حماية استقلالها ومقاومة العدوان.

ومن هنا تبدو سورة المائدة أقرب إلى خريطة مركبة للحياة الدينية الناضجة: توحيد لا ينغلق في التأمل، وتشريع لا ينفصل عن الرحمة، وأمة لا تذيب الفرد، وفرد لا يتهرب من الجماعة، وتعايش لا يتحول إلى ذوبان، وقوة لا تبيح الظلم، ورحمة لا تعطل القسط.

*******

ليست «المائدة» في السورة مجرد الطعام الذي سأل الحواريون نزوله من السماء؛ فالسورة كلها تبدو، في مستوى أعمق، مائدةً من المعاني والأحكام وُضعت أمام الإنسان لكي يتعلم كيف يأكل من الأرض دون أن ينسى رب السماء، وكيف يعقد عقدًا دون أن يخون، وكيف يحكم دون أن يظلم، وكيف يختلف دون أن يعتدي، وكيف يملك القوة دون أن يجعل منها إلهًا جديدًا.

فالإنسان وحده قد يكون صالحًا، لكن الخير إذا لم يتحول إلى عقد وشهادة وقضاء وتعاون ومؤسسة بقي هشًا أمام فساد الجماعة. والجماعة قد تكون قوية، لكن القوة إذا لم تكن محكومة بالعدل تحولت إلى صورة أخرى من الطغيان. ولهذا لا تريد سورة المائدة مجرد «مؤمنين كثيرين»، بل تريد أمة خيرة؛ والخيرية ليست عددًا، بل تركيب بالغ الدقة من العلم بالله، والتقوى، والقسط، والوفاء، والتعاون، واحترام الحدود، ومراقبة النفس.

وفي قلب هذه الكثافة التشريعية يقف اسم الله حاضرًا مرة بعد مرة، كأن السورة تخشى على الإنسان من أن يعبد القانون بعد أن شرع الله القانون؛ فترده دائمًا إلى المصدر: الله يغفر ويرحم، والله عزيز حكيم، والله واسع عليم، والله سميع عليم، والله رقيب، والله شهيد. فالقاعدة ليست إلهًا، والمؤسسة ليست إلهًا، والأمة ليست إلهًا؛ إنها كلها أدوات لحمل الأمانة تحت سلطان الإله الواحد.

وتعلم السورة الأمة درسًا أصعب من الانتصار على العدو: أن تعدل معه؛ فأن تنصف من تحب أمر يسير، أما أن يمنعك شنآن من آذاك عن الاعتداء عليه، فهناك يظهر معدن التقوى. وعند هذا الحد يتحول العدل من مصلحة سياسية إلى عبادة، ويصبح القسط شاهدًا على أن الإيمان لم يبق حبيس اللسان.

ثم تختم السورة بمشهد عيسى أمام ربه، بعد كل ما فيها من قوانين وعلاقات وصراعات، وكأنها تعيد الجميع إلى الحقيقة الأخيرة: الرسول عبد، والأمة مسؤولة، والتاريخ مؤقت، والملك كله لله. وما يختلف فيه الناس اليوم سيعود غدًا إلى علم لا يخطئ، وشهادة لا تنسى، وحكم لا تحكمه مصلحة ولا عصبية.

وهكذا تبني سورة المائدة رؤيتها الكبرى: دين يعرف الله، وإنسان يحمل الأمانة، وأسرة تنشأ بالحلال، وأمة تقوم بالقسط، وعالم من المختلفين يجب أن يتعلموا كيف يعيشون بلا عدوان. ومن هذه الدوائر المتداخلة يتكون العمران الذي يريده الدين؛ فلا يكون الإيمان هروبًا من الأرض، ولا تكون عمارة الأرض نسيانًا للسماء، وإنما يصبح الإنسان وهو يمشي بين العقود والأسواق والمحاكم والبيوت والموائد والخصومات والصداقات حاملًا لمعنى واحد: أن الحياة كلها ميدان أمانة، وأن الله على كل شيء شهيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق