الجمعة، 24 أكتوبر 2014

لا رجم في الإسلام

لا رجم في الإسلام

لا رجم في الإسلام، ولا وجودَ لعقوبة كهذه أبدا في الإسلام، وآية النور محكمةٌ بيِّنة مبيِّنة مفروضة وقطعية الدلالة، وهي تحدد عقوبة الزنى بكل وضوح ولا يملك أحد حق نسخها أو تخصيصها.
قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} النور2
وطالما يوجد نصّ قرءاني قطعي الدلالة فلا حاجة للنظر في أي أمر آخر، فما بالُك إذا كان قد ورد في سورة بدأت بالآية: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النور1، وفي سياق انتهى بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}النور34، وتأكد بقوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}النور46.
ومن الواضح أن كل ذلك كان لتبرئة القرءان من أقوال من سيلحدون في آياته ومن سيتمنون أن يضيفوا عليه ما يتوافق مع أهوائهم، إن كتاب الله تعالى حجة على الناس كلهم، ولا يوجد من هو حجة عليه.
ويلاحظ أن الآية تنص على أن الجلد هو العذاب المشهود، كما أنها تأمر بإيقاعِ العذاب على الزاني والزانية، وكلمة الزاني هي اسم فاعل من الفعل "زنى"، وكونها مسبوقةً بأداة التعريف يشير إلى أن هذا الزاني معلوم ومعروف ومشهور ومعهود منه الفعل، وليس مجرد من زنى، فهناك فرق بين الصياغة الواردة في الآية وبين أن يقال: "يجب عليكم جلد من زنى".
فآية القرءان التي تحدد الجلد كعقوبة للزاني هي ناسخة للحكم التوراتي الذي كان مفروضا على أهل الكتاب وهو الرجم، وآية النسخ تبين أن شريعة القرءان ناسخة لبعض أحكام الشرائع السابقة في اتجاه الخير، وعقوبة الزنى هي واحدة من هذه الحالات، فالقرءان ينسخ ما سبقه في اتجاه التيسير ووضع الإصر والأغلال عن كاهل الناس.
فالرجم أصلا هو عقوبة توراتية تم نسخها والإتيان بخير منها في القرءان، ويتطرف بعض فطاحل الجهلة من المجتهدين الجدد فيزعمون بلا مبرر –إلا جهلهم العريق المعلوم بالضرورة- أنه لا وجود لعقوبة رجم الزانية أو الزاني في التوراة، وها هو جزء من الإصحاح 22 من سفر التثنية يثبت وجود هذه العقوبة عندهم والتي ألصقوها بالسلف فصادفت هوى عندهم فعضوا عليها بالنواجذ، جاء في سفر التثنية:
13«إِذَا اتَّخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَحِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا أَبْغَضَهَا، 14وَنَسَبَ إِلَيْهَا أَسْبَابَ كَلاَمٍ، وَأَشَاعَ عَنْهَا اسْمًا رَدِيًّا، وَقَالَ: هذِهِ الْمَرْأَةُ اتَّخَذْتُهَا وَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهَا لَمْ أَجِدْ لَهَا عُذْرَةً. 15يَأْخُذُ الْفَتَاةَ أَبُوهَا وَأُمُّهَا وَيُخْرِجَانِ عَلاَمَةَ عُذْرَتِهَا إِلَى شُيُوخِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَابِ، 16وَيَقُولُ أَبُو الْفَتَاةِ لِلشُّيُوخِ: أَعْطَيْتُ هذَا الرَّجُلَ ابْنَتِي زَوْجَةً فَأَبْغَضَهَا. 17وَهَا هُوَ قَدْ جَعَلَ أَسْبَابَ كَلاَمٍ قَائِلاً: لَمْ أَجِدْ لِبِنْتِكَ عُذْرَةً. وَهذِهِ عَلاَمَةُ عُذْرَةِ ابْنَتِي. وَيَبْسُطَانِ الثَّوْبَ أَمَامَ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ. 18فَيَأْخُذُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الرَّجُلَ وَيُؤَدِّبُونَهُ 19وَيُغْرِمُونَهُ بِمِئَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ، وَيُعْطُونَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ، لأَنَّهُ أَشَاعَ اسْمًا رَدِيًّا عَنْ عَذْرَاءَ مِنْ إِسْرَائِيلَ. فَتَكُونُ لَهُ زَوْجَةً. لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ.
20«وَلكِنْ إِنْ كَانَ هذَا الأَمْرُ صَحِيحًا، لَمْ تُوجَدْ عُذْرَةٌ لِلْفَتَاةِ. 21يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ إِلَى بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا، وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ، لأَنَّهَا عَمِلَتْ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِزِنَاهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ.
22«إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْل، يُقْتَلُ الاثْنَانِ: الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيلَ.
23«إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُل، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، 24فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ. 25وَلكِنْ إِنْ وَجَدَ الرَّجُلُ الْفَتَاةَ الْمَخْطُوبَةَ فِي الْحَقْلِ وَأَمْسَكَهَا الرَّجُلُ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، يَمُوتُ الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا وَحْدَهُ. 26وَأَمَّا الْفَتَاةُ فَلاَ تَفْعَلْ بِهَا شَيْئًا. لَيْسَ عَلَى الْفَتَاةِ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ، بَلْ كَمَا يَقُومُ رَجُلٌ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَقْتُلُهُ قَتْلاً. هكَذَا هذَا الأَمْرُ. 27إِنَّهُ فِي الْحَقْلِ وَجَدَهَا، فَصَرَخَتِ الْفَتَاةُ الْمَخْطُوبَةُ فَلَمْ يَكُنْ مَنْ يُخَلِّصُهَا.
28«إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فَتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ، فَأَمْسَكَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَوُجِدَا. 29يُعْطِي الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَتَكُونُ هِيَ لَهُ زَوْجَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلَّهَا. لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ.
والسبب في تغليظ العقوبة على بني إسرائيل هو منع الإفساد في الأرض في مجتمع بدائي محاصر بقبائل قوية ويعتمد على صلابة ومتانة أفراده لمجرد البقاء، فشيوع الفواحش في مجتمع محاصر بالأعداء هو جريمة كبرى تهدده بالفناء، وهي بالتأكيد كانت تطبق ليس على الفعل العارض المستتر ولكن على من احترف الفواحش وجاهر بها.
وعقوبة رجم الزناة لم يلغها السيد المسيح صراحة، جاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح الثامن:
2ثُمَّ حَضَرَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ. 3وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ   أُمْسِكَتْ فِي زِنًا. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسْطِ 4قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، 5وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟» 6قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. 7وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» 8ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. 9وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ. 10فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَدًا سِوَى الْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا: «يَاامْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟» 11فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ!». فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا».
فالنص شديد الوضوح، الرجم موجود في ناموس موسى، والمسيح اشترط فيمن جاؤوا إليه بالمرأة أن يكونوا هم أنفسهم بلا خطيئة لينفذوا العقوبة، ومن المعلوم أنه أصلا لم يكن يملك أية سلطة عليهم ليحكم بعقوبة على أحد فضلا عن أن ينفذها، كما أن ما فعله كان تملصا من محاولتهم الإيقاع به كما هو واضح من النص.
وجاء عن نفس الواقعة في إنجيل برنابا الفصل الأول بعد المائتين:
وبعد أن دخل يسوع الهيكل أحضر إليه الكتبة والفريسيون امرأة أخذت في زنى، وقالوا فيما بينهم: إذا خلصها فذلك مضاد لشريعة موسى فيكون عندنا مذنبا وإذا دانها فذلك مضاد لتعليمه لأنه يبشر الرحمة ، فتقدموا إلى يسوع وقالوا: يا معلم لقد وجدنا هذه المرأة وهي تزني، وقد أمر موسى أن ( مثل هذه ) ترجم، فماذا تقول أنت؟، فانحنى من ثم يسوع وصنع بإصبعه مرآة على الأرض رأى فيها كل إثمه، ولما ظلوا يلحون بالجواب انتصب يسوع وقال مشيرا بإصبعه إلى المرآة: من كان منكم بلا خطيئة فليكن أول راجم لها، ثم عاد فانحنى مقلبا المرآة، فلما رأى القوم هذا خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ لأنهم خجلوا أن يروا رجسهم، ولما انتصب يسوع ولم ير أحدا سوى المرأة قال: أيتها المرأة أين الذين دانوك؟، فأجابت المرأة باكية: يا سيد قد انصرفوا فإذا صفحت عني فإني لعمر الله لا أخطئ فيما بعد، حينئذ قال يسوع: تبارك الله، اذهبي في طريقك بسلام ولا تخطئي فيما بعد لأن الله لم يرسلني لأدينك، حينئذ اجتمع الكتبة والفريسيون فقال لهم يسوع  قولوا لي لو كان لأحدكم مائة خروف وأضاع واحدا منها ألا ينشده تاركا التسعة والتسعين؟، ومتى وجدته ألا تضعه على منكبيك، وبعد أن تدعو الجيران تقول لهم: ( افرحوا معي لأني وجدت الخروف الذي فقدته)، حقا إنك تفعل هكذا، ألا قولوا لي أيحب الله الإنسان أقل من ذلك وهو لأجله قد خلق العالم؟، لعمر الله هكذا يكون فرح في حضرة ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب لأن الخطاة يظهرون رحمة الله.
ومن الواضح أن ما أورده برنابا أروع وأفضل بكثير مما أورده يوحنا، والنص يوضح من جديد أن المسيح كان يريد إقامة الحجة على رجال الكهنوت الجفاة المتنطعين المنافقين، كما أن هؤلاء كانوا لا يقصدون إلى تطبيق شريعة، بل كان مقصدهم الإيقاع به.
فالمسيح لم ينقض الناموس كما قال بنفسه، جاء في إنجيل متي إصحاح 5:
17«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. 19فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. 20فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ.
والمسيح لم يكن ملكا عليهم ولم يكن كبير كهنتهم لينفذ حكما عليهم، كانت العملية مكيدة مدبرة ليوقعوه مع السلطات الحاكمة والشعب، فكان لابد من التخلص من موقف كهذا، ولكن الأساس أنه لم ينقض الشريعة كما ذكر في نص صريح، أما الذي نقضها فهم من جاءوا من بعده عندما استبعدوا الشريعة تماما لتكون رسالته ملائمة للأمميين.
وفعله هذا هو أيضًا تشريع، يجب تغليب جانب الرحمة والتصدي بإيجابية للكهنة وتجار الدين وكشفهم للناس، ولكن لم يصدر عنه نهي صريح عن تطبيق الشريعة
وحاصل الأمر أنه لم يلغ الحكم التوراتي، الذي ألغاه ونسخه هو القرءان عندما جعل العقوبة هي الجلد، ولكن المذاهب التي حلت محل الإسلام أعادت العقوبة التوراتية لكونها أكثر قبولا لديهم
وثمة مروية تبين أن الرسول قد حكم على اليهود بما هو موجود في توراتهم، وكان ذلك عندما حكّموه في أمر رجل وامرأة من اليهود اقترفا الفاحشة، وسواء أصحت المروية أم لم تصح أو حدث رجم أم لم يحدث فقد نزلت الآية القرءانية لتنسخ الحكم التوراتي ولتفرض الحكم القرءاني، قال تعالى:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} النور2.
فالقرءان هو الكتاب الناسخ والمهيمن، وهو مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء، فلا توجد عقوبة رجم في الإسلام البتة.
وطالما يوجد حكم قرءاني قطعي الدلالة ورد في آية بيِّنة مبيِّنة كما وصفها الله تعالى وفي سورة فرضها الله تعالى فيجب الإذعان لها، ولا يجوز تكذيبها أو تقييدها، ومن العجيب أن المحسوبين على الإسلام قد سخَّرهم الشيطان ليدافعوا عن شريعة بني إسرائيل المنسوخة -والتي يحاولون هم؛ أي بني إسرائيل، التبرؤ منها- وليصدوا الناس بها عن سبيل الله تعالى.
*****
لقد قال الله تعالى في مطلع سورة النور:
سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{1} الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ{2}
ثم أخذ يذكر الأحكام ويحث على العفة والآداب ومكارم الأخلاق وعلى تجنب الإفك والفواحش، وذلك في آيات بينات محكمات ليس فيها أي غموض، وذكَّر الناس خلالها بأنه يُبَيِّنُ لَهمُ الْآيَاتِ فقال: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{18}
ثم ختم هذه الآيات المحكمات زيادة في التأكيد بقوله: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ{34}}
ثم أتى بآية متشابهة مطلعها: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، ولأنه النور كان به البيان ومنه البيان، ولكن أبى الأعراب إلا كفورا، وخدعهم الشيطان وأضلهم وأعمى أبصارهم فقالوا بنسخ تلك الآية المحكمة المحصنة البينة بآية لا وجود لها لأن داجن الحي قد أكلتها!!!!!!!!!!!!!!!!!! فيا للضلال المبين!!!أو لأن عمر بن الخطاب خشي أن يقول الناس أن عمر زاد في كتاب الله!!!
*****
ويجب العلم بأن المرويات الظنية والآثار لا تنسخُ آيات الله تعالى المحكمة! فحتى على قول المغضوب عليهم والضالين القائلين بالنسخ فالنسخ يكون بما هو خير من المنسوخ، ولا يمكن أن تكون مروية أو آية (الشيخ والشيخة) الركيكة التي أكلتها داجن الحيّ أو اختفت في ظروف غامضة!!! أفضلَ من آية النور المبينة والمبيِّنة.
وبالطبع يمكن تمحيص الآثار التاريخية التي وردت في كتب الآثار بخصوص الرجم، هذا أمر منوط بعلماء التاريخ الحقيقيين وليس بالمتمذهبين، ولكن لا شأن للدين ولا للمسلم بها، وعلى المسلمين ألا ينتظروا جهود الجهابذة والممحصين في هذا الأمر، فالحكم القرءاني واضح وثابت ولا يجوز إثارةُ اللغط من حوله تأثرا بالآثار، فكل الآثار الواردة بهذا الخصوص لا مكان لها في دين الحق، ولا يجوز أن تُذكر في وثائقه.
أما القصة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب والتي زعموا فيها أنه كان يودّ أن يكتب عقوبةَ الرجم في القرءان لولا مخافة كلام الناس فهي سُبَّة لمن رواها، وسبة لمن نُسبت إليه إن صحَّت، وهي لا تلزم أحدًا بشيء، وهي أيضا تتضمن الزعم بأن ثمة قرءانا لم يُدوَّن، فهي معارضة للتعهد الإلهي بحفظ الذكر، وحتى لو كان ما هو مذكور في المروية قد حدث بالفعل فعمر بن الخطاب لم يكن إلها ولا معصوما ولا مشرعا في الدين، ولكن من المعلوم أنه هو بالذات صاحب القول المشهور "حسبنا كتاب الله"، فلماذا لا يأخذون بكلامه هذا في هذه المسألة؟؟!! وإذا كان لديه علم بوجود آية لم تُكتب في القرءان فلماذا لم يتقدم بشهادته هذه إلى اللجنة التي قيل إنها شُكِّلت لجمع القرءان؟!!
ويوضح موضوع الرجم حقيقة الخديعةِ الكبرى التي (شربتها) هذه الأمة والصفعةِ المذلة التي تلقتها على قفاها الكبير العريض، فالمحسوبون على الإسلام أقحموا المرويات في الدين تحت اسم السنة (في الحقيقة الآثار والمرويات) التي هي بالمرَّة الوحي الثاني ومثل القرءان والحكمة المتلوة وذلك بحجة أن القرءان مشكل مجمل مبهم غامض مشفر يحتاج إلى ما يشرحه ويفصله ويبينه، وهم بذلك يكفرون بما ذكره الله تعالى من أن القرءان نور ومبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء، فهل يستطيع أحد أن يقول للناس ما هو الغموض الرهيب والإبهام العجيب في هذه الآية: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}النور2؟
ولكنهم بمجرد أن فتحوا ثغرة في جدار الدين لسنتهم حتى قاموا عمليا بالقضاء على القرءان بها وإحلالها محله!!! وهكذا أصبت بنية الدين وأكثر مادته مأخوذة من المرويات كما هو معلوم وكما يتباهون هم بذلك ويعتبرونه حجة على من يطالب بالإصلاح الديني.
ربما يقول قائل كما قال بنو إسرائيل من قبل: "وما هو نوع أداة الجلد؟ ومن أي مادة يجب أن تصنع؟؟!!" ولكنهم تفوقوا بجدارة على بني إسرائيل بل سحقوهم سحقا وأتوا بما لم يأتوا به؛ فقد ألغوا الحكم القرءاني بالنسبة للمحصنين وقالوا بأنه يجب رجمهم، وهم لم يستعملوا هنا المرويات لنسخ آيات الكتاب المنزل كدأبهم وإنما استعملوا آية لا وجود لها!!! فهل بيان الآية يكون بإلغائها كليا أو جزئيا، وما أشبهم بمن وجدوا عملاقا هائلا يبجله الناس ويتبعونه فزعموا للناس أنه مريض وبحاجة إلى دواء فمكنوهم منه فاستعملوا دواءهم المزعوم لمحاولة قتله!!!! وهكذا تم هجر القرءان المحفوظ بحجج واهية وتمت صياغة الدين باستعمال المرويات التي يمكن تحريفها ووضعها كما ثبت بالأدلة القاطعة.
أما أداة الجلد فهي من المسكوت عنه، ولما كان الله تعالى قد قال في كتابه العزيز أن كتابه تبيان لكل شيء وقال في هذه السورة بالذات أن آياته بَيِّنَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ فهذا يعني أن المسكوت عنه ليس بشيء ديني أصلا، فما يتعلق بالجلد وأداته وكيفيته مفوض لأولي الأمر، ولا يوجد أي مبرر للبحث والاستقصاء التاريخي أو إقحام المرويات بخصوصه، وقصة بقرة بني إسرائيل تبين حقيقة الأمر، ومن مآثر القرن الأول أنهم لم يكونوا كبني إسرائيل، فلم يروَ عنهم أنهم قد اقترفوا أي استقصاء أو محاققة في مثل هذه الأمور.
والآن لنقرأ الآيات: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ{6} وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ {7} وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ{8} النور
إن السياق يدل على أن عقوبة الجلد هي للمتزوجين بالتحديد!! والعذاب المذكور هنا هو الجلد كما سبق أن نصَّت عليه الآية الثانية من نفس السورة.
والآية التي تقرر عقوبة الزنى لم تفرق بين أحوال الزاني أو الزانية، فالجرم واحد، ولو أن سياق الآيات يدل على أنها خاصة بالمحصنين، وهذا يشبه عقوبة السرقة، فالآية لم تفرق بين الغني وبين الفقير في العقوبة.
أما الآية التي تدحض تماماً حجج القائلين بالرجم فهي:
{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } النساء25
فمن الواضح أن الموت رجما لا يمكن تنصيفه، والعذاب المعرف هنا هو نفسه العذاب المذكور في الآية:
{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)} النور
وهذا العذاب هو الجلد كما سبق بيانه، أما الموت رجما فهو عملية قتل، ولو كانت عقوبة المحصنة هي الموت لذُكر صراحة هنا ولقيل: "ويدرأ عنها الموت".
وكذلك لا يمكن مضاعفة الموت رجما لو كان هو عقوبة اقتراف الفاحشة، فالعذاب في الآية الآتية هو أيضا نفس العذاب المذكور في آية النور بالنسبة للمحصنات:
{يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب:30]
والزنا هو فاحشة بلا شك:
{وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا} [الإسراء:32]
فالجلد –وليس الموت رجما- هو الذي يمكن تنصيفه أو مضاعفته.
وقال تعالى:
{الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين} [النور:3]
والزاني والزانية في هذه الآية هما المذكوران في الآية السابقة على هذه الآية:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِين} [النور:2]
ومن البديهي أن المقتولة رجما لا يمكن أن تتزوج مشركا ولا غيره، وبذلك لا يمكن أن تكون العقوبة هي الموت رجما.
ولقد وردت كلمة "رجم" ومشتقاتها ست مرات في القرءان، ولم يرد الرجم في هذه الآيات أبدا كعقوبة على اقتراف أي إثم، بل لم يلوح باستعماله إلا المشركون ضد الأنبياء والصالحين، قال تعالى:
{قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز}[هود:91]، {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا}[الكهف:20]، {سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا}[الكهف:22]، {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}[مريم:46]، {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيم}[يس:18]، {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُون} [الدخان:20]

ومن الكوارث التي ترتبت على إصرارهم على أن الرجم هو عقوبة الزنى أنهم نسخوا بذلك التشريعات القرءانية الخاصة بتفصيلات هذه العقوبة وما يترتب عليها.
وموضوع الرجم كعقوبة والتي أخذ بها أكثر أتباع المذاهب التي حلَّت محل الإسلام يوضح لكل إنسان الحقيقة البشعة لهذه المذاهب، وإذا كان وجود هذه العقوبة هو سبة في جبين المذاهب، فلهم من الأخطاء في حق الله وكتابه ورسوله ما هو أبشع من ذلك.
*****
وعقوبة الزنى هي من الأمور التي تبين الفرق الهائل بين دين الحق وبين المذاهب الضالة التي حلت محله؛ فهؤلاء الضالون ينسخون ويبطلون آية قرءانية محكمة في سورة فرضها الله تعالى على الناس بالآثار والمرويات، فهم لا يأخذون من القرءان إلا ما يتوافق مع الآثار، وقد قال لهم شياطينهم إن السنة (الآثار والمرويات) حاكمة وقاضية على كتاب الله تعالى فآمنوا بذلك وعضوا عليه بالنواجذ، وهؤلاء الذين كفروا بالقرءان وأحكامه وسننه يقذفون من آمن به بأنه يترك "السنة"!!!!! فهم في ظلماتهم يعمهون.
فهذه العقوبة تبين الفارق بين دين الحق الذي يتخذ من القرءان المصدر الأوحد لأمور الدين الكبرى وبين المذاهب التي حلت محله والتي تقدم عليه مصادرها الثانوية.
*****
لا يجوز رجم أحد في الإسلام، وعقوبة الزاني هو الجلد كما هو منصوص عليه في القرءان، أما ديانة الظن، التي تغلب الظن على اليقين فتقول بالرجم، ثم يستخفُّون العامة والغوغاء بزعمهم أن الرجم هو السنة القاضية والحاكمة والناسخة والمخصصة والموضحة والمبينة ... إلى آخر الهراء الذي لا يملون من تكراره، والقرءان قد نسخ الحكم التوراتي الذي كان موجودا من قبل، فيجب اتباع القرءان والإعراض عما يتناقض معه.
وإذا كان الذين يمتهنون الدين ويتربحون به ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويؤمنون بداعش كأهل قبلة وإخوان في الدين يؤمنون بأن الرجم هو فعلا عقوبة الزاني في الإسلام فلماذا لا يطالبون السلطات بالنص عليه في القانون وتطبيقه؟ ولماذا لا يتهمون هذه السلطات بالامتناع عن تطبيق النص الدستوري الذي يجعل من الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع؟! لماذا النفاق والجبن والهلع وخداع العامة؟!
*****
تفاصيل أكثر عن آية الرجم المزعومة
جاء في البخاري:
[ 6442 ] حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن بن عباس قال كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة أبي بكر الا فلتة فتمت فغضب عمر ثم قال إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها فقال عمر والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة قال بن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف فأنكر علي وقال ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرءاناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا هذا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا يوعك فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل الله سعد بن عبادة قال عمر وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا
أورد البخاري هذه المروية الضخمة التي لا يدري أحد كيف حفظها الرواة وظلوا يتداولونها شفهيا علي مدي أكثر من مائتي عام، ولقد نسبوا فيها إلي عمر بن الخطاب أنه قال من ضمن ما قال: (إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرءاناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم)!!!!
والخطبة تتعلق أساسا بأحداث يوم السقيفة ولا يدري أحد ما الداعي إلى إقحام الكلام عن الرجم في أولها، أما الذي يخشى عمر بن الخطاب أن يقوله الناس فهو حق، فلا وجود لآية الرجم المزعومة في القرءان، بل توجد آية محكمة قطعية الدلالة تنص علي عقاب الزاني، ولا يوجد الكلام الآخر الذي زعم أنه من كتاب الله، ولا يدري أحد من أين أتى هو أو الرواة به؟ وهو لا يعني إلا التشكيك في حفظ الله لكتابه!!!
ولم يبين عمر بن الخطاب سبب اختفاء آية الرجم من الكتاب ولم يشر إليه بتصريح أو حتى بتلميح وهو أمر لم يكن معلوما بالضرورة حتى لا يضطر  إلي ذكره، ولكن ثمة مرويات تزعم أن داجن الحي أكلتها ؟!! وقال آخرون إن تلك الآية مما نُسخ لفظه وبقي حكمه!!!!؟؟؟؟؟؟ وبذلك يكون هناك فيما يختص بالآيات من حيث النسخ كافة التباديل الممكنة: ما بقي لفظه وحكمه، ما بقي لفظه ونُسخ حكمه، ما نُسخ لفظه وبقي حكمه وما نسخ لفظه وحكمه؛ أي ما أُنسي؟ ولكن لماذا كل هذه الأحاجي؟ ولقد أعلن الله تعالي أنه أنزل الكتاب بالحق وأنه كتاب مبين وأنه تبيان لكل شيء، فلماذا إثارة اللغط حول نصوصه قطعية الدلالة؟ ألم يجد هؤلاء من يصرخ في وجوههم كفاكم عبثا بكتاب الله تعالي؟
والخليفة عمر بالطبع بريء مما دسوه عليه في خطبته، ولو كان يخشى على سنةٍ ما من الضياع لكان عليه بعد أن جُمِع كتاب الله ودوِّن تدوينا موثقا بناء على اقتراح منه هو شخصياً كما قالوا!!! أن يتبع السبيل المعهود للحفاظ على المعلومات وهو أن يعهد إلى لجنة من أكابر السابقين الأولين الموثوق بهم بتدوين تلك السنن والأحكام التي كان يخشى عليها الاندثار ومنها حكم الرجم العزيز علي اليهود ومن نافق من الأعراب، ولكن الثابت أنه عمل بكل قواه علي ألا يكون ثمة كتاب مع كتاب الله ولقد نجح في مسعاه، والذي يثبته فعله أيضا أنه كان لديهم يقين مطلق أنه ما لا وجود له في كتاب الله لا مصداقية له وأنه سينسى بعد حين!
*****
ويقدم عبيد النسخ مثالا لنسخ التلاوة دون الحكم بما نُسب إلى عمر بن الخطاب وإلى أبيّ بن كعب أنهما قالا: (كان فيما أنزل من القرءان: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) (البخاري ومسلم)، ولا وجود لعبارة كهذه في القرءان، وهي ليست إلا الترجمة العربية لما ورد في التوراة، وربما يكون المسلمون قد أعملوا هذا الحكم قبل نزول الآية القرءانية الناسخة في سورة النور لأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كان مأموراً بالاقتداء بهدى الأنبياء من قبله، ولكن الذي يعني المسلمين الآن هو الحكم المنصوص عليه في آية النور: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِين} [النور:2].
 ولم توضح المروية سبب عدم وجود آية الرجم هذه في القرءان ولا كيف يمكن أن ينسخ الكلام المذكور آية مكتوبة ومدونة في الكتاب المحفوظ وقد وردت في سورة بدأت بنص صريح على أن الله سبحانه قد أنزلها وفرضها علي المؤمنين، قال تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}النور1،  كما انتهت مجموعة آيات الأحكام في السورة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }النور34، فآيات النور بنص القرءان بينات مبينات، فهي ليست بحاجة إلى آية لا وجود لها لتقرر شيئًا ما بخصوصها، فلا يوجد أدنى غموض في الآية القرءانية التي تنص على عقوبة الزانية والزاني حتى يهرع الناس علي المرويات لرفعه، فقولهم المذكور لا يثبت نسخا في القرءان وإنما يشكك في التعهد الإلهي بحفظه ويكشف عن حقيقة موقف بعض السلف من القرءان ونظرتهم إليه.
*******
زعم السلف المقدس أن الآية {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً }النساء15 منسوخة بالآية: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ }النور2، وهذه الآية بدورها منسوخة (بالنسبة للمحصنة والمحصن) بآية مزعومة لا وجود لها والتي أسموها بآية الرجم، وهي "إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم"، وبالطبع فلم يكن ألد أعداء الإسلام بقادر على أن يأتي بمثل هذا الإفك والمفتريات.
أما آية النساء فتحدد عقوبة (اللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) وهن مختلفات عن (الزَّانِيَة) من حيث المبنى والمعنى، فهي تتحدث عن فاحشة نسائية، وأنواع الفواحش لا حصر لها وستظل تتجدد عبر العصور، ويلاحظ أيضا أن الحديث في آية النساء كان عن جمع وليس عن مفرد كما في آية النور، فالآيتان تتحدثان عن أمرين مختلفين فلا تعارض بينهما، أما الزعم بأن آية النور نفسها منسوخة (بالنسبة للمحصنة والمحصن) بآية الرجم فلا علاج له إلا أن يرجم كل من يروِّج لهذا الإفك بتهمة ازدراء القرءان حتى وإن كان يرتدي عمامة ارتفاعها متران.
وبالطبع لا قيمة لأية مروية تخالف القرءان، بل إن من شروط صحة المروية أن تكون مصدقة للقرءان.
*******
وقال مؤلف البرهان (من أمهات الكتب في علوم القرءان) في قول عمر بن الخطاب "لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها؛ يقصد بذلك (آية الرجم)":
"ظاهره أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب، وقد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ولم يعرج على مقالة الناس لأن مقالة الناس لا تصلح مانعا، وبالجملة هذه الملازمة مشكلة ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرءان لا يثبت به وإن ثبت الحكم ومن هنا أنكر ابن ظفر في الينبوع عدّ هذا مما نسخ تلاوته قال لأن خبر الواحد لا يثبت القرءان، قال وإنما هذا المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه".
فإن صحت هذه المروية، فهل كان الناس أشد رهبة في صدر عمر من الله تعالى؟ وهل كان عمر بن الخطاب يعلم موضوع خبر الواحد وغير ذلك من المصطلحات التي سيختلقونها من بعد؟ وهل لم يستطع أن يجد شخصا غيره يؤيده في وجود (آية الرجم)، وهل تم تدوين القرءان بالطريقة العشوائية غير المسؤولة التي اتبعوها بعد أكثر من مائتي سنة مع المرويات؟ ولماذا لم يأمر عمر بتدوين مثل هذه الأمور في كتاب آخر وعلى رأسها آية الرجم التي كان يخشى على حكمها من الاندثار؟ ألم يكتشف الناس من قبله بآلاف السنين أن التدوين هو وسيلة حماية الأخبار من الاندثار؟!
وعلى العموم لقد نسبت المرويات إلى عمر أنه كان يطالع التوراة أمام الرسول حتى أغضبه، وبالطبع فإن القرءان أجلّ وأعظم من أن يتمكن أحد من أن يستغل سلطته ليضيف إليه ما يحلو له، ولو حاول عمر حقا أن يكتب ما ليس من القرءان فيه لفتكوا به، وبالنظر إلى مكانة عمر في القرن الأول ولكونه من السابقين الأولين فمن الواضح أنهم كذبوا عليه، أما من دسّ حكم الرجم في التراث الإسلامي ونسخ به آية قرءانية بينة محكمة مفروضة فيتحمل وزر هذه الجريمة النكراء، إن عرض فيديو يصور عملية الرجم الوحشية في قرية بدائية في الصومال أو أقاسي آسيا يقوض كل ما يبذله الدعاة لاجتذاب الناس إلى الإسلام.
*****
وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصامت قال كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف فمرّا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة"، فقال عمر لما نزلت أتيت النبي فقلت أكتبها؟ فكأنه كره ذلك!!!!، فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رُجم؟ قال ابن حجر في شرح المنهاج: "فيُستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها"، فهل كانوا يحكِّمون منطقهم والمصطلحات التي ستستحدث من بعدهم في آيات الكتاب؟ وما هو دخل الإحصان هنا؟ لماذا لا يكون هذا مثلا حكما خاصا بالشيخ والشيخة الزانيين بغض النظر عن عملية الإحصان؟ وهل من المعقول أن يكره الرسول قرءانا أُنزل عليه من ربه حتى يمتنع عن تدوينه؟ وهل كان تدوين الآيات يخضع للأهواء والمزاج الشخصي؟
قال صاحب الإتقان: "وخطر لي في ذلك نكتة حسنة وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود وفيه الإشارة إلى ندب الستر"، فيا للجرأة على كتاب الله تعالى! وهل إذا كان الحكم ثقيلا أو شديدا يبرر حذف الآية القرءانية من القرءان مع الاستمرار بالعمل بها؟ أليس ذلك هو الكفر البواح؟!! وهل الرجم أشد من حد الحرابة؟!!
وجاء في الإتقان للسيوطي:
4140 - وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت ألا تكتبها في المصحف قال ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر أنا أكفيكم فقال يا رسول الله اكتب لي آية الرجم قال لا تستطيع
قوله اكتب لي أي ائذن لي في كتابتها أو مكني من ذلك
ها هو مروان بن الحكم (الحكم بن العاص هو الوزغة وطريد الرسول والمسؤول الأول عن تأجيج الفتنة التي راح ضحيتها عثمان بن عفان وعشرات الألوف من المسلمين، وهو والي مكة الأموي ومؤسس الدولة الأموية المروانية من بعد) يقول لزيد بن ثابت: ألا تكتبها في المصحف (يقصد ما يسمونه بآية الرجم)؟ فيقول زيد: ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان؟ ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر أنا أكفيكم فقال: يا رسول الله اكتب لي آية الرجم قال لا تستطيع، قوله اكتب لي أي ائذن لي في كتابتها أو مكني من ذلك.
حتى مروان بن الحكم الوزغة مضروب القفا وقاتل طلحة (المبشر بالجنة) يفتي في القرءان، وها هو يقترح إضافة ما يُسمَّى بآية الرجم على القرءان، وكأن القرءان كان مباحا لكي يضيف إليه أمثال مروان ما يحلو لهم، وها هو السبب، إنهم يريدون أن يستمروا في رجم الشباب المتزوج لأن آية الرجم المزعومة تنطبق على الشيوخ فقط، بينما الحكم القرءاني هو الجلد فقط، فهم يريدون أن يفرضوا على القرءان ما يحلو لهم، ويبدو أن الشيوخ الذين كانوا يقتنون في بيوتهم مئات الجواري كانوا يخشون عليهن من الشباب المتزوج الذي لا يستطيع هو الآخر أن يقتني ما لذ وطاب من أنواع الجواري.
وجاء في الإتقان أيضًا للسيوطي:
4141 - وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن يعلى بن حكيم عن زيد بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال لا تشكوا في الرجم فإنه حق ولقد هممت أن أكتبه في المصحف فسألت أبي بن كعب فقال أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله فدفعت في صدري وقلت تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر
4142 - قال ابن حجر وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها وهو الاختلاف
وها هي مروية توضح أن عمر بن الخطاب الذي جعلته المرويات المدافع عن آية الرجم هو الذي منع كتابتها حيث أن المذهب السني كان قد عينه مصححا رسميا للرسول ورقيبا عليه، ولقد قدم عمر سببا لمنع الكتابة وهي أنهم –أي من يسمونهم بالصحابة- كانوا (يتسافدون تسافد الحمر)!!؟؟؟؟؟؟! هذا مع أن المذهب الأعرابي الأموي قد أحاط (الصحابة) بسياج هائل من التقديس والتنزيه واتخذهم بلسان الحال أربابا مع الله سبحانه، فكأن السبب في منع تدوين الآية المزعومة هو الخوف من هلاكهم، ذلك لأنهم كانوا (يتسافدون تسافد الحمر!!!!!)، فكيف يمكن أن تكتب آية لو طُبِّقت لرُجِم جلُّهم؟
ولكن ما هو الفارق؟ ألم يكونوا يطبقون الرجم على أية حال بوجود الآية المزعومة في القرءان أو بدون وجودها؟ فماذا كان يضيرهم لو كتبوها؟؟؟!!!
من الواضح أن من سيستغرق في تحليل قصة آية الرجم المزعومة (التي أكلتها الماعز) سيكفر بالقرءان وأهل القرن الأول وسيتودع منه الإيمان، لذلك تجد العامة الذين لا يعرفون شيئا عن هذه الهرائيات والكفريات والمؤتفكات التراثية أصدق إيمانا ممن تعاطى شيئا من هذا الجهل وتوغل فيه.
*****
ادعوا أنهم لم يكتبوا آية الرجم المزعومة لأنها تنص على رجم الشيخ إذا زنا بينما قد يزني الشاب المحصن!!! والحكم الذي يتبعونه الآن هو رجم الزاني المحصن شيخا كان أو شابا، بينما آيتهم الأثيرة و(المكروهة كما يقولون) في نفس الوقت تأمر برجم الشيخ الزاني حتى وإن لم يكن محصنا، فهم لا يتبعون إذًا الآية المزعومة، أو هم يكذبون بها ويقولون إن صحتها هي "المحصن والمحصنة" وليس "الشيخ والشيخة"، فمن أين أتوا بالحكم الذي نسخوا به آية النور؟ هذا مع أن دليلهم يقول إن الآية تنسخ بآية، والآية التي يحتجون بها للقول بالنسخ يقول إن النسخ يكون بآية خير من الآية المنسوخة أو على الأقل مثلها، فكيف نسخت العبارة المكروهة التي لا وجود لها الآية القرءانية البينة المبينة المحكمة؟؟!! إن عبيد النسخ قد أساءوا الظن بربهم وألحدوا في آياته وألقوا بأنفسهم في ظلمات بعضها فوق بعض.
*****
لقد نسبوا إلى الخليفة عمر أنه كان يود لو أضاف ما أسموه بآية الرجم إلى القرءان لولا مخافة أن يقول الناس إنه زاد في كتاب الله، ولا يمكن أن يصدر قول كهذا عنه، ولا يمكن أن يكون خوفه من الناس أكبر من خوفه من ربه، أما عبيد الأسلاف فبدلا من أن يرتعدوا هلعا من هول ما نسبه أسلافهم إلى الخليفة عمر فإنهم استخدموا هذه الآية المزعومة لنسخ آيات القرءان الحقيقية.
*******
لا وجود لعقوبة اسمها الرجم في الإسلام، عقوبة الزانية والزاني هي الجلد مائة جلدة، وهذه نتيجة أصيلة ومنطقية لمنهجنا للأسباب الآتية:
1.         لوجود نص في آية من آيات الأحكام، وكلها آيات محكمة.
2.         هذه الآية لا يوجد في القرءان ما يقيدها وإنما يوجد ما يؤكدها.
3.         النص موجود في سورة قال الله إنه أنزلها وفرضها ووصف آياتها بأنها مبينات مبيِّنات.
4.         النص موجود في سياق ينتهي بقوله تعالى وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ، والآيات ليست بحاجة إلى من يبينها، والآيات المبينات لا تنسخها مروية ظنية.
5.         طالما يوجد نص صريح بخصوص العقوبة في القرءان فلا يجوز البحث فيما هو من دونه.
6.         لا وجود لآيات قرءانية منسوخة، وإنما يتضمن القرءان الآيات الناسخة فقط.
7.         زعم عبيد المرويات أنه لابد من الأخذ بما يسمونه بالسنة المطهرة (كتب البخاري وشركائه) لأنها موضحة لمشكل القرءان مقيدة لمطلقة مفصلة لمجمله مبينة لمبهمه شارحه لغامضه، فما هو الأمر المشكل أو المطلق أو المبهم أو الغامض في آية سورة النور والذي توضحه المرويات؟ وهل إبطال الآية وإلغاء حكمها يُعتبر توضيحا لمشكلها أو بيانا لمبهمها ...الخ؟
8.         من الكفر الفاجر والضلال المبين الزعم بأن مروية أو ما يسمونه بالـ"سنة" أو آية لا وجود لها نسخت آية قرءانية محكمة.
9.         القول برجم الزانية حتى الموت يتعارض مع آيات قرءانية تضاعف العذاب على نساء وتخففه عن الإماء، فالموت لا يُضاعف ولا يُخفف.
10.    العذاب شيء والموت رجما شيء آخر.
11.    المقتولة رجما لا يمكن أن تتزوج مشركا ولا غيره.


*******

السبت، 18 أكتوبر 2014

مصطلح الإسلام


مصطلح الإسلام

كلمة "إسلام" هي أصلا مصدر أو اسم معنى للفعل "أسلم"، والسين واللام والميم أكثر بابه من الصّحّة والعافية؛ فالسّلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذَى. ومن الباب أيضا الإسلام، وهو الانقياد؛ لأنَّه يَسْلم من الإباء والامتناع، والسلم والسلام هما بذلك مضادان للحرب لما تسببه من عطب وأذى.
ولكلمة "إسلام" معانيها ومدلولاتها اللغوية والاصطلاحية، فالقرءان قد يكسب الكلمة بالإضافة إلى معانيها اللغوية معانيَ اصطلاحية، وهذه الكلمة ومشتقاتها مستعملة في القرءان بكافة معانيها، وذلك أمر على أعلى درجة من الأهمية، هذه المعاني والمدلولات هي:
1-           المعني اللغويُ ويتضمنُ الانقيادَ والخضوع والإذعان والمسالمة، وذلك في مثل قوله تعالى: {.... وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون} [آل عمران:83].
2-           الدخول في السِلم، فهو إفعالٌ وتفعيل للسلام، وهو بذلك مضاد للإجرام، والإجرام يتضمن العمل على قطع أي صلةٍ أو انتهاك أي قانونٍ يضمن استمرارَ حالةِ السِلم، ولذلك فمن الأعمال الإجرامية الظلمُ وكذلك انتهاكُ المحرمات واقترافُ كبائرِ الإثم، أما الإسلام هنا فهو تدعيم كلِّ ما يؤدي إلى تحقيق الأمن والسلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين} [البقرة:208]، أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) } القلم، فهذا المعنى يتضمن إيثارَ جانبِ السلام والمصالحة وإيجاد وتفعيل كافة الآليات التي تحققُ ذلك وتضمن استمراره، وهو من تجليات الله الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ.
3-            الدين الحنيف أي دين الفطرة الطبيعي(The natural religion)  الذي بُعث به كل الأنبياء ودعوا أقوامَهم إليه، وهو الدين الذي قال الله تعالى فيه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون} [الروم:30]، وهذا لا يعني أن الإنسان مبرمج عليه ويمكن أن يهتدي بنفسه إليه، ولكنه يعني أنه الدين المتوافق تماما مع الكيان الإنساني السوي؛ يلبي له كافة احتياجاته، ويحقق له كماله المنشود على كافة المستويات، وهو أيضًا الدين الواحد عند الله تعالى الذي ورد فيه: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ...}آل عمران19، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85، {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}الشورى13، {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}البقرة132، وهو يتضمنُ الإيمانَ بالله والإيمانَ باليوم الآخر وعبادةَ الله وحدَه والانقيادَ له والإخلاص له والإخبات له والتسبيحَ له والتسبيح بحمده وإقامةَ الصلاة وإيتاء الزكاة والصيامَ والحجَ والركوعَ لله والسجود له والعمل الصالح وفعل الخيرات والتزكي بالتحلي بمكارم الأخلاق والتطهر من الصفات الذميمة والإحسان إلي الوالدين والامتناع عن قتل الأبناء خشية الإملاق والوفاء بالكيل والميزان والقيام بالقسط والحكم بالعدل والوفاء بالعهد واجتنابَ الفواحش والانتهاءَ عن كبائر الإثم والأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر...، وهذا هو القدْر الأصلي المشترك بين كل الأديان، وهو الذي كان ينمو ويزداد كلما بُعِث رسولٌ جديد، فالدين كان ينمو مواكبا للتطور الإنساني ودافعا له وحافزا عليه.
4-           الإسلام الظاهري أو الشكلي  (Restricted or limited or superficial or minor or formal Islâm)، وهو جماع ما يعلن به الإنسانُ من الناحية الظاهرية على الأقل انتماءَه للأمة المؤمنة المسلمة ومسالمتَه لها وولاءَه لها، وكان يعني في العصر النبوي إظهار القبول والخضوع لما أتى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وفيه قال تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }التوبة5، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }التوبة11، {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الحجرات: 14، وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }آل عمران20، وهو يتضمن الأركانَ الثلاثة المذكورة في الآيات؛ أي التوبة إلى الله من الشرك؛ أي الجهر بالقول بأنه لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو لا يتضمنُ بالضرورة إيمانا أو إحسانا، وهو الإسلام الذي كان قومُ الرسولِ مطالبين به، وبه يكتسب المرءُ الهوية الإسلامية؛ أي يكون من حقه أن يكون عضواً في الأمة الإسلامية، فأداء هذه الأركان كان بمثابة بطاقة الهوية The identity card للمسلم المنتمي إلى هذه الأمة، وبذلك تجب معاملته كمسلم يكون له كافةُ حقوقِ المسلم ولو كان يخفي نفاقا عريقا، ولكنه يكون أيضا ملزما بالقيام بما عليه من واجبات، ومثلُ هذا لا يجوز إخراجه من الجماعة المؤمنة وإن كان يجب أخذُ الحِذْرِ منه وجهادُه بالقرءان، والالتزام بالأركان المعلومة هو بمثابة بطاقة هوية لكل من ينتمي إلي الأمة، لذلك يجب مساءلة من لا يلتزم بها في حالة وجود تلك الأمة وامتلاكِها لمقدراتها ووجود ولاة أمر لها منها حتى يمكن إسداء النصح له، ولكن لا يجوز لأحد إنزال أي عقاب به، فلا إكراه في أي أمرٍ من أمور الدين، ذلك أمرٌ ديني ملزم، ومن الجلي أن إسلاما كهذا لا يضمن النجاة لصاحبه، أما من اعتنق هذا الإسلام رغبةً في الاهتداء وليس نفاقا ولا علي سبيل التقية فإنه بقيامه بأركانه وحرصه علي العمل بما فقهه من كتاب الله سيدخل الإيمان في قلبه شيئا فشيئا ويصبح مؤهلاً لكي كون مسلما بالمعنى الحقيقي.
5-           الإسلام الذي هو دين الحق الملزم للناس كافة والذي يتضمنه القرءانُ الكريم (The religion of truth, The official or the true Islâm)  ، والذي كان الرسول مجسدا له بأقواله وأفعاله وسنته وحياته، وهذا الإسلام هو الدين الكامل الجامع الخاتم، وهو أيضاً الدين العالمي والرسمي والاصطلاحي، فهذا الدين هو الصورة الكاملة التامة للدين الذي أرسل به كل الأنبياء والمذكور في البند الثالث، فهو يتضمن كلَّ ما هو مذكور هناك، وهو دين الفطرة في صورته الكاملة التامة؛ أي بعد أن بلغ ذروة تطوره وتمت الكلمة، وهو الذي أعلن الله تعالى في القرءان أنه أكمله للناس وأنه سيظهره على الدين كله، {....الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً.....}المائدة3، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح:28]، ولهذا الدين سماتُه وعلومُه وبيِّناته ومقاصده وقيمه وأركانه وسننه، ولكل عنصر من العناصر الواردة في القرءان مكانه في هذا الدين طبقا لوزنه القرءاني، وأركانه هي كل ما ورد به أمر إلهي ملزِم ومشدَّد وحرص القرءان علي تأكيده وبيان أهميته، وعلي رأس تلك الأركان الإيمان بالإله الواحد الذي له الأسماء الحسني والأفعال والشئون والسنن المذكورة في القرءان، ولب هذه الأركان عبادة الله تعالى بإخلاص وذكر الله والعمل على إقامة صلة وثيقة به والتزكِّي، ولهذا الدين مقاصده الكلية، هي جماع مقاصده الجزئية والتي هي الحٍكم من كافة الأوامر الدينية، ولا نجاة لإنسان الآن إلا بالالتزام بهذا الإسلام طالما بلغه البلاغ الكافي، ومن كان حريصاً على الالتزام المطلق بهذا الإسلام قلبا وقالبا فهو من المؤهلين لجني ثماره وهو من المبشرين بالجنة، وكل صور الإسلام المذكورة سابقا هي أجزاء منه أما ما يليه فهو ثمرة له.
6-           الإسلام الذي هو العلاقة الخاصة بين العبد وربه، وهو من لوازم أركان دين الحق الجوهرية، وهو يتضمن تمسك الإنسان بما فُطِر عليه من الإقرار لله بأنه رب العالمين والخضوع التام له والانقياد له والإخبات له واتخاذه وليا والعمل بمقتضى ذلك، وهو يعني الولاء لله والإخلاص لله والتوبة والإنابة والقنوت والإخبات إلي الله وحب الله وتقوى الله وذكر الله والاعتصام به والتوكل عليه وتفويضَ الأمر إليه وإجلالَه وتعظيم قدره والاستعانةَ به والاستعاذةَ به والتسبيح له والفرار إليه والشكرَ له واتخاذَه ولياً والعمل لإعلاء كلمته والإقرار بنعمته واستغفاره والوفاء بعهده وميثاقه، وأعلى درجاته هو أول الإسلام؛ أي أعلى درجات الإسلام، وهو إسلام الوجهِ مطلقاً لرب العالمين، وهو ثمرة الالتزام بالإسلام الكامل أي بدين الحق، والثمرة هي جماع مقاصده على المستوى الفردي، ومن تحقق به فقد كتب الله في قلبه الإيمان وكتب في صدره آياتِه البينات وجعل له فرقانا وأحياه الحياة الحقيقية، وجعل له نورا يمشي به، وفيه قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ{163}}(الأنعام)، والدرجات العلى هي لمثل هذا المسلم على المستوى الجوهري في هذه الحياة وفي الجنة في اليوم الآخر، وهذا المسلم هو الذي تحقق فيه المقصد الديني الأعظم؛ أي أصبح إنسانا ربانيا فائقا (تقيا صالحًا مفلحًا محسنا شاكرا).

والإسلام المطلوب من الإنسان الآن هو دين الحق المذكور في البند الخامس، وهو الدين التامّ الكامل الجامع الخاتم، وهو أيضا الدين العالمي والرسمي والاصطلاحي الملزم لكل من بلغه البلاغ المبين، فهذا الدين هو الصورة الكاملة التامة للدين وكل الأديان التي جاءت قبله كانت تمهيدا له، ولا يمكن أن يأتي دينٌ آخرَ بعده، ولا أن يظهر نبي بعد نبيه، وكل ما سيأتي بعده لا يمكن أن يكون إلا مندرجا في سياقه أو تفصيلاً لبعض عناصره أو تأويلاً لبعض آياته؛ أي من لوازم تفصيله وظهوره، وهذا الإسلام ماثل في القرءان الذي هو رسالة الرحمـن إلى كل بني الإنسان، فمرجعه الأوحد في الأمور الكبرى هو القرءان، وهو مرجعه الأعلى في الأمور الثانوية، وهو ملزم للناس كافة إلى يوم الدين، وهو الطريق الرسمي المتاح للكافة للفوز بالنجاة والأمن والسعادة في الدار الآخرة.
وكثير من تفاصيل دين الحق تتكشف للإنسان بمضي الزمن واطرادِ التقدم دون أن تتغير هويته أو أسسُه أو هياكله أو منظوماته أو معاني مصطلحاته، فالإسلام دين ديناميكي حي، أما العكوف على ما توصَّل إليه شخص من السلف أو الخلف باجتهاده البشري خوفا وتهيبا فهو كالعكوف على الأوثان، وهو بلا شك من ضروب الشرك، ذلك لأن يتضمن محاولة لإضفاء سمات إلهية على السلف وعلى مقولات السلف، ولذلك لا يخلو مذهب من المذاهب التي حلت محلَّ هذا الدينِ من شرك، قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}الأنعام159، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{30} مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32}الروم، {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}الشورى13.
ولقد أعلن الله تعالى أن تأويلَ القرءان سيأتيهم شيئا فشيئا، فالشقيُّ التعسُ هو من حجَّر رحمة الله وفضلَه، وعكف على ما وصل إليه السلف لم يبغ عنه حولا ولم يحاول أن يتعلم من أئمة عصره.
*******
والإسلام المراد تبيينه أساسًا في كتاباتنا هو دين الحق؛ ذلك الدين العالمي الخاتم الذي أكمله الله تعالى وارتضاه لعباده وتمَّت به كلماته صدقا وعدلا والذي هو ملزم للناس كافة والذي بُعث به خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ والذي يتضمنه القرءان الكريم وما يصدقه مما تواتر عن الرسول من السنن وما نُسب إليه عن طريق المرويات، وهو دين الحق الجامع لكل الصور المعلومة للإسلام، فكلها أجزاء منه أو مراحل من مراحله أو من ثمار العمل به، فهذا الإسلام هو الدين الرسمي الاصطلاحي، والقرءان الكريم هو المرجع الأوحد لهذا الدين في كل الأمور الكبرى والمرجع الرئيس فيما هو دون ذلك من الأمور، فعناصر هذا الدين مبرهن عليها كلها بآيات القرءان الكريم، ذلك لأنه أصلا مستخلص منه وفق منهج قرءاني منطقي صارم.
أما المذاهب التي حلَّت محلّ الإسلام فقد اتخذت القرءان مهجورا وقدمت عليه ما شاء لها هواها أن تقدم من مصادر وحكَّمتها فيه وقضت بها عليه رغم كل دعاواهم وعبارات المدح المنمقة التي يكيلونها له، وقد أثبت التاريخ والواقع المرير والحالة المزرية للأمة وعمق الهوة التي تردت فيها وما زالت تتخبط فيها مدى زيف وضحالة وتهافت وفشل المذاهب التي حلت محلّ الإسلام، ولم تنجح هذه المذاهب إلا في تحقيق أشد أحلام الشيطان جموحا، ولكن ذلك لا يعني إحداث مذاهب جديدة تجرد الدين من معانيه وأسسه وجوهره ولبِّه وغيبياته وتجعله مجرد مذهب اجتماعي للتعايش مع الآخرين.
وإذا كان الناس قد اتخذوا القرءان مهجورا متذرعين بدعاوى ومزاعم قديمة فلا يجوز الآن اتباع منهجهم تذرعا بمزاعم جديدة، وليس من الأمانة أن يظل أحدهم يصرخ مطالبا ليل نهار بالعودة إلى القرءان وهو يبني كل كلامه على الكفر بأكثره.
*******
إن الدين عند الله واحد؛ هو الإسلام به أُرسل كل الرسل، ولقد بدأ بصورة بسيطة ثم أخذ ينمو ويكتمل مع الزمن مواكبا لتطور الإنسان وتقدمه ودافعا إليه، وكان يتخللُ ذلك نزولُ شرعةٍ ومنهاجٍ من حينٍ لآخر لإصلاح الأحوال الخاصة بالأقوام والأمم، وهذه الشرائع والمناهج من الممكن أن تتعدد، ذلك لأنها كانت تعالج ما غلب على كل قوم من الأقوام من ألوان الفساد والآثام، وهذا ما يظهر مثلا في رسالات الأنبياء هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام لأقوامهم، قال تعالى:
{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131)} الشعراء
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154)} الشعراء
{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170)} الشعراء
{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186)} الشعراء
ولكن كان التطور يمضي باتجاه الوفاء بكل ما يلزم الإنسانية الشاملة والعالمية، إلى أن آن أوان اكتمال الدينِ وتمامه، وقد حدث ذلك بالرسالة المحمدية، فبلغ الدين أوجَ كماله وعالميته، فجاء بعلوم جديدة وبشرائع جديدة، ونسخ ما نسخ من الشرائع الخاصة وأبقى ما أبقى، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
*******
قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم:35]
هذا تساؤل استنكاري، فلا يمكن أن يستوي المسلمون والمجرمون، هذه بديهية، ولقد حاول بعض المجتهدين الجدد ليّ عنق الآية واستنطاقها بما يؤمنون به مسبقا، وهو أن اليهود والنصارى مسلمون!؟؟؟!! وكان من الأولى بهم أن يعرفوا من هم المسلمون في القرءان، ومن هم المجرمون.
أما المسلمون فأكثر آيات القرءان تبيِّن حقيقتهم وما يجب أن يؤمنوا به وأن يعملوا به، وليس من بينهم بالطبع من كفر بالقرءان أو ببعض القرءان أو بالرسول الذي أُنزل عليه القرءان، فلا يمكن بذلك أن يكون اليهود والنصارى مسلمين.
فالْمُسْلِمونَ ليسوا كَالْمُجْرِمِينَ، هذا بالطبع أمر واضح وبديهي، ذلك لأن اختلاف المبني يعني اختلاف المعنى، وهو فوق ذلك النتيجة المنطقية لكل الآيات القرءانية التي تبين صفات وأفعال كل من الطائفتين، فلا يمكن أن يستوي المسلمون والمجرمون، ولكن هذه المعادلة لا تجعل بالضرورة كل من ليس مسلما مجرما، ولا تجعل كل من ليس مجرما مسلما، وبالطبع لا تجعل كل من ليس مجرما مسلما أو يهوديا أو نصرانيا، ومن المعادلات المنطقية والرياضية الثابتة:
لو كانت المجموعة {س} لا تساوي المجموعة {ص} فهذا لا يعني بالضرورة أن {س} = - {ص}، ولا يوجد في المقدمة ما يشير إلى أن المجموعة {س} تتضمن كل العناصر المضادة للمجموعة {ص} ولا ما يثبت العكس، ومن أراد القول بذلك فعليه أن يأتي ببراهين أخرى مستقلة.
كما أن ذلك لا يعني أيضاً أن {س} تتضمن بالضرورة المجموعتين {د} و {م} فهذه أمور أخرى يجب إثباتها ببراهين أخرى مستقلة، وبالطبع فإن ثبوت أن هاتين المجموعتين تتضمنان عنصر من المجموعة {ص} يكفي تماما لدحض أن تكونا من المجموعة {س} المضادة للمجموعة {ص}.
ومن تتبعِ واستقصاءِ واستقراء آيات القرءان التي تبين أفعال وصفات كل من المسلمين والمجرمين يتبين أن اليهود والنصارى لا يحققون الشرط الضروري الأدنى لكي يكونوا مسلمين، أما الذين بلغتهم منهم رسالة القرءان البلاغ المبين ثم أصروا مع ذلك على الكفر بها فتنطبق عليهم بعض صفات المجرمين، وأشدهم إجراما من عمل على إحباط رسالة النبي الخاتم وتقويضها.
ولمزيد من توضيح المعادلات السابقة:
قال تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14)} الجن.
فهذه الآية تجعل القاسطين مقابلين للمسلمين، وهاهنا ينطبق الكلام السابق أيضا، فالقاسطون هم الجائرون الظالمون، وبذلك فالمصطلح "مسلم" لا يتضمن فقط ما هو مضاد للمصطلح "قاسط"، بل هو أكبر من ذلك بكثير، أما المصطلح "قاسط" فلا يمكن أن يتضمن أبدا كل المعاني المضادة للمصطلح "مسلم"، هو أصغر من ذلك بكثير.
قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)} مريم
فهذه الآية تجعل المجرمين في مقابل المتقين، وبالطبع لا يمكن أن تكون صفات وأفعال أيٍّ من الطائفتين هي العكس التام من الناحيتين المنطقية والدينية لصفات وأفعال الطائفة الأخرى.
وقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75)} طه
وهذه الآية تجعل المجرم في مقابل المؤمن، وبالطبع لا يمكن أن تكون صفات وأفعال أيٍّ من الطائفتين هي العكس المنطقي والديني التام لصفات وأفعال الطائفة الأخرى.
فالمقابلة بين طائفتين في آيات القرءان لا تعني بالضرورة أن إحداهما تتصف بكل الصفات المضادة للطائفة الأخرى، ولكنها قد تهدف مثلا إلى التهويل من شأن صفة معينة لدى الطائفة السيئة وبيان مدى بشاعتها، كما قد تهدف إلى إظهار وبيان شأن إلهي، وكذلك إلى تقريع المخاطبين ودحض أقوالهم، ومن ذلك قوله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم:35].
فالمقصد بيان أن الله تعالى هو الحق، وأنه يحكم بالعدل، ولذلك هو لا يسوي بين المسلمين وبين المجرمين، وخواص كلتا الطائفتين مبينة في آيات قرءانية عديدة، يمكن للمسلم المتدبر أن يعرفها، والخطاب يبين مدى بشاعة صفة الإجرام ومدى سموّ صفة الإسلام ويتضمن تقريعا وتهديدا للمخاطبين، وهم كفار قريش، وكل من تبنَّى نفس قولهم هذا إلى يوم الدين.
ولا يجوز الخلط بين المعاني اللغوية وبين الدلالات الاصطلاحية، كما لا يجوز أبدا استغلال جهل الناس بالدلالات الاصطلاحية للكلمات، فالمقصود بالمسلم بالمعنى الاصطلاحي هو من يؤمن بما أُمِر بالإيمان به في القرءان وأن يقيم الصلاة وأن يؤتي الزكاة طبقا للمفهوم الإسلامي المعلوم، فهذا هو الحد الأدنى اللازم، ومن أركان الإيمان اللازم الإيمان بالله وكتابه القرءان ورسوله خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وباليوم الآخر، فمن لم يوفِّ بشيء من ذلك ليس بمسلم، أما الزعم أو بالأحرى الهراء الذي أحدثه الضالون الجدد فهو أن يقولوا: المسلم هو عكس المجرم، واليهود والنصارى ليسوا مجرمين، إذاً هم مسلمون!!!! وهو بذلك يحاول أن يستقطع آية من القرءان ليضرب بها كل الآيات الأخرى والمنهج القرءاني والمنطق القرءاني.
فلا يحق أبدًا لبعض المضلين الجدد أن يفرض على الإسلام والناس رأيه الفاسد المقرر سلفا، وهو أن اليهود والنصارى مسلمون.
-------
إن أعلى درجة من درجات الإسلام هي درجة أول المسلمين، والمتحقق المطلق بها هو النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ولكنها متاحة لكل من وجه وجهه لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين.


*******

الجمعة، 17 أكتوبر 2014

مهام الرسول الأعظم

مهام الرسول الأعظم

يملأ أكثر المجتهدين الجدد ودراويشهم والمسمون بالقرءانبين الدنيا صراخا بأنه لم تكن للرسول إلا مهمة واحدة هي تبليغ الرسالة، والحق هو أنه كان للرسول مهام عديدة مذكورة في القرءان، وها هي مهامُّ الرسول من القرءان بإيجاز حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغيّ من لهج به:

1.      الرسالة والنبوة
2.      الدعوةُ إلى الله.
3.      التبشير.
4.      الإنذار.
5.      التبليغ.
6.      تبيين آيات القرءان للمؤمنين.
7.      تلاوةُ القرءان عليهم.
8.      تزكيةُ أنفسهم.
9.      تعليمُهم الكتاب والحكمة.
10.   تعليمهم ما لم يكونوا يعلمون.
11.   ولايةُ كافة أمور أمة المؤمنين من بين الناس.
12.   الحكم (القضاء) بينهم.
13.   أخذُ الصدقات منهم وتوزيعُها عليهم.
14.   الصلاة عليهم.
15.   تشريعُ بعض الأمور بإذن ربه مثل جعل الحج مرة واحدة في العمر.
16.   سن بعض الأذكار والأدعية مثلما هو الحال في الصلاة.
17.   الشهادةُ على أمته.
18.   الشهادةُ على شهداء الأمم.
19.   ختم النبوة.

20.   إعداد وبناء أمة خيرة فائقة.
ويجب على الناس أن يعلموا أن القرءانَ يستعملُ أساليب الحصر أحياناً للتأكيد أو للتركيز على المهمة التي يقتضيها السياق أو للتسرية عن الرسول.
أما الجهلة بالأساليب القرءانية فهم يوقعون أنفسهم في ظلمات فوقها ظلمات وفي مستنقع من الضلالات والتناقضات سيودي بهم إلى التهلكة لا محالة، ولذلك نقول إن عامة المسلمين الذين يعرفون للرسول قدره أفضل منهم!

إن القرءان الكريم قد نص على كل المهام المنوطة بالرسول، ودين الحق يوجب الرجوع إلى القرءان وحده لمعرفة هذه المهام، ولقد كان الرسول مكلفاً بمهام خاصة بقومه ورد ذكر بعضها في الآيات الآتية: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}البقرة129، {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }البقرة151، {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }آل عمران164، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }الجمعة2.
ولقد كان منوطا بالرسول أن يشرِّع لأمته بإذن ربه في بعض الأمور وأن يسن لهم بعض السنن، وفي تلك الأحوال فإنه كان حريصاً على البلاغ المبين وعلى أن يُحفظ ما سنَّه لكي ينتفع به سائر المسلمين، وليس لأحد أن يطرح سؤالاً مثل هل كان ذلك بوحيٍ مباشر أو كان منه مباشرة، فإن مقام النبوة والرسالة أجلُّ من أن يوجهَ إليه سؤالٌ كهذا، لقد كان الرسول علي صلة وثيقة بربه وعلى بصيرة من أمره وكان بمثابة آلةٍ إلهية معتمدة لتشريع ما يلائم البشر أجمعين، وهو عندما قال (لو قلت نعم لوجبت) لمن سأله عن عدد مرات الحج (أفي كل سنة؟) كان محقا، فلقد كان الأمر مفوَّضاً إليه فاختار أدني حد ممكن، والأصل الحقيقي لقصةِ فرض الصلاة يبيِّـن أيضاً كيف اختار أدني حد ممكن، فلقد كان بحق رحمة للعالمين، ولقد كان يعلم أن من ظن أن ثمة أمراً لابد منه لكي يتقربَ إلي ربه وليفوزَ بمرضاته ووقر ذلك في صدره فإنه سيُكتب عليه، وربما لن يتمكن من رعايته حق رعايته فيؤاخذ بذلك.
ومن مهام الرسول ومراتبه أنه الشهيد على أمته وعلى شهداء الأمم، ولأن الرسول هو حامل الذكر المنزَّل وكان من مهامه تلاوته عليهم فلقد صار هو بمثابة الذِكْر لهم، قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }البقرة143  *  {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً }النساء41  *  {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }النحل89  *  {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }الحج78  *  {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً{10} رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}الطلاق.

نظرات في مهام الرسول

1-          مهام الرسول موضحة بكل دقة في القرءان، ولقد تم تأكيدها تأكيدا شديدا بكل صور التأكيد المعروفة ومنها التكرار، ومن هذه المهام أنه رسول ونبي ومبشر ونذير وداعٍ إلى الله بإذنه ومعلمٌ يتلو القرءان على قومه ويعلمهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ويخرجهم من الظلمات إلى النور.
2-          كان الرسول حاملا رسالتين؛ إحداهما إلى قومه خاصة والأخرى إلى الناس كافة، فقومه تنطبق عليهم أحكامُ وقوانين أقوام الرسل ومنها أنهم من بعد أن رأوا رسولهم والبينات التي جاءهم بها أصبح لزاماً عليهم أن يسلموا له، ومن يشاقق الرسول من بعد أن أتاهم بالبينات لابد من حسم أمرهم في هذه الدنيا.
3-          من مهام الرسول بل كل كبارِ الرسل بناءُ أمةٍ مؤمنة داعيةٍ إلى الخير آمرةٍ بالمعروف ناهيةٍ عن المنكر، وكان منوطاً بالرسول الأعظم والنبي الخاتم بناءُ أمة تحملُ راية الحق للعالمين إلى يوم الدين، ولقد رباهم الرسول وعلمهم وزكَّاهم ليكونوا كذلك، ولقد نجح الرسول في مهمته وأوجد أمة قد تفجرت طاقاتها (إن صح التعبير)، فكل مسلم كان بصفة عامة عالما ومحاربا وقاضيا وتاجرا وداعيا.....
4-          لا يعرف الإسلام مفهوم الحكم على الناس (To rule) ولكنه يعرف مفهوم الحكم بين الناس (To judge)، فلا مجال لأن يتسلط أي فرد على الأمة، وكل فرد في الأمة حاكم آمر في مجاله محكوم مأمور في المجالات الأخرى، ولقد نفى الله عن رسوله كل مفاهيم التسلط؛ فهو لم يكن عليهم بمصيطر ولا بجبار ولا بحفيظ ولا بوكيل ولا بملِك، والدين العالمي لا يحدد للناس ما لا يمكن تحديده وما هو قابل للتغير بشدة وفق درجة التطور الحضاري وظروف العصر والمصر.
5-          كان منوطاً بالرسول ولايةُ كافة أمور من اتبعه من قومه؛ القضائية والعسكرية والتنفيذية، وكانوا ملزمين أيضاً بطاعته من حيث ذلك، ولقد ألزمهم الله تعالى بطاعته كوليّ أمر وليس كملك عليهم بالإضافة إلى طاعته كرسول نبي، والفرق هائل، ولو عيَّن نفسَه ملكاً عليهم لكان له بذلك حق الطاعة بموجب كونه ملكا مثل كسرى أو قيصر ولصارت كلمته هي القانون، ولانتفى مبدأُ الثواب والعقاب ولما كان للرسالة والدعوة معنى، وهو البريء من كل هذا تماما، بل إن ما يحاول المحسوبون على الإسلام إلصاقَه به هو ما يرميه أعداء الله والإسلامِ به! إن الرسولَ النبي الداعي لا يمكن أن يكون ملكاً أبداً، أما سليمان مثلا، فلم يكن رسولا، بل كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل. 
6-          لم يكن الرسول ملكا ولا رئيسَ دولة ولم يكن من مهامه تأسيس كيان سياسي أو دولة ليوصي بقيادتها لأحد من بعده، ولذلك امتنع امتناعا باتا عن تعيين أحدٍ من بعده، فهو لم يكن ليفوته أمر كهذا أبدا، ولو شاء لفعل، ولكنه كان يعرف طبيعة مهامه، وهو كان يكتفي من شيخ القبيلة أو حاكم المدينة بإعلان إسلامه ولم يتدخل في أساليب حكمهم وإنما كان يرسل قاضيا ليحكم بينهم ومعلما دينيا لهم، وهو لم يعمد أبداً إلى إدماج كل هؤلاء في كيان سياسي واحد.
7-          كان منوطاً بالإمام عليّ أن يتولى أمورهم الدينية (التعليم والتزكية) حيث أن أكثرهم (أكثر من مائة ألف) لم يؤمنوا إلا بعد فتح الحديبية ولم يتعلموا من الرسول شيئا يعتد به، وكان مطلوبا استكمال تعليمهم وتربيتهم وتزكيتهم على يديه، ولقد أخذ الرسول عليهم تعهدا بذلك على رءوس الأشهاد كما هو معلوم، وكان إعلان أن الإمام عليا هو سابق الأمة وولي كل مؤمن بمثابة إعلان النتيجة النهائية من المعلم على تلاميذه قبيل رحيله عنهم.
8-          كلمات مثل الصحبة والصحابة ليس لها أي مدلولٍ ديني، ولم يستعملها القرءان خارجَ نطاق معناها اللغوي، فهي تعبر عن مجرد التقاء لفترةٍ ما في الزمان والمكان، فهي ليست بمصطلحات قرءانية، ولكن شياطين الجن والإنس (الأمويين ومن ناصرهم) نفخوا في كلمة "الصحابة" حتى أصبحت المصطلح الديني الأقدس، وبالطبع كان المقصدُ رفعَ شأن الطلقاء والمنافقين وفرضهم على الأمة كسلطة دينية واعتبار كل تصرفاتهم ومنها جرائمهم جزءا لا يتجزأ من الدين، أما الصفوة من الذين آمنوا فقد سماهم القرءان بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فهم في غنى بهذا الاسم القرءاني عن مصطلح يسوِّي بينهم وبين الطلقاء والأطفال والمرتدين والمنافقين.
9-          ولقد حاولوا جعل كلمة الصاحب أو الصحابي مرادفة لكلمة خليل أو صديق أو حميم فتطاولوا بذلك على الرسول كما هو دأبهم، وتواضعُ المعلم الأستاذ لا يجعل من تلاميذه خلانا له ولا أندادا له، ولقد أعلن الرسول أنه لم يتخذ أحداً خليلا.
10-      لم يتخذ الرسول منهم خلانا، وقد أعلن ذلك بكل وضوح، وكان من مهامه الشهادة عليهم، فلما انتقل أصبحت مهمته الأساسية الشهادة عليهم، وهو سيؤدي شهادته بكل صدق وأمانة، والفارق في الدرجة والمرتبة هائل بين خاتم النبيين وبين من اتبعه من قومه، ولقد أعلن القرءان مسبقا أول عناصر تلك الشهادة، وهي أنهم اتخذوا القرءان مهجورا.
11-      بعد انتقالِ الرسولِ أصبح أمرُهم منوطاً بهم، فهم مبتلون كغيرهم، وأعمالهم تُحسب لهم أو عليهم، وهي لا تُلزمُ من جاء من بعدهم بشيء، ولا يجوز أن تعتبرَ جزءا من الدين، وقد كان عملا كهذا هو الذي أودى ببني إسرائيل الذين جعلوا تاريخَهم دينا.
12-      الإسلامُ دين من أهم سماته العالمية، ولسمته تلك الحكمُ على كل مصادر الدين الثانوية، ويمكن لأي شخص في أي مكان في العالم أن يكون مسلما كامل الإسلام.
13-      للإسلام مقاصده العظمى التي لها الحكم على كل ما يختص به وعلى المصادر الثانوية.
14-      النظام الإسلامي هو نظام أولي الأمر، وهم الصفوة المؤهلون لإدارة وتصريف الأمور وليس للحكم بمعناه الحديث.
15-      الشورى آلية إسلامية ملزمة للناس كافة، فكل من تولى أمرا بدءا من رب الأسرة وانتهاءً بهيئات أولي الأمر ملزمون باستعمال تلك الآلية.
16-      وحدة الأمة المسلمة على أي مستوى حتى وإن كانت أقلية في بلد غير إسلامي ركن ديني ملزم، ولا علاقة لذلك بالوحدة السياسية، بل تعني الترابط والتماسك ووجود بنية تربطهم ببعض ووحدة المقصد.
17-      لم يكن من أهداف الرسول أبداً بناءُ دولة موحدة بالمفهوم الحديث ولا مملكة، وكان يترك كل شيخ قبيلة أو حاكم في مكانه طالما أسلم، وكان يكتفي بإرسال من يقضي بينهم ومن يعلمهم أمور دينهم، وهذا هو الأمر الطبيعي، فالدين الخاتم يجب أن يكون عالميا صاحا للتطبيق في كل زمان ومكان ملبيا لحاجات كل فرد في أي بيئة وُجد فيها، ولا يوجد في الإسلام ما يلزم المسلمين بإشعال الأرض نارا وإثارة الاضطرابات في كل مكان للاستيلاء على السلطة في أي مكان وُجدوا فيه.
18-      بالطبع كان الرسول يودّ لو عرفوا للإمامِ عليّ قدره، ولقد همّ في لحظات معينة أن يوليَّه عليهم بالمعنى العام لعلمه أن ذلك أفضل في المجال الديني، ولكنه كان يعلم جيدا أن ذلك ليس من مهامه، وكان الإمام عليّ على علم بذلك، ولقد حذَّرهم الرسول من فتن كقطع الليل المظلم، ولكنه كان يعلم أن التأليف بين قلوبهم كان نتيجة تدخل إلهي خاص لإنجاح الدعوة، وأنه سينقضي بانتقاله، ولقد حذرهم في خطبة الوداع من أن يرجعوا من بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض وأن يفتتنوا بالدنيا وأن يتنافسوها.
19-      إن ما سُمِّي بحروب الردة هي بالأحرى حروبُ تأسيسِ الدولة، وقد كانت نتيجةَ اجتهاد خاص بأبي بكر لم يكن أقرب الناس إليه وهو عمر بن الخطاب يعرفه أو يتوقعه، فأبو بكر هو الذي أعلنها مدوية أنهم لو منعوه شيئا كانوا يؤدونه للرسول لقاتلهم عليه! وهذه الحروب هي التي صبغت التاريخ الإسلامي من بعد بصبغة خاصة تميزه عن تاريخ الأديان الأخرى، والإسلام ليس مسئولا بالطبع عما شاب هذه الحروب من جرائم ومخالفات جسيمة، وقد ارتد بعض العرب والأعراب بالفعل، ولكن لم يكن كل من تعرض لتلك الحملات العسكرية الشرسة مرتدين بالمعنى الدقيق وإنما أبوا أن يستأثر القرشيون بالسلطة وأن يتولى عليهم من لم يشاركوا هم في اختياره، وهم كانوا يعلمون أن الصدقات إنما تؤدى إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ باعتباره نبيا بموجب الأمر القرءاني: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم}[التوبة:103]، فهم لم يعرفوا ولم يفقهوا أي مبرر لأن يأخذ منهم أبو بكر أموالا خاصة وأن النبي لم يدمجهم في كيان سياسي واحد، بل تركهم على ما كانوا عليه، وهم بحكم طبيعتهم وعاداتهم لم يكونوا يألفون الخضوع لسلطة مركزية واحدة كسائر الشعوب من حولهم.
20-      لو تولى الإمام علي لكان أصلح لهم على المستوى الديني الجوهري، ولكن كان ثمة احتمال كبير أن ترتد قريش ومعها الطائف مع سائر العرب والأعراب أو بالأحرى لتمردوا، فأكثرهم أسلموا ولما يؤمنوا، ولتغير مجرى التاريخ.
21-      لا يتحمل الإسلام نتائج الاجتهادات البشرية، الإسلام دين عالمي اكتمل أثناء حياة الرسول، وهو تتويج للدين الإلهي الواحد، أما تاريخ المسلمين فهو شيء آخر.
22-      لقد بلَّغ الرسول الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة، وأشهد قومه على ذلك فشهدوا، أما من بعده فهم يتحملون كافة تبعات أعمالهم واختياراتهم وتصرفاتهم، ولقد أصابوا وأخطئوا من بعده مثلما أصابوا وأخطئوا في حياته، وآيات القرءان كما تشهد لهم فكذلك تشهد عليهم، والتاريخ يسجل أنهم اقترفوا ما حذرهم منه، فقد حذرهم من أن يضرب بعضهم رقاب بعض فضربوا ومن أن يتنافسوا الدنيا ففعلوا، ولقد روى التاريخ كيف ترك بعض أكابرهم ذهبا كان يُقسم بين الورثة بالفئوس!! وكذلك حذرهم من اتباع سنن من قبلهم فبالغوا في هذا الاتباع وحدثوا عن بني إسرائيل بدون أي حرج، والمطلوب من المسلمين الآن أن يستغفروا لمن سبق بالإيمان منهم لا أن يتخذوهم أرباباً من دون الله تعالى ولا أن يتقاتلوا حتى الفناء بسبب اختلافهم فيهم.