الاثنين، 10 أبريل 2017

الأمة والدولة والخلافة ج2

الأمة والدولة والخلافة ج2
الخلافة

إن الخلافة في الأرض هي المهمة المنوطةُ بالإنسان من حيث أنه إنسان، فهو لا يملك مع ربه شيئًا وإنما هو مستخلف فيما جعله ربُّه مستخلفا فيه، والإنسان خليفةٌ لأنه هو الذي حمل الأمانة، ومن لوازمها الإرادةُ الحرة والاختيار، كما أن لديه الملكات التي اقتضتها المنظومة الكلية للأسماء الحسنى.
فالإنسان مستخلف في الأرض بمعنى أنه الظاهر فيها بمقتضيات وآثار الأسماء الحسنى، ولذلك فقد سُخِّر له كلُّ ما فيها وأوكل إليه حقُّ الانتفاع بها والقيامِ بشؤونها والتصرفِ في مقدراتها، والمقصد الديني الأعظم على المستوى الفردي هو إعدادُ الإنسانِ المؤهلِ لهذا الاستخلاف العارفِ بحقوقه وواجباته القادرِ على أدائها على أفضل وجهٍ ممكن، فمن الاستخلافِ في الأرض أن يظهرَ الإنسان فيها بالتحكم والسيطرة والتصرفِ واستغلال الموارد واستعمارِ الأرض والسيادة على الكائنات الأرضية.
إن الخلافةَ في الأرض لا تكون إلا بالجعل الإلهي، فهي مهمةٌ كونية يقوم بها الإنسان بأمرٍ إلهي وبمقتضى سننٍ إلهية، فالإنسان هو الخليفةُ في الأرض، بمعنى أن له التقدمَ والعلوَّ على كل ما فيها من الكائنات الأرضية، وذلك كخليفةٍ من بعد من كان قبله من الكائنات في هذه المهام، وكل قرنٍ من الناس هو يخلف من كان قبله من القرون، ولقد استخلف الله تعالى آدمَ في الأرض وحمَّله الأمانة من بعد من كانوا قبله ممن كانوا يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض.
والخليفةُ هو أيضًا الظاهرُ بملكٍ ما أو بولايةِ أمرٍ ما، وليس له ذلك بالأصالة وإنما بالجعل، والإنسان خليفةٌ في الأرض من حيث أن له الظهورَ بالتحكم في كل ما فيها، ولقد أعلن الله سبحانه ذلك في الملأ الأعلى، واستخلاف الإنسان في الأرض هو السبيل الذي اختاره الإله الأعظمُ ليتم به الظهورُ التفصيلي للكمال المطلق، ولذلك جَعل الإنسان مؤهلا ليعلم كل الأسماء بأن جعل في حقيقته أو ماهيته ما يوافق كلاً منها وما هو من مقتضياتها، إذ لا سبيل إلى معرفة اسم ما إلا بالملكة التي اقتضاها، وبذلك أيضا كُرِّم الإنسان وفُضِّل على كثير من الخلق تفضيلا، فالإنسان الخليفة هو الظاهر لسائر الكائنات بمقتضيات وآثار الأسماء الحسنى.
والخلافة ليست رخصةً للإنسان ليختلس لنفسه سماتِ ربه، ولا ليعلو في الأرض، ولا ليطأ الناس أو يفترسهم ولكنها أمانةٌ ومسؤولية، ولذلك تضمنت آيات الاستخلاف تهديدًا ووعيدا، قال تعالي: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(165)} (الأنعام)، {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُه}ُ (فاطر: 39)}.
ولما أعلن الله سبحانَه لداود عليه السلام وهو من عبادِه الأخيار أنه جعله خليفة في الأرض أمره أن يحكم بين الناس بالحق وألا يتبع الهوى وحذره من الضلال عن سبيله، ولم يقل له تصرفْ في الناس كيف تشاء أو احكم عليهم بما تشاء أو ضع قدمك فوق أعناقهم، كذلك لم يجعلْه فوق القوانين والسنن، وإنما حذَّره وأنذره بعد أن ابتلاه وفتنه، قال تعالي:
{يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)} (ص).
وكذلك عندما استخلف موسي عليه السلام هارونَ في قومه وكان رسولاً نبيًّا مثله قال له:
{اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ(142)} (الأعراف).
ولم يغضب هارون، ولم يقل له: "كيف تقول لي هذا الكلام وأنا نبيٌّ مثلك؟"
والخلافة هي أيضا العملُ بمقتضى السننِ والأوامرِ الشرعية الدينية عند القيام بأي أمر من الأمور، وهي حق لكل مؤمن مؤهَّلٍ التأهيلَ الكافي، والخلافة في أمور الأمة الكبرى لابد لقيامها من توفر الحد الأدنى من التزام ذوي الحيثية والنفوذ والقوة بالدين وإيمانهم به، وهذا يقتضي الرجوع إليهم أو إلى طائفة منهم عند اختيار القائم بالأمر.
قال تعالى:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ص26، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } الأنعام165، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} يونس14، {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ }يونس73، {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} فاطر39.
ومصطلح الخلافة الراشدة هو مصطلح محدث في الإسلام، ولم يكن من اختاروا أبا بكر لولاية أمر المسلمين يعرفون لقبا يستعملونه لهذه الولاية، وبعد تشاور وتداول اختاروا له لقب "خليفة رسول الله"، فلما تولى الأمر عمر بن الخطاب من بعده أرادوا أن يلقبوه بـ"خليفة خليفة رسول الله"، ولكنه عدل عنه إلى لقب "أمير المؤمنين".
وعلى كل حال فالخلافة الراشدة هي التي تكون وفق الأوامر الإلهية وما سنَّه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كولي أمرٍ لقومه، أما الملك العضوض فهو في اتباع سنن المتسلطين على أمور الناس دون مشاركةٍ فعلية من هؤلاء الناس في تقرير أيِّ أمرِ من أمورهم بل إنهم يعاملون كتراث تتوارثه أسرة واحدة، فهو حكم الغلبة والتسلط والقهر، ولقد كان من أكبر الخدع والمخازي التاريخية المثيرةِ للازدراءِ والاشمئزاز اعتبارُ النظمِ الأموية والعباسية والعثمانية خلافات إسلامية، وهذا من أكبر الأسباب التي صدَّت الناس قديما عن سبيل الله، ومازالت أفعال هذه الخلافات أمضى سلاح يوجهه أعداء الإسلام إلى الإسلام والمسلمين.
والإسلام يلزم المسلمين بتكوين أمةٍ تحكمُ نفسها بنفسها وتكون السيادة فيها لكلمة الله تعالى؛ أي تكون كلمة الله فيها هي العليا، وهذا يعني أن يكون كتاب الله تعالى هو مصدر الشرعية والسلطات بالنسبة لهذه الأمة، وكل فرد في هذه الأمة آمر وحاكم في مجال تخصصه وتأهيله وما يعطيه له وضعه الاجتماعي، وهو مأمور ومحكوم في غير ذلك، هذه الأمة تكون ملزمة بالقيام الأركان الملزمة للأمة في دين الحق ومأمورة بالعمل على تحقيق مقاصد الدين العظمى، وهي بذلك ملزمة بالتعايش السلمي مع الأمم الأخرى وباحترام حقوق وكرامة الإنسان.
والأمة ليست هي الدولة، الأمة يمكن أن تكون موزعة على عدة دول، ويمكن أن توجد داخل أي كيان سياسي، ومما يوضح مفهوم الأمة اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، فهم هناك يشكلون أمة واحدة، تعمل لصالح أبنائها وفق نظم وقوانين الدولة التي يعيشون فيها.
أما الدولةُ وشكلُها فهي من الأمور المتروكة لظروف العصر والمصر، والإسلام باعتباره الدين العالمي الشامل الصالح لكل العصور والأمصار لم يكن ليلزم الناس بشكل معين لنظام إدارة شئونهم ولا يجمد ما هو بطبعه سيال متطور.
ولا يوجدُ ما يلزم المسلمين بالاندماج السياسي في كيان واحد، وكل من حاول ذلك بالطرق الحربية فقد خاض خوضاً في دماء المسلمين وقتل منهم عمدا ما لا يُحصى عدده، ومن حاول ذلك لم يكن يبغي أبدا إلا توسيع سلطانه وملكه ليورث ما يستولي عليه لأبنائه من بعده.
فما يسمونه بالخلافة لا يرقى إلى أن يكون شكلا من أشكال الدولةِ بالمعنى الحديث، ولم يكن نظام الخلافة منذ أن تسلط أهل البغي على الحكم إلا نظاما إمبراطوريا وراثيا كنظام الإمبراطورية البيزنطية أو الإمبراطورية الفارسية مثلا، بيد أن نظام الخلافة كان يتفوق على سائر النظم في العتوّ والاستبداد والهمجية والإجرام والإفساد في الأرض وعدم المسؤولية تجاه الشعوب وازدراء حقوق الإنسان.
أما خليفة الرسول في مهامه فهو من يقوم بالمهام التي كانت منوطة به مثل الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس آيات الكتاب وتزكيتهم والتبشير والإنذار والحكم بين الناس بالقسط .... الخ، وهذه المرتبة متاحة لكل من يسعى للقيام بها إذا كان حقًّا أهلا لها.
*****
أما تسمية من يلي أمر الأمة كحاكم سياسي بخليفة فقد كان أمرًا اجتهاديا تاريخيا، فقد كانوا في حيرة بخصوص اللقب الذي يمكن أن يحمله أبو بكر، فاقترحوا أن يُسمَّى بخليفة الرسول، وهو اجتهاد خاطئ، وعندما تولى عمر بتوصية من أبي بكر دون الرجوع إلى الأمة لقبوه بخليفة خليفة الرسول، ولقد عدل عمر بن الخطاب عن هذا اللقب وفضَّل أن يلقب بأمير المؤمنين. 
أما تعريف الخلافة بأنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا فهو محض اجتهاد ممن وضعه من سدنة الدين الأعرابي الأموي، وهو مناقض للتعريف القرءاني للخلافة ولتعريف النبوة ويتضمن إحداثا في الدين، كما أن الخلافة غير الإمامة، ولا يجوز الخلط بينها وبين الإمامة.
فالخلافة بالمعنى المذكور هي مصطلح محدث توصل إليه القرن الأول باجتهاد منهم ولقبوا به من يقوم بأمورهم وأمور دولتهم الوليدة، وهي ليست بالطبع مصطلحا دينيا، ولا علاقة لها بالمصطلح القرءاني وكان المقصود به خليفة الرسول من حيث أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كان ولي أمر الأمة الوليدة، وبالطبع فإن مهام الرسول الأصلية كانت تفصيلا لكونه رسولاً نبيا، فلا يمكن أن يكون له خليفة في كافة مهامه، ولم يكن من الجائز تحويلُ مصطلح الخلافة إلى أمر مطلق أو إضافته إلى الله، ولقد كان الشاعرُ النصراني الأخطل هو أول من لقب متسلطًا أمويا بخليفة الله عندما وصف أحدهم في بيت شعر يقول:
الخائضِ الغَمْرَ، والمَيْمونِ طائِرُهُ----خَليفَة ِ اللَّهِ يُسْتَسْقى بهِ المطَرُ
*****
إن عصور الخلافة المحسوبة ظلما على الإسلام أي العصور الأموية والعباسية والعثمانية كانت بصفة عامة عصور ظلم وجور وبغي وعدوان وسفالة وانحطاط عام وجواري وغلمان وشذوذ وخمر وجهل ونفاق وجشع وانتهاك لكافة حقوق الإنسان وكرامته وقتل للإنسان بأبشع الطرق، إن الإسلام بريء من هؤلاء الطغاة الظلمة المجرمين الذين كانوا عار هذا الجنس البشري.
*****
إنه لا يجوز اعتبارُ ما كان يسميه المسلمون بالخلافة نظامًا إسلاميا، فقد كان نظاما إمبراطوريا طغيانيا استبداديا وراثيًّا دمويا لا علاقة له بدين الحق من قريب أو بعيد، ولا يجوز لأحد الآن الخوض في دماء المسلمين بحجة أنه هو أو حزبه قد نيط بهم من دون الناس إحياء هذه الخلافة.
والمؤمنُ الحقيقي لا يسعى أبدا إلى التسلط على الناس ولا إلى تولي أي أمر من أمورهم، ولكن إيمانه وصلاحه وتقواه وتأهيله وقوته كل ذلك هو الذي يزكيه ويجعل ولاية الأمر هي التي تسعى إليه، فولاية الأمر هي أمانة ومسئولية جسيمة وليست وسيلة للتربح ولا لتمكين المحاسيب والأقارب والعشيرة من مفاصل الدولة، وليست بوسيلة للعلو في الأرض والإفساد فيها وخيانة الأمانة والتحالف مع أعداء الأمة والتعهد بحماية مصالحهم والرضوخ لمطالبهم.
ويتصور المغفلون والقابلون للاستدراج والحمقى والمطبوعون على الإجرام أنه في سبيل إقامة الخلافة يمكن التحالف مع الشيطان، أمثال هؤلاء سيجدون أنفسهم في النهاية مجرد آلات وأقدام ونعال للشيطان ولأعداء الإسلام.
*****
عندما تولى أبو بكر الأمر بعد السقيفة احتاروا في اللقب الذي ينادونه به ثم اختاروا له لقب خليفة رسول الله، فلما تولى عمر بقرار منفرد من أبي بكر (قرار لم يشرك فيه أحدا) أرادوا أن يسموه خليفة خليفة رسول الله فقال هذا أمر يطول وعدلوا عنه إلى لقب أمير المؤمنين، فلم يكن مصطلح الخليفة بمعنى حاكم سياسي معلوما للقرن (الجيل) الإسلامي الأول!!!!! وبذلك فكل المرويات التي تعتبر الخلافة مرتبة سياسية دينية لا أصل لها، وتم وضعها لاعتبارات سياسية مذهبية، وهي في كل الأحوال تاريخ وليس دين!
أما عبيد نعال السلف فبدلا من أن يسموا الأشياء بأسمائها ويقولون إن هذا القرار الاستبدادي مخالف للشريعة فقد جعلوه من الشريعة بحجة أن أفعال (الصحابة) من الدين؛ أي بتعبير أكثر صراحة اعتبروهم أربابا مشرعين!!
هذا رغم الإقرار بأن اختياره كان الأفضل في الظروف التي وضع هو الناس فيها، والمطلوب من المسلم أن يستغفر لإخوانه الذين سبقوه بالإيمان، وليس بالمخالفة عن أوامر الله ورسوله!!
والنجاح في القيام بمقتضيات الخلافة لا يبرر مخالفة الأوامر القرءانية الملزمة، فأمور المؤمنين يجب أن تكون شورى بينهم، وليس لأحد أن يفرض على الناس من يلي الأمور من بعده ولا أن يورث الأمة لقريب أو بعيد، فالمؤمنون هم أمة من الأحرار، وقد ينجح الدكتاتور أو الطاغية في تحقيق إنجازات هائلة، ولكن نهاية الأمة التي ارتضت به وسبحت بحمده تكون عادة أليمة.


*******

نتائج احتلال الأندلس

نتائج احتلال الأندلس

أتباع الدين الأعرابي الأموي الإجرامي الدموي يقدسون الدولة الأموية ويعبدون مؤسسها، ويجعلون أفعاله حجة على الله وكتابه ورسوله بحجة أنه (صاحب) الرسول!!!! ومما يتذرعون به أن الأمويين فتحوا الأندلس، ولا مجال الآن لسرد الجرائم التي اقترفتها تلك الدولة الإجرامية الفاجرة في حق الله ورسوله وأمة المؤمنين والبشرية جمعاء، هذا رغم عمرها القصير؛ حوالي 88 سنة ميلادية، ولكن ما هي عواقب ما يسمونه بفتح الأندلس؟ ها هي العواقب الثابتة بالتاريخ:
1.          فشل الأمويون في اجتذاب الإسبان إلى الإسلام، وقدموا له أسوأ صورة ممكنة، واستولوا على ما لا حصر له من أموال وبنات الأندلس وأرسلوها إلى الخليفة المجرم، وقد جعلوهم بذلك أشد الناس كراهية لإسلام وتعصبا ضده، ولقد بلغ الأمر بهم أنهم في مرحلة من المراحل كانوا يتبارون في شتم الرسول ثم يقدمون أعناقهم طائعين للحكام ليقتلوهم.
2.          تدخل حكام المغرب مرتين على الأقل لإنقاذ الأندلس من السقوط بأيدي المسيحيين، وقد أدى ذلك في النهاية إلى إبادة مئات الألوف من سكان المغرب وإقفار قرى كاملة من سكانها، وظلت دول شمال أفريقية عرضة لعدوان دائم ومستمر من الصليبيين إلى أن سقطت كلها تحت أقدامهم.
3.          تم في النهاية إلقاء مسلمي الأندلس في البحر، وكان منهم من أسلم من السكان الأصليين، أما من آثر البقاء فتم تنصيره.
4.          تمَّ إنشاء محاكم التفتيش لمراقبة صحة (إيمان) هؤلاء المتنصرين، وتعرضوا لأبشع تعذيب، وفي النهاية تم إلقاؤهم في البحر أيضًا.
5.          اشتغل بعض المطرودين بأعمال القرصنة والسطو على السفن الأوروبية، وأقاموا لهم مراكز على شاطئ الجزائر، فنشأ بسبب ذلك صراع مرير انتهى باحتلال الجزائر.
6.          حمل اليهود المطرودون من الأندلس كل ثمار الحضارة الإسلامية معهم إلى قلب أوروبا، فكان ذلك من أكبر أسباب رقيها وتقدمها.
7.          استيقظ الغرب، وأصبحت المسيحية هي أيديولوجيته للدفاع عن نفسه، تم تنصير التيوتون والساكسون والنورديين، وأصبحوا قوة هائلة أضيفت إلى المسيحية، وأصبح الإسلام هو عدوهم المبين الذي يتمنون محوه وإبادة معتنقيه، فظهرت النزعة الصليبية.
8.          شنَّ الغرب الحروب الصليبية على قلب العالم الإسلامي، استولوا على ساحل الشام والقدس، أبادوا ملايين المسلمين واغتصبوا نساءهم وخربوا مدنهم، كما استولوا على مدينة دمياط في مصر مرتين، وأبادوا سكانها واغتصبوا نساءها في مسجد المدينة.
9.          رغم انتهاء الحروب بالهزيمة النهائية للصليبيين فإنه لم يمكن معالجة آثار التخريب الذي لحق بالشام، وكان سلطان مصر المملوكي قد قرر هدم كل الحصون الساحلية حتى لا يعاود الصليبيون احتلالها، وفي حين اشتد التعصب الديني في قلب العالم الإسلامي، فإن الغرب بدأ في مراجعة نفسه والشك في مقدساته، فبدأت نهضته وعصور تنويره، وهو بالطبع لم يتأثر كثيرا بخسائر الحروب، بل ازداد تمسكه وتوحده، ولم تكن بلاده مسرحًا لها.
10.      قرر الإسبان والبرتغاليون إحكام الحصار على العالم الإسلامي وحرمانه من السيطرة على التجارة العالمية، وتحت إشراف البابا انطلق البرتغاليون شرقًا محاولين الوصول إلى الهند وجزر الهند الشرقية، واشتبكوا في صراع مرير مع حكام مصر، انتهى بإقامتهم مراكز تجارية في آسيا، وبدء سيطرة الغرب على التجارة، أما مصر فافتقرت وقلت مواردها لتسقط فريسة للغزو العثماني الهمجي، وبذلك بدأ عصر الظلمات في العالم الإسلامي، في الوقت الذي بدأ فيه الغرب عصر نهضته.
11.       أما الإسبان فانطلقوا غربًا، وأثبتوا كروية الأرض، واكتشفوا العالم الجديد، فانتشروا فيه، ونصًّروا سكانه بالحديد والنار، واستولوا على أكبر ثروة من الذهب عرفها التاريخ، ثم زاحمهم على خيرات العالم الجديد القوى الأوروبية الصاعدة: الهولنديون والفرنسيون والإنجليز، فأكملوا الاستيلاء على العالم الجديد، وانتشر فيه المسيحيون، وأصبحت هي الديانة الأولى في العالم، ومالت الكفة نهائيا لصالح المسيحية، بينما انكمش الإسلام والمسلمون.
12.      ولولا انتشار العلمانية في الغرب لظل الغرب محتفظا بصليبيته ولأباد المحسوبين على الإسلام، ولذلك تحاول قوى التآمر الشيطاني استفزاز الغرب وإحياء عداءه الدفين للإسلام والمسلمين ليقوم بإبادتهم في المحرقة الكبرى المنتظرة.
كانت هذا سردا مركزا سريعا للآثار التاريخية الاستراتيجية لما يسمونه بفتح الأندلس!! وكان يغني عن كل ذلك -لو كان الهدف حقًّا الدعوة إلى الإسلام- إرسال بعض الدعاة المؤهلين المحتسبين إلى الأوروبيين الذين كانوا وثنيين مثل التيوتون والساكسون والنورديين، وكان هؤلاء سيدخلون في دين الله أفواجا، ذلك لأنه دين الفطرة والقريب إلى طباعهم، ومن المعلوم أن هؤلاء بالذات كانوا أسرع الناس استجابة للدعاة البروتستانت لعدم استساغتهم للديانة الكاثوليكية.
وكذلك كان يمكن إرسال دعاة متمرسين إلى الروس الذين كانوا بمبادرة منهم يبحثون عن دينٍ ليعتنقوه، وذلك بدلا من الداعي الخائب الذي فشل في مهمته فاعتنق الروس الديانة الأرثوذوكسية، واعتبروا أنفسهم ورثة للإمبراطورية البيزنطية، وقد شنوا حربا شديدة الوطأة على العثمانيين راح ضحيتها مئات الألوف من المسلمين، كما قوضوا الدول الإسلامية في وسط أساسا في صراع قتلوا فيه عشرات الملايين من المسلمين.

*******

الأمة والدولة والخلافة ج1

الأمة والدولة والخلافة ج1
الأمة
كان للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مهام عديدة مذكورة في القرءان، وهي باختصار:
1.       الرسالة والنبوة
2.       الدعوةُ إلى الله.
3.       التبشير.
4.       الإنذار.
5.       التبليغ.
6.       تبيين آيات القرءان للمؤمنين.
7.       تلاوةُ القرءان عليهم.
8.       تزكيةُ أنفسهم.
9.       تعليمُهم الكتاب والحكمة.
10.    تعليمهم ما لم يكونوا يعلمون.
11.    ولايةُ كافة أمور أمة المؤمنين من بين الناس.
12.    الحكم (القضاء) بينهم.
13.    أخذُ الصدقات منهم وتوزيعُها عليهم.
14.    الصلاة عليهم.
15.    تشريعُ بعض الأمور بإذن ربه مثل جعل الحج مرة واحدة في العمر.
16.    سن بعض الأذكار والأدعية مثلما هو الحال في الصلاة.
17.    الشهادةُ على أمته.
18.    الشهادةُ على شهداء الأمم.
19.    ختم النبوة.
والرسول أسس أمة هي أمة المؤمنين الذين اتبعوه، وكان هو ولي أمورها، ولكن لم يكن له سلطان على من كانوا يتعايشون مع المؤمنين في المدينة من أهل الكتاب، وكان مخيرا في شأن الحكم (القضاء) بينهم، أما سلطانه على المؤمنين فكان مستمدا من قوة إيمانهم، فهو لم يكن عليهم جبارا أو حفيظا أو وكيلا أو مصيطرا؛ أي لم يكن عليهم ملكا؛ بل إن هذه هي التهمة التي يرميه بها أعداؤه قديما أو حديثا.
والأمة هي مجتمع من الناس تجمع بين أفراده وحدة القصد، وله بنية Structure، فتوجد شبكة من الصلات والوصلات بين كافة مكوناته بحيث أنهم يمثلون كيانًا إنسانيا واحدا كبيرا، ولذلك فثمة أوامر دينية كبرى ملزمة لهذا الكيان ولا يمكن لفرد واحد أن يقوم بها، لذلك فهو غير مكلف بها أصلا، فلا يجوز الخلط بين الأوامر الخاصة بالفرد وبين الأوامر الخاصة بالأمة.
وبحكم عالمية الدين فليس لهذه الأمة شكل سياسي محدد، بل يمكنها التعايش مع أي نظام سياسي أو داخل أي نظام سياسي، ولا يمكن إلزام بلد هائل شديد التعقيد بعادات وتقاليد ونظام قبيلة صحراوية شديدة البدائية، فيمكن للمسلمين في أمريكا مثلا أن يشكلوا أمة تتعايش سلميا مع الدولة والناس هناك، ذلك لأن الإسلام هو أساسا دين، وليس نظاما سياسيا، والإسلام لا يلزم أمة المسلمين بمحاولة الاستيلاء على الكرة الأرضية، ذلك ظنُّ طائفة من المجرمين والمفسدين في الأرض، وهؤلاء هم الذين كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، وكلما ظهرت طائفة منهم حدث واحد من الأمرين:
1.     أن يُلقَى بأسهم بينهم، وهذا يحدث عندما لا توجد قوة خارجية تتصدى لهم، وهذا ما حدث مع الأجيال الإسلامية الأولى، فقد ألقيت الفتن بينهم وذاق بعضهم بأس بعض وهلك أكثرهم في تلك الفتن.  
2.    أن يُسلَّط عليهم بذنوبهم وإجرامهم من لا يخافهم ولا يرحمهم، وهذا تكرر كثيرا على مدى التاريخ ومازال يحدث إلى الآن.
فهذه قوانين كونية صارمة لا مفر منها ولا محيص عنها، والسنن الإلهية لا تحابي أحدا، ولقد حاقت هذه السنن بالأجيال الإسلامية لما اعتدوا على الشعوب المسالمة ونهبوا أموالهم وسبوا نساءهم وطَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ، وما كانت الفتن التي ضربتهم فأهلكت أكثرهم إلا بسبب ذلك، لقد ابتلوا بإقبال الدنيا فتنافسوها، ولم يثبتوا لفتنتها، فكان ما كان.
ولم يكن من أهداف الرسول أبدًا بناءُ مملكة أو إمبراطورية أو دولة موحدة بالمفهوم الحديث أو القديم، ولم يكن من مقاصده غزو العالم كله، ورسائله إلى حكام العالم كانت تتضمن ما جاء في الآية:
{.... تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران:64]
وللدعوة وسائلها السلمية المبينة في القرءان، قال تعالى:
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [النحل:125].
والقتال ليس من وسائل الدعوة، وهو يكون فقط ضد المعتدين البادئين بالقتال:
{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} [البقرة:190].
وحالة السلم هي الحالة الطبيعية التي يجب بذل قصارى الجهد للحفاظ عليها، والله تعالى هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ، وهو لم يعين أحدا من الناس وكيلا أو حفيظا أو مصيطرًا أو جبارا عليهم.
فالرسول لم يؤسس دولة واحدة مدمجة مثلما كان الحال في الدولة الفارسية أو الدولة البيزنطية، وكان يترك كل شيخ قبيلة أو حاكم في مكانه طالما أسلم، وكان يكتفي بإرسال من يقضي بينهم وفق أحكام الإسلام ومن يعلمهم أمور دينهم، ولم يرسل حامية عسكرية لتلزم الدولة أو القبيلة التي اعتنقت الإسلام بطاعته، وهذا هو الأمر الطبيعي، فالدين الخاتم يجب أن يكون عالميا صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان ملبيا لحاجات أي فرد في أي بيئة وُجد فيها، ولا يوجد في الإسلام ما يلزم المسلمين بإشعال الأرض نارا وإثارة الاضطرابات في كل مكان للاستيلاء على السلطة في أي مكان وُجدوا فيه، وكل مسلم هو مأمور بطاعة الرسول كرسول، فهذا أمر ديني ملزم.
إن الوضع في الحجاز قبل وأثناء العصر النبوي كان يسمح بقيام أمة خالصة موحدة تتعايش مع أمم أخرى على نفس الأرض، وهذا ما حققه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ولذلك كان الأمر يستدعي تنظيم العلاقة مع الأمم الأخرى، ولم يكن هناك أي أثر لوجود دولة أو مواطنة أو أي شيء من هذه الأمور، وهكذا لم يكن التعامل مع اليهود كأقلية تعيش مع المسلمين في وطنٍ واحد ولكن كقبائل تعيش بالقرب منهم أو معهم في نفس الأرض مع استقلالهم بأمورهم.
والوثيقة أو المعاهدة التي تم عقدها مع يهود بني عوف تقرر بكل وضوح أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، وأن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، فهي تعتبرهم أمة أخرى بلا أدنى شك، وتميز أمة المؤمنين عنهم فتقول: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة .... الخ‏.
فالمعاهدة لا تقرر أنهم يشكلون دولة واحدة ولا أنهم يشكلون كيانا سياسيا واحدا ولا تعلن وجود أمة واحدة لها دستور واحد، بل هي تعتبر كلًّا من أمة المسلمين وأمة اليهود كيانين مستقلين متميزين تماما وهم يتعاهدون على هذا الأساس، هذا مع أن الأمتين تعيشان وتتعايشان في نفس المدينة، وهذا كافٍ تماما لبيان حقيقة الأمر.
فالمعاهدة ليست أبدا دستورا لدولة واحدة تندمج عناصرها لتشكل شعبا واحدا، هذا أمر واضح تماما، ولذلك كان لليهود قانونهم المستقل، ولم يكن الرسول حاكما عليهم أو فيما بينهم، وعندما لجئوا إليه ليحكم بينهم نزلت آيات تتعجب من تصرفهم هذا!! وتجعله هو مخيرا في ذلك:
{....فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)} المائدة
هل ثمة ما هو أوضح من ذلك؟! فهو لم يكن مطالبا بأن يحكم بينهم، وهو بالأحرى ليس مطالبا بما هو أكثر من ذلك، ومن هم دونه من الناس هم بالأحرى غير مطالبين بذلك، فليس لأحد أن يقاتل الناس ليلزمهم بأحكام الإسلام ولا ليكونوا أمة واحدة مع المسلمين ولا ليندمجوا معهم في كيانٍ سياسي واحد.
ولكن الذي سبب اللبس هم أصحاب ما يُسمَّى بنظرية الإسلام السياسي الذين استعملهم الشيطان للقضاء على المسلمين وعلى إمكانية تطورهم السلمي وتعايشهم مع الآخرين، فهو الذي وضع لهم الأسس ليظلوا حربا على العالمين وعلى أنفسهم إلى يوم الدين، ولكن للأسف المعركة خاسرة بالطبع، وسينقرض المسلمون قبل غيرهم بسبب هذا الضلال الذي رسخ في أنفسهم، ولن يبقى إلا اليهود والنصارى وغيرهم، وعليهم ستقوم الساعة.
فالذي أسسه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ هو أمة المؤمنين، وكان هو يعيش بينهم كرسول نبي وولي أمورهم ومربيهم ومعلمهم وكقاضٍ بينهم وولي أمورهم مع أولي الأمر منهم، ولكن ليس كملك أو جبار أو حفيظ أو وكيل أو مسيطر عليهم، ولذلك كانت الآيات تنزل لتحثهم على طاعته وتحكيمه فيما شجر بينهم والرضا بأحكامه، وكان من الممكن أن تنزل آية تقرر تعيينه رئيسا أو ملكا عليهم لتغني عن كل ذلك، فقد كانت كلمات الملوك هي الدستور والقانون في ذلك العصر، وهذا ما سيلتزمون هم به من بعد الرسول.
وكان لابد من توفر ما يلزم لكي تتعامل هذه الأمة مع الكيانات الأخرى القريبة ولكي تحمي نفسها من اعتداءات الآخرين.
وتقسيم الغنائم كان يصلح عندما توجد أمة بلا دولة، وعندما يكون المقاتلون هم كل من يقدر على حمل السلاح من الأمة، ويكون المقاتل هو الذي يجهز نفسه أو يجهزه أحد المحسنين، أما الموجود الآن فهو الكيانات المسماة بالدول، ولا يجوز لمكونات هذا الكيان أن تتكسب بقرابات أو أنساب.
أما كل ما استجد بعد ذلك فهي أمور دنيوية وتاريخية كان على المسلمين أن يجتهدوا للوصول إلى ما يتفق مع دين الحق بشأنها وأن يتحملوا نتائج اجتهاداتهم، ولا يتحملها الإسلام في شيء، فهناك فرق هائل بين الدين بنصوصه وعناصره وبين تصرفات الناس المحسوبين عليه.
فأقصى ما يُطالب به المسلمون كجماعة الآن هو أن يكونوا داخل أي كيان سياسي أمة صالحة خيرة تعيش بالإسلام للإسلام وتتعايش سلميا مع الآخرين وتدعو إلى الخير وتمثل منظومة القيم الإسلامية للناس وتجذبهم إلى الإسلام بسلوكها الرفيع، ومن مفاصد الدين العظمى توفير ما يلزم من القيم والسنن اللازمة لذلك.
فالرسول لم يسع أبدا إلى إدماجهم في كيان سياسي واحد، وكان يكتفي من شيخ القبيلة بإعلان الإسلام وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذا هو إسلام الأعراب الذي تحدث عنه القرءان:
{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [الحجرات:14]
ومن المعلوم أن أكثر من مائة ألف قد أسلموا بعد فتح الحديبية ولم يهاجروا ولم يتعلموا إلا القليل عن الإسلام، فلم تكن المصاحف متاحة للناس كما هو الحال الآن، وكان حفظة القرءان والمعلمون قليلين، وكان لابد من ولي أمر للأمة الوليدة جدير بأن يستكمل المهام النبوية بالنسبة لهم، ولقد فاز بهذه الولاية الإمام عليّ بعد أن أثبت جدارته بها طوال العهد النبوي؛ كان متفوقا تفوقا هائلا على المستوى الجوهري، وكان دائما في مقدمة الصفوف بينما كان يكتفي غيره بالفرجة أو يفرون عند الخطر، وكان ينجح حين يفشل الآخرون، فضلا عن أنه تربى في بيت النبوة، ولذلك أعلن الرسول أنه منه بمنزلة هارون من موسى وأنه ولي لكل من كان هو له وليا، وهذا أمر ثابت لا يجوز المماراة فيه، أما عبيد خال المجرمين وزعيم الداعين إلى النار فإنه لا يجوز لأحد أن يأبه بهم في مثل هذه الأمور.
فمن الأمور الثابتة أن الرسول قال للإمام علي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"، وقال أمام الآلاف من المسلمين بعد حجة الوداع: "مَن كنتُ مولاه ُفعليٌّ مولاهُ اللهمَّ والِ من والاُه وعادِ مَن عادَاهُ".  
فتولية الإمام علي وليا لأمر الأمة كان أمرا في الغاية من الوضوح، ولكن تم إساءة تفسير ما حدث عند غدير خُم لأسباب مذهبية، وكما سبق القول لم تكن هناك دولة ليتم تعيينه ملكا عليها أو رئيسا لها.
أما القرشيون فقد عملوا على تجاهل هذه الولاية لأسباب قبلية وغيرها، وأهم سبب تذرع به القرشيون هو أنه يكفي بني هاشم أن النبوة كانت فيهم!! وبالطبع لم تنسَ بطون قريش للإمام عليّ أنه قتل من مشايخهم المقدسين من قتل.
أما ما حدث في السقيفة وأسبابه فهي مسألة تاريخية، لا يجوز الاحتكام في شأنها إلى متمذهب، وما ترتب عليها كذلك هي أمور تاريخية لا علاقة لها بالدين وعقائده، ومن الخير للمسلم غير القادر على البحث المستقل ألا يشغل نفسه بها وألا يكون بوقا أجوف يردد كلام أي مذهب من المذاهب.
ومن اجتمعوا في السقيفة لم يكونوا أبدا يمثلون كافة طوائف الأمة، وما جرى فيها من جدال وتلاسن لا علاقة له بالإسلام ولا حتى بالقيم العربية، وما حدث في السقيفة لا يثبت إلا براعة ممثلي الحزب القرشي وطيبة وسذاجة الأنصار، وسيدفعون من بعد ثمن ذلك غاليا.
ومن الناحية التاريخية ومن ناحية تاريخ الأديان لا يجوز الاستهانة بما حدث في السقيفة، فما لا حصر له من الناس قُتلوا على مدى التاريخ بسبب ما ترتب على ما حدث فيها، وقد تمزقت الأمة وتفرق الدين بسبب ذلك، فلم يُوقَ المسلمون شر الفلتة التي حدثت في السقيفة.
والأنصار عندما اجتمعوا في السقيفة كانوا يعلمون حقيقة الولاية المذكورة، ولكنهم اجتمعوا لينظروا في أمر مدينتهم بصفة أساسية، وليس لينازعوا ولي أمر الأمة مكانته أو ولايته، ولم يكن خافيا أنهم كانوا يتطلعون إلى التخلص من سيطرة القرشيين عليهم مثل كل العرب الذين انتفضوا في الجزيرة العربية، ولكن كانت المشكلة هي في العداء الرهيب بين الأوس وبين الخزرج، فلم يكن لقبيلة منهما أن تقبل بتسلط الأخرى عليها.
وبخصوص بيعة أبي بكر فقد أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، والحميدي والموصلي في الجمع بين الصحيحين وابن أبي شيبة في المصنف وغيرهم عن ابن عباس في حديث طويل أسموه بحديث السقيفة، قال فيه عمر: إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها... مَن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايَع هو ولا الذي بايعَه تغرَّة أن يُقتَلا.
وفي رواية أخرى: ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله المؤمنين شرَّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.
ذكر هذا الحديث من علماء أهل (السنة): السيوطي في تاريخ الخلفاء، وابن كثير في البداية والنهاية، وابن هشام في السيرة النبوية، وابن الأثير في الكامل، والطبري في الرياض النضرة، والدهلوي في مختصر التحفة الاثني عشرية، وغيرهم.
والحق هو أن وقائع التاريخ قد أثبتت أن شرها كان مستطيرا، ومازال الإسلام والأمة يدفعون باهظا ثمن شرها، ومع ذلك فربما كان ما حدث هو أفضل الممكن بالنظر إلى الأحوال التي كانت سائدة.
*******
إن الإسلام هو دين عالمي، صالح لكل زمان ومكان، يمكن أن يعتنقه أي فرد أو أية جماعة داخل أي كيان سياسي مثل غيره من الأديان، وليس لهذه الجماعة أن تجعل من نفسها حربا على من تتعايش معهم، والرسول أسس أمة دينية، وليس مملكة دنيوية، هذه الأمة استخلف عليها هارون الأمة وسابقها الإمام علي، وقال بكل قوة ووضوح: "اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ" وذلك في واقعة هي من أشد الوقائع ثبوتًا في العصر النبوي.
وولاية الرسول على الناس مستمدة من الرسالة والنبوة، فهي ولاية دينية، وليست ملكا بأية صورة من الصور، بل إن قريشا والناس من بعدهم هم الذين اتهموه بأنه أسس ملكة، فهو بنص القرءان لم يكن عليهم وكيلا ولا حفيظًا ولا مصيطرا ولا جبارا، وهذا نفي بات لكل مقتضيات الملك أو الرئاسة الدنيوية، فحق الطاعة له على الناس كان لأنه رسول، لذلك اقترن كل أمرٍ بطاعته بهذه الصفة.
والأنصار كانوا يعلمون ذلك جيدا، واجتماعهم في السقيفة كان للتشاور في أمور مدينتهم، ولكن حضور وفد المهاجرين جعل الأمور تأخذ منحىً آخر.
وكان من أسباب تمرد القبائل العربية هو أنفتها من أن تخضع سياسيا لقريش، وكان ما سُمِّي بحروب الردة هو حروب تأسيس الدولة، والامتناع عن دفع الزكاة هو لأنهم كانوا يعلمون أنها تؤدى للرسول بصفته، فليس لحاكم قرشي أن يُطالب بها.
وكل ما حدث من بعد انتقال الرسول هو أمور دنيوية، والقوم كانوا مبتلين مثل غيرهم، ولقد حذرهم القرءان قديما مما يمكن أن يحدث بعد انتقال الرسول، قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِين} [آل عمران:144].
ولقد رفضوا وأصروا على رفض العمل بوصية الرسول، واستمروا في النظر إلى ولاية الأمر وكأنها ملك دنيوي يجب أن يظل دولة في قبائل قريش وألا يذهب إلى عترة الرسول لعلمهم بأنهم لو تولوا الأمر فلن يخرج من بينهم.
ولكن نظرًا لرفضهم العمل بوصية الرسول فقد أخذت الأمور منحىً آخر، ولم تحظ الأمة بما كان سيترتب على العمل بالوصية من أمور ذكرها لهم الرسول، وصُبغ التاريخ الإسلامي بصبغة دموية إقصائية إرهابية مازال المسلمون والبشرية يعانون منها إلى الآن.


*******

الأحد، 9 أبريل 2017

الاسم الإلهي "الواحـد"

قال تعالى:
{وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ }البقرة163  *  {إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء171  *  {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}المائدة73  *  {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقرءان لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }الأنعام19  *  {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }التوبة31  *  {هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} إبراهيم52  *  {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ }النحل22  *  {وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ }النحل51  *  {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110  *  {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ }الأنبياء108  *  {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ }الحج34  *  {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }العنكبوت46  *  {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ }الصافات4  *  {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} فصلت6

الاسم "الواحد" هو من أسماء النسق الأول من الأسماء الحسنى؛ أي من الأسماء التسعة والتسعين المطلوب إحصاؤها.
و"الواحد" هو اسم له سبحانه يشير إلى سمة لازمة لمرتبة الإلهية، فتلك المرتبة بحكم حقيقتها لا تكون إلا لواحد،فالواحدية تنفي بذاتها أن يكون لغيره وجود حقيقي معه وتنفي أن يكون ثمة كمال ذاتي لدى من هم غيره، فمن له الوجود الذاتي الواجب المطلق والكمال اللانهائي المطلق والعلو المطلق والإحاطة المطلقة لا يتعدد، ومن هو الواحد المطلق لا يثنيه ولا يعدده شيء في أي مرتبة من مراتبه أو سمة من سماته أو شأن من شؤونه ولا يقارن به بأي حال من الأحوال، وإذا كان الإنسان المخلوق لا يتعدد بصفة من صفاته أو بكلمة صدرت عنه أو بفكرة جالت بخاطره فالواحد المطلق هو أولى منه بذلك، ووحدانية كل إنسان وأحديته إنما هي من تجليات هذا الاسم.
فهو سبحانه الواحد في ذاته وفي كل اسم من أسمائه وفي كل سمة من سماته وفي كل فعل من أفعاله، لذلك فلا يمكن أن يكون له ولد لأنه لا يمكن أن يشاركه كائن آخر في كنهه.
فهذا الاسم يشير إلى السمة التي تدل على وحدة منظومة الأسماء من حيث أنها تجليات لذات واحدة.
والاسم "الواحد" يأتي دائما في القرءان الكريم مرتبطا بكلمة إله، لذلك فمن حيث هذا الاسم فإنه لا يستحق المرتبة الإلهية الجامعة لكل الأسماء الحسنى إلا هو سبحانه، فمن له الأسماء الحسنى لابد أن يكون واحدا، فالمرتبة الإلهية تنفى بذاتها الشريك والمثل، فالإلهية هي الوجه الظاهر للكمال والحسن اللانهائي المطلق، فلما كان هذا الكمال المطلق لا يمكن أن يتعدَّد كانت السمة الظاهرة منه كذلك، وهذا يقتضي وحدة وتجانس القوانين الكونية بما فيها القوانين المادية، وهذا ما يفسِّـر جمالها واتساقها، والأسماء الحسنى هي تفاصيل وتجليات المرتبة الإلهية، وهذا لا يعنى أنه باندماج كل الأسماء الحسنى كانت سمة الإلهية؛ إذ الإجمال أو الإحكام سابق على التفصيل، بل يعنى أن سمة الإلهية مفصَّلة ومتجلية بالأسماء الحسنى، وجماع سمات الإلهية الحقيقية والتي هي المرتبة الإلهية لا يستحقها بذاته إلا الله سبحانه، فهي تنفى بذاتها الشريك فإن توهُّم الشريك انتقاص منها وإساءة أدب معها بينما هي محض الكمال المطلق غير القابل للنقص أصلا، فهذا الاسم هو المكافئ لكلمة التوحيد والمؤدِّى لمعناها، ولذلك كان هو أصل الشرائع وأصل الدين.
*****
ومن الناحية اللغوية فإن "واحد" و"أحد" هما من الفعل (وحد)، والواو والحاء والدال: أصلٌ واحد يدلُّ على الانفراد. من ذلك الوَحْدَة، وهو وَاحدُ قبيلته إذا لم يكنْ فيهم مثلُه، فالجملة وَحَدَ - يَحِدُ (وَحِدَ - يَوْحَدُ) الكائن أو الشيء تعني يكون واحدا ووحيدا، أي يكون في مرتبته أو مكانته أو في التعامل معه واحدا: ينظر إليه ويعتبر ويتعامل معه ككائن فرد عدده واحد، وليس أكثر.
وَحْدُهُ: بمفرده من غير أن يكون معه ثان أو آخر
فكلمة "واحِد": اسم فاعل وصفة مشبهة من " وَحَدَ - يَحِدُ ": الشيء أو الكائن الذي يكون في موضعه ونتعامل معه على أنه كائن او شيء واحد مفرد لا أكثر
*****
والله من حيث الاسم "الواحد" يدعو الخلق إليه ويكلِّف عباده الذين وهبهم الإرادة الحرة والاختيار، وهم من حيث أنهم عباده إنما يتوجهون إليه من حيث هذا الاسم، فهذا الاسم مرتبط بمعني الاسم الإله، فهو سبحانه إله من أسلم له طوعا بمحض إرادته واختياره، فمن كان كذلك وقام بقدر استطاعته بما يقتضيه منه ذلك فإنه يصبح من خاصته وأحبابه وأوليائه، فهذا الاسم هو أصل الدين القيم ومنبعه، وهو الذي اقتضى العلاقة الممكنة الوحيدة بين العباد وبين ربهم؛ ألا وهي الإسلام، قال تعالي:
{فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} (الحج:34).
كما اقترن هذا الدين بالشهادة له سبحانه بالوحدانية، قال تعالى:
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} (آل عمران).
والاسم "الواحد" يقتضي من الإنسان أن يعمل على أن يتميز في مرتبته باكتساب الكمالات اللازمة لذلك كما اكتسب من قبل الملكات الذاتية الخاصة.
والتحقق بمقتضيات الاسم "الواحد" من لوازم الوصول إلى مراتب الكمال، فهو الاسم الذي ترتبت عليه كلمة التوحيد والتي تتضمن أعظم قوانين الوجود والتي هي شرط انتفاع كيان الإنسان الجوهري بعمله ووصوله إلى كماله المنشود، فلا أمل لإنسان في تحقيق شيء من ذلك إلا بإقراره بوحدانية الإله، وهو يقتضي من الإنسان أن تتسق كل أخلاقه مع بعضها ومع دوافعه، وأن يتفق قوله مع فعله وظاهره مع باطنه، كما يقتضي وحدة الأمة وتماسكها والامتناع عن تفريق الدين.
فبما أن الإله واحد، فالدين واحد، والأمة يجب أن تكون واحدة، لذلك كان من أول الأركان الملزمة للجماعة المسلمة وحدة الدين ووحدة الأمة، قال تعالى:
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)} الشورى، {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)} الأنعام، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)} الروم، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} آل عمران، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)} المؤمنون.
ولذلك فمن كبائر الإثم على مستوى الأمة والجماعة تفريق الدين وتمزيق الأمة.