الثلاثاء، 23 فبراير 2016

الإنفاق في سبيل الله


الإنفاق في سبيل الله
الركن الثالث عشر

الإنفاق في سبيل الله هو عبادة مستقلة فهو غير إيتاء الزكاة، وهو من الأركان المفتوحة التي ليس لها حد أقصى، فهو كركن كذكر الله تعالى منوط بكل فرد على حدة وغير محدد بنسبة معينة، والإنفاق هو من كل ما يمكن أن يُقوَّم بمال، وله معنيان:
1.     المعنى العام وبموجبه يجعل الإنسان كل إنفاقه في سبيل الله تعالى وذلك بتصحيح قصده؛ أي إنه عندما ينفق أي مال عليه أن يجعل مقصده ابتغاء وجه الله تعالى.
2.     المعنى الخاص وبموجبه ينفق الإنسان من موارده في مجالات البر المعلومة كلما استطاع إلى ذلك سبيلا.
والمصطلح "في سبيل الله" يعنى كل ما يمكن أن يؤدى إلى تحقيق مقاصد الدين العظمى مثل زيادة معرفة الناس بربهم والدعوة إلى الإسلام وإعداد الإنسان الرباني الفائق وإعداد الأمة الخيرة القوية الفائقــة ومساعدة الفقراء والمساكين وفي الرقاب وبناء دور العلم والمصحات، وتمويل الأبحاث العلمية... الخ، وللأهمية الكبيرة لهذا الركن اعتبر الله تعالي من ينفق في سبيله بمثابة من يقرضه قرضاً حسنا.
ويقابل هذا الركن من كبائر الإثم إقراض الناس بالربا وإمساك المال وكنزه والإسراف والتبذير وتبديد المال وإهداره وسوء استعماله أو إنفاقه في سبيل الشيطان، فيجب على الإنسان ألا يعرقل دورة رأس المال.
فالإنفاق في سبيل الله يعني أن يكون كل إنفاق للمال بقصد تحقيق مقصد شرعي وليس عبثاً أو تحقيقا لمأرب شيطاني، كما يتضمن إنفاق المال لمساعدة الآخرين وفي كافة أبواب الخير.
إن الإنفاق في سبيل الله تعالى هو ركن ديني مستقل، فهو غير إيتاء الزكاة، فمن البديهيات المعلومة أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، والآيات القرءانية التي تتضمن أمراً بالإنفاق وحثَّاً عليه بشتى الأساليب والسبل هي أكثر بكثير من الآيات التي تأمر بأركان أخرى عديدة مثل الصيام وحج البيت مثلا، إن هذا الركن الكبير ليس هو إيتاء الزكاة كما قرر المحرفون والمنافقون لمصلحة الطغاة وأهل البغي، فركن الإنفاق في سبيل الله هو كركن كذكر الله؛ أي هو منوط بكل فرد على حدة وغير محدد بنسبة معينة.
والإنفاق يكون من كل ما يمكن أن يقوَّم بالمال، فهو يشمل كل الموارد والصور الممكنة للثروة بما فيها العلم والخبرة مثلا كما يشمل كل عمل أو مجهود عضلي أو ذهني، وكذلك الوقت وهو من أثمن ما يملكه الإنسان، ويقابله من كبائر الإثم الإمساك عن الإنفاق وكذلك الإنفاق في غير سبيل الله مثل دعم وتمويل أعداء الإسلام والمسلمين وكنز المال وإقراض الناس بالربا والإسراف وتبديد المال وإهداره وسوء استعماله وشتى صور التبذير والفساد والإفساد، فيجب على الإنسان ألا يعرقل دورة رأس المال، وعندما ينفق أي مال فليجعل مقصده ابتغاء وجه الله تعالى.
أما المصطلح "في سبيل الله" فهو يعنى ويتضمن كل ما يمكن أن يؤدى إلى تحقيق مقاصد الدين العظمى مثل زيادة علم الناس بربهم والدعوة إلى الإسلام وإعداد الإنسان الرباني الفائق وإعداد الأمة الخيرة القوية الفائقــة، وللأهمية الكبيرة لهذا الركن اعتبر الله تعالي من ينفق في سبيله بمثابة من يقرضه قرضاً حسنا وكفى بذلك للمنفق فضلاً وشرفا.
والأمر المشدد بالإنفاق في سبيل الله تعالى يتضمن جعل الإنفاق في غير سبيله من كبائر الإثم، لذلك من كبائر الإثم كل صور الإنفاق لاستعراض الثروة أو للتفاخر أو على سبيل التبذير أو للإفساد في الأرض أو لإلحاق الضرر بالنفس والإنفاق على التدخين وتعاطي المخدرات أو الإنفاق على ما لا فائدة شرعية منه وعلى صور الترف الدنيوي المتعددة والقابلة للتطور، وبالطبع فمن أكبر كبائر الإثم إنفاق المال للترويج للفواحش ولإفساد أخلاق الناس.  
والمقصود بالإنفاق هو الإنفاق المحض الذي يقابله الإمساك أو كنز المال، والمقصود من هذا الركن أن ينوي الإنسان دائما عندما ينفق مالا أن يكون ذلك في سبيل الله تعالى أي محققا لغرض شرعي صحيح، فالذي ينفق مثلا مالا ليعلِّم أبناءه أو للوفاء بأية حاجة من حاجاته الشرعية هو ينفق بالفعل في سبيل الله، ومن يشتري طعاما مثلا يجب أن يكون مقصده في نفسه بناء جسمه وجسم من يعول فالمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ومجال القوة رحب واسع، ومن يقصد بفعله ذلك يكون إنفاقه في سبيل الله، والمطلوب من المسلم أن يكون على علم بذلك وأن يكون ذلك حاضرا في ذهنه عند الإنفاق.
*******
إن الأمر بالإنفاق في سبيل الله يختلف عن الأمر بإيتاء الزكاة، ذلك لأن اختلاف المبنى يعني عادة اختلاف المعني، ومما يبيِّن أن الإنفاق ركن آخر غير إيتاء الزكاة اختلاف مفهوم كل منهما عن الآخر واختلاف المصارف الشرعية وذكرهما معاً في بعض الآيات القرءانية.
وهذا الركن كسائر الأركان هو من مقتضيات الإيمان بأسماء الله الحسني وإبداء الاستجابة المناسبة لها، وهو التجسيد العملي لحقيقة أن الله هو المالك الحقيقي لكل شيء أما الإنسان فهو مستخلف فيما لديه من مال وغيره، ومن الأمانة أن يحسن التصرف في هذا المال بأن يلتزم بتعليمات وأوامر المالك الحقيقي، وتلك هي العبادة التي أُمر الإنسان بها، فالعبد ملزم بطاعة أوامر ربه.
*******
والإنفاق في سبيل الله هو من لوازم الأركان الملزمة لكل كيان إنساني أكبر من الفرد مثل الأمة، وهو –بالنسبة للأمة- من لوازم ركن اتخاذ كل ما يلزم من أعمال وإجراءات لدعم بنيان الأمة وتقويته وتزكيته وركن التعامل مع الكيانات الإنسانية المكونة للأمة طبقاً للأوامر الشرعية والقيم الإسلامية، ومن صور الإنفاق الحديثة استثمار الأموال الاستثمار الأمثل لتوفير فرص العمل للناس ولزيادة موارد الأمة، والأمة ملزمة باجتناب ما يخالف هذا الركن، فلا يجوز لها أن تهدر أموال المسلمين ولا أن تنفقها لدعم اقتصاديات أعداء الإسلام والمسلمين.
والإنفاق في سبيل الله هو أمر ديني قرءاني ملزم، وهو أقوى من الأوامر الخاصة بالصيام أو الحج مثلا، فهو عبادة مستقلة، وهو غير إيتاء الزكاة، وهو يتضمن الاستغلال الأمثل للمال لتحقيق مقاصد الدين، ويقابله من كبائر الإثم إقراض الناس بالربا وإمساك المال وكنزه والإسراف وتبديد المال وإهداره وسوء استعماله، ومن سوء الاستعمال تمويل الاتجار بالبشر وشراء ما لذ وطاب من النساء وإغداقه علي المتسكعين المتبطلين والشعراء المداحين المنافقين والفاسقين وأعداء الدين أو على التدخين ووسائل اللهو المبددة للوقت، ومن سوء الاستعمال الحديث إنفاق الأموال على الراقصات وعلب الليل....الخ، ومن صور إهدار الموارد الحديثة قتل وتبديد الوقت في متابعة المباريات الرياضية والأفلام الإباحية والبرامج التافهة أو في الجلوس على المقاهي للثرثرة واللغو.
وركن الإنفاق هو كركن ذكر الله تعالى منوط بكل فرد على حدة وغير محدد بنسبة معينة، وهو يختلف عن الزكاة في أنه لا يوجد له سقف أعلى، فهو مفوض إلى إمكانات كل فرد، والإنفاق هو من كل ما يمكن أن يقوَّم بمال، ومن ذلك الوقت والجهد.
والإنفاق في سبيل الله لا يعني بالضرورة نقل ملكية المال من المنفق إلى المنفق عليه، فالمقصد هو ألا يكنز المال وألا يعمل على عرقلة دورته، فمن أنشأ مصنعاً لإنتاج شيء مما هو لازم للأمة على نية أن يجعل إنفاقه عليه في سبيل الله تعالى ورأى أن من الأفضل أن يديره هو وأن تظل ملكيته باسمه فقد قام بهذا الركن، كما أن حسن إدارة المال لتحقيق مقاصد الدين هي من الإنفاق في سبيل الله، فكل إنفاق لتحقيق مقصد شرعي هو إنفاق في سبيل الله، فمن أنفق المال الوفير ليتخير لنفسه ولمن يعول أفضل الطعام اللازم لنموهم وسلامتهم فإنما هو ينفق في سبيل الله، أما من ينفق من ماله ليحظى بمتعة غير مشروعة أو لمحض اللهو فهو ينفق في سبيل الشيطان، ومن البديهي أن إنفاق المال للتدخين أو لتعاطي المخدرات مثلا لا يمكن أن يكون إنفاقاً في سبيل الله، وكذلك لا يمكن –بالنسبة للأمة- أن يكون إنفاق المال لدعم اقتصاديات أعداء الإسلام والأمة إنفاقا في سبيل الله.
*******
الإنفاق في سبيل الله تعالى هو الإنفاق لتحقيق أي مقصد من مقاصد الدين، ومجالات هذا الإنفاق تتسع باطراد التقدم، فالإنفاق في سبيل الله يشمل الآن مثلاً تمويل الأبحاث العلمية ومؤسسات البحث العلمي والمستشفيات والمدارس ذات التخصصات المختلفة ودعم ورعاية الأسرة وتمويل المؤسسات الثقافية الجادة والتي تعمل على نشر الثقافة الرفيعة، والادخار الواعي لصالح الأمة من وسائل تحقيق هذا الركن.
*******
إن الأصل هو ألا يُكنَز المال وألا يُتَّجر به وألا يُقرض للناس بالربا ولكن أن يُنفَق في سبيل الله ولا خيار للإنسان في هذا الأمر، فالإنفاق في سبيل الله ركن ديني ملزم، والإنفاق على الأسرة هو من الإنفاق في سبيل الله، أما إنفاق المال للحصول على الملذات المحرمة فهو إنفاق في سبيل الشيطان، وركن الإنفاق في سبيل الله يلزم الإنسان بألا يهدر ماله وألا يبذر تبذيرا وبألا يهدر قواه ومواده عبثا.
*******
إن ركن الإنفاق في سبيل الله تعالى كان من أول ما تم وأده من أركان الدين وأوامره الكبرى، ولقد بدأت بوادر ذلك عندما بدأت سيطرة الأمويين المولعين بالمال والسلطة على مقدرات الأمة، والذي نظَّر لهم ذلك هم المنافقون.
*******
إن الآيات الآتية تبين أهمية ركن الإنفاق في سبيل الله:
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }البقرة3  *  {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }البقرة177  *  {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }البقرة195  *  {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }البقرة215  *  {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }البقرة219  *  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ }البقرة254  *  {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة261 *  {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة262  *  {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }البقرة265  *  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }البقرة267  *  {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }البقرة272  *  {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }البقرة273  *  {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}البقرة274  *  {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ}آل عمران92  *  {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}آل عمران134  *  {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا(38)} (النساء)، {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً}النساء39  *  {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }الأنفال3  *  {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }الأنفال60  *  {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}التوبة34  *  {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}الرعد22  *  {قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ}إبراهيم31  *  {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }الحج35  *  {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }الفرقان67  *  {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }القصص54  *  {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }السجدة16  *  {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ }فاطر29  *  {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}الشورى38  *  {هَا أَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }محمد38  *  {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ }الحديد7  *  {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }الحديد10  *  {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ }المنافقون10  *  {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}التغابن16  *  {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }النور33  *  {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}النساء8.
والآيات المذكورة تبين تماماً أن الإنفاق في سبيل الله هو ركن آخر غير ركن إيتاء الزكاة، وتبين أن صوره لا حصر لها، وإنفاق المال في سبيل الله يتضمن إنفاقه بنية نفع المسلمين وتحقيق مقاصد الدين، فهذا الإنفاق هو ركن أساسي ركين من أركان الدين وهو أمر آخر غير ايتاء الزكاة، وما يناقض هذا الركن هو كنز المال والامتناع عن إنفاقه وكذلك استغلال حاجة الناس لمضاعفة رأس المال أي الربا.
وهذا الركن مقدم في الحقيقة على ركن إيتاء الزكاة من حيث أنه أعم منه ولإطلاقه، وهو مفوض دائما إلى الأفراد، أما إيتاء الزكاة فلا يُفوض إليهم إلا في حالة عدم وجود أمة حقيقية.
وهذا الركن يهدف إلى انتفاع القدر الأعظم من الناس بالمال بمعنى دورانه بين أكبر عدد منهم وعموم نفعه عليهم، ويلاحظ أن هذا الركن كان من أوائل أركان الدين التي قضى عليها الأمويون ومن آزرهم من أهل الكتاب والمنافقين، ولقد حاول الصديق أبو ذر الغفاري التصدي لهم فخذلته الأمة فدارت الدوائر من بعد عليها، وصار مالها من وقتها غنيمة باردة للمتسلطين عليها ولأكابر مجرميها؛ يسرقونه من الناس ثم يكيلون لهم الضربات على خدودهم اليمنى واليسرى وعلى أقفيتهم، فضلا عن جلد ظهورهم، ولقد دأب رجال الكهنوت والمنافقون وأهل اللاسنة والتشرذم والفرقة علي التطاول علي هذا الإمام الصديق وعلي التهوين من شأن ما تعرض له علي أيدي الملأ من بني أمية ومن شايعهم، وعلي كل مؤمن صادق أن ينصف هذا الإمام الذي كان من خيرة السابقين الأولين والذي صدق ما عاهد الله عليه ولم يبدل تبديلا وكان من طلائع من تصدوا للمرتدين علي أعقابهم والمتهالكين علي حطام الدنيا.
*******
سيقول بعضهم إنه لا يمكن اعتبار الإنفاق ركنا لأنه غير منضبط ومنوط بالفرد ومفوض إليه وهو مخير فيه ولا يوجد حدود معينة له، فالجواب هو أن القرءان يتضمن آيات عديدة قوية محكمة تأمر بالإنفاق؛ فأي إلزامٍ بعد ذلك؟ ألا يكفي أن تكون الأوامر بالإنفاق أكثر وأشد تأكيدا من الأوامر بالصيام والحج؟ والأصل في كل الأوامر والأعمال الدينية أن الإنسان مخير فيها، أما الذي يجعل العمل ركنا من أركان الدين أو أمرا واجبا فهو وروده في الكتاب بأسلوب أمري واضح ظاهر أو مقترناً بما يعلم الناس كافة أنه ركن ديني كإقامة الصلاة مثلا، فالقران في النظم يوجب القران في الحكم، ولكن الإنسان الذي ارتضي الإيمان ملزم بأن يقوم بمقتضياته من الأركان، فالمؤمن ملزم بالإنفاق في سبيل الله تعالي كما هو ملزم بإقامة الصلاة وصيام رمضان، ولم يبق له من خيرة فيما يتعلق بأمر الإنفاق إلا في القدر الواجب إنفاقه، أما بالنسبة إلي إيتاء الزكاة فالمؤمن ملزم بإيتاء ما حدده أولو الأمر، ولقد ورد الأمر بالإنفاق في أوامر لها نفس قوة ومرتبة الأمر بإقامة الصلاة وقدم ذكره علي الأمر بإيتاء الزكاة، ولولا أن السلف المقدس قد عقدوا العزم علي هجران القرءان وتقديم المرويات الظنية عليه لرأوا تلك الحقيقة البينة الواضحة.
ومن عرف طبيعة الإنفاق كما بيَّناه هاهنا سيجد أنه ركن ملزم لكل من امتلك شيئاً من الموارد، فهو ملزم بألا ينفقها إلا في سبيل الله تعالى، ذلك لأنها من نعم الله تعالى التي لا يجوز أن تستعمل فيما لا يحب ويرضى.
وإهمال ركن الإنفاق في سبيل الله هو من أوضح الأمثلة على الانحراف عن دين الحق، وهذا الانحراف يتمثل هنا فيما يلي:
1.        اتخاذ القرءان مهجورا.
2.        تجاهل أوامر قرءانية قوية محكمة رهبا وخوفا من مروية آحادية.
3.        جعل المرويات حاكمة وقاضية على القرءان.
4.        إبطال أحكام القرءان البينة المحكمة بحجة أنها مبهمة مشكلة مطلقة مجملة.
5.        سوء تأويلهم لمروية أو سوء قصدهم، وقد أدى ذلك إلى إبطال ما لا حصر له من الأوامر الدينية الكبرى والجوهرية.
6.        جعل انحرافات أهل البغي ومن تحلق حولهم من المنافقين شرعا ملزما.
7.        كل ذلك أدى إلى إحداث المذاهب التي حلت محل الإسلام. 
ومن الآيات التي تبين بكل جلاء أن الإنفاق في سبيل الله هو ركن مستقل عن ركن إيتاء الزكاة:
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}البقرة274 ، {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ }فاطر29، {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }البقرة177، {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }البقرة195، {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }آل عمران134، {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}التوبة34، {هَا أَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }محمد38
فإيتاء الزكاة يجب أن يؤدى علانية لأولي الأمر في حالة وجود الأمة المؤمنة القائمة بأمور نفسها، وأولو الأمر الحقيقيون هم المنوط بهم في كل عصر ومصر تحديد ما يتعلق بها مثل دورة تحصيل وتعريف الغني والفقير والنسبة الواجب أداؤها وحد الإعفاء .... الخ مثل أي نظام ضريبي، أما الإنفاق في سبيل الله فهو عبادة يؤديها الإنسان لربه سرا أو جهرا بالليل والنهار مثلها مثل ركن ذكر الله، وليس له حد أقصى، فهو مفوض إلى استطاعة المسلم ودرجة صلاحه وتقواه ورغبته فيما هو عند الله.
*******
إنه لأهمية الإنفاق في سبيل الله فلقد اعتبرت الآيات من ينفق في سبيل الله كمن يقرضه قرضاً حسناً وكفي بذلك شرفاً، قال تعالى:
{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}البقرة245  *  {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }الحديد11  *  {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ }الحديد18  *  {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}التغابن17  *  {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }المزمل20.

ويلاحظ أن "إقراض اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً" ذُكر مع إيتاء الزكاة للدلالة على اختلاف المدلول والمضمون، كما ذُكر مقترنا بأركان دينية مشهورة، والقران في النظم يشير إلى القران في الحكم.
ومن كبائر الإثم المضادة لهذا الركن الامتناع عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، ولذلك اعتُبِر مرادفا لإلقاء الناس أنفسهم بأيديهم في التهلكة، قال تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} البقرة195، والآية تحث الإنسان أيضا على الإحسان، ومن هذا الإحسان الإحسان في الإنفاق.
*******
إن إنفاق المال بمعنى الامتناع عن كنزه وإمساكه هو من أهم أركان الإسلام، وهو كالشورى من الأركان التي تم وأدها مبكرا على يد معاوية زعيم الفئة الباغية وأمثاله من المـلأ وتم نفيه مع أبي ذر إلى الربذة ولم يبق منه إلا آثار واهنة من الإحسان الذي قد يكون مصحوبا بالمنّ.
والإنفاق يعنى المساعدة على تدوير الأموال وتكاثر وازدهار المعاملات المالية والاقتصادية مما يؤدى إلى الرواج وازدهار الحياة البشرية، والتهلكة وعذاب الآخرة هي الأمور المترتبة على إمساك المال وكنزه.
أما تسهيل المعاملات المالية وتأمينها وسن ما يلزم لذلك من قوانين وإشاعة ما يلزم من قيم فكل ذلك هو مسؤولية الأمة جمعاء لأن مصلحة الأمة في ذلك تفوق مصلحة الفرد وهي التي توفر له السبل اللازمة لاستثمار أمواله.
*******
أما بالنسبة لصدقة الفطـر فلقد كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يريد التيسير على أمته الذين كانت النقود بالنسبة إليهم عزيزة ونادرة إذ لم تكن تضرب عندهم بل كانوا يستوردونها مقابل ما ينتجون من سلع أو مقابل عمليات نقل البضائع بين الشام واليمن، فالدينار كان يأتي من البيزنطيين والدرهم من الفرس، لذلك شرع لهم أن يؤدوها مما هو متيسر لديهم من منتجات بيئتهم كالشعير والتمر، والمقصد الجدير بالاعتبار والمنصوص عليه هو إغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد وليس إحداث ارتباك عام في الأمة طلبا للشعير والتمر، وأمر صدقة الفطر بالذات يوضح كيف يريد البعض صياغة الإسلام كدين للأعراب والبدو وليس كدين عالمي وما ذلك إلا لحرصهم على العادات والمرويات والشكليات، ألم يسأل هؤلاء أنفسهم كيف يمكن أن يؤتي تلك الزكاة أهل الغرب مثلاً؟ لذلك يجب القول بأن مقاصد الدين العظمى هي الأولى بكل اعتبار وليس عادات البدو وما توارثوه من مرويات، إنه إذا كان الإسلام هو الدين العالمي الخاتم فإنه يجب ألا يُقيَّد بعادات وتقاليد وظروف معيشة عرب القرن السابع الميلادي، لذلك فإذا جاز لعرب ذلك العصر أن يخرجوا صدقة الفطر تمراً أو شعيرا وقد كانا يشكلان المنتجات الشائعة أو المحاصيل السائدة فإنه يجوز لأهل كل مصر أن يخرجوا تلك الصدقة مما يناظرهما فيخرجها الأوروبيون قمحاً مثلا، ومراعاة المقاصد الدينية تقتضي أن يتم صرف الزكاة الآن نقودا فذلك أيسر على الطرفين، ولا شك أن التيسير من مقاصد الدين.
*******
إن الإنفاق في سبيل الله وإيتاء الزكاة هما ركنان مستقلان من أركان الدين ولا يجوز الخلط بينهما ولا الاكتفاء بواحد عن الآخر ولتعريف كل ركن منهما يجب أولا تعريف المال، فالمال هو كل ما يمكن أن يقوَّم الآن بالنقود المعلومة أي هو كل ما له ثمن مادي، أما المصطلح (في سبيل الله) فهو المصرف الرئيس للزكاة ولإنفاق المال، وهو يعني أن يكون ما يقدمه الإنسان مما يقبل التقويم بالنقود من عمل أو كيانات مادية خالصا لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته أي في سبيل إعلاء كلمته وتحقيق المقاصد الدينية العظمى بإعزاز الدين وإعداد الإنسان الصالح وتقوية ودعم وإعداد الأمة الخيرة الفائقة، أما كل المصارف الأخرى فهي من تمثلات ولوازم وتفاصيل هذا المصرف الرئيس، فمن أنفق ماله لبناء مصحة أو مدرسة مثلا يقدمان العلاج أو التعليم المجاني للناس فإن ما فعله هو للفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمين … أي سيعود نفعه على الأمة جمعاء وأولها هؤلاء.
*******
إن الإنفاق في سبيل الله تعالى ركن أساسي من أركان الدين ويقابله كنز المال، أما الإمساك عن الإنفاق فهو بمثابة إلقاء الأفراد والأمة بأنفسهم إلى التهلكة، فالإمساك يقوى في نفس الإنسان صفات الشح والبخل والهلع والجزع والنفور من الآخرين والخوف منهم وغيرها من الصفات الماحقة القاتلة شديدة الخطورة على الكيان الجوهري، أما فيما يتعلق بكيان الأمة فلقد جعل المال وسيلة لإدارة عجلة الاقتصاد ولينتفع به القدر الأعظم من الناس، ومن يكنزه إنما يحاول إيقاف تلك العجلة، وهو بذلك يقضى على نفسه قبل أن يقضى على غيره، فهو يحطم كيانه الجوهري باستعباده للأشياء وجعل نفسه بذلك أدنى مرتبة منها، فالأمة التي يحرص أفرادها علي كنز المال وإمساكه تضعف بنيانها وتسد شرايين حياتها فتقضي علي نفسها بنفسها، هذا بالإضافة إلى إشاعة أجواء من الحقد والغل والبغضاء بين أبناء الأمة.
ولقد كان كنز المال ثم نهب المال العام من أوائل الخطايا التي ابتليت بها الأمة والتي سبقت القضاء على المُثُل الدينية العليا وعبَّدت السبل اللازمة لذلك، وكانت من أكبر أسباب تأجيج الفتنة، وكان من أوائل من تنبه لذلك وحاول التصدي له الصحابي الجليل والصديق النبيل أبو ذر الغفاري والذي دأب المنقلبون على أعقابهم والمفسدون في الأرض والفئة الباغية ومن شايعهم من المغضوب عليهم على النيل منه على مدى العصور، ذلك رغم أن مذهبهم يلزمهم بالإقرار بعدالته التي زعموها للطلقاء والمنافقين وأهل البغي، ولم يكتفوا بذلك بل كفَّروا كل من حاول التصدي لإفكهم وهرائهم وضلالهم المبين.
*******
إن امتلاك المال هو وظيفة منوطة بالفرد أو الكيان الإنساني بصفة عامة، وتلك الوظيفة محكومة بضوابط شرعية، فهي ليست بوسيلة للتفاخر والتكبر على الناس أو تجاوز الحدود أو الترف أو التعدي على القوانين والنظم أو التبذير أو الإنفاق السفيه أو الإفساد في الأرض أو إذلال الناس أو استغلال حاجتهم أو استعبادهم، ولقد اعتبر الربا ظلما عظيما وحرِّم لذلك، وإنما استخلف الله تعالى الإنسان في المال لينفقه في سبيله، وهذا يعني أن يجعل كل إنفاق للمال لتحقيق غرض شرعي؛ أي لتحقيق مقاصد الدين.
فالمال هو بالأصالة مال الله تعالى، قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ }الحديد7، {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }النور33.
وكون المال مال الله تعالى يجعل من أي اعتداء على الناس في هذا الأمر من كبائر الإثم، فلا يجوز للمتسلط أن ينهب أموال الناس متعللا بكون المال مال الله مثلما كان يفعل معاوية إمام أهل البغي والداعين إلى النار، بل إن من ينهب أموال الناس بمثل هذا التأويل يكون قد اعتدى على حقوق الله تعالى وحقوق عباده وفسَّر آيات القرءان بالهوى، ولقد رتع الأمويون في مال الأمة وجعلوا الأمة بكل مواردها تراثا لهم يتوارثه غلمانهم، ثم جاء عبيد نعالهم وفرضوا جرائمهم على الأمة كاجتهادات مأجورة ومنعوا أي انتقاد لهم، والحجة هي أنهم فتحوا الأندلس.
*******
وركن الإنفاق في سبيل الله هو ركن مفتوح يتسع ويتطور مع ظروف العصر والمصر، ولا يوجد له حدّ أعلى، فهو مفوض إلى مدى رقي الإنسان ومدى تحليه بالتقوى، وهو بذلك يختلف عن ركن إيتاء الزكاة الذي هو أشبه بالنظام الضريبي الحديث.

*******


الجمعة، 19 فبراير 2016

أَهْلُ الْكِتَابِ ج1

أَهْلُ الْكِتَابِ ج1


"أَهْلُ الْكِتَابِ" هو المصطلح القرءاني الرسمي الجامع الذي يشير إلى من لديهم كتاب منزل من قبل القرءان، فهو يشير إلى اليهود والنصارى بصفة عامة، أمثلة:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران:64]، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [آل عمران:65]، {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)} آل عمران
أما التعبير "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ" ففيه ينسب الله تعالى إيتاءهم الكتاب إلى نفسه بصيغة الجمع المتكلم، فالتعبير هنا مظنة الثناء عليهم أو انتظار الخير منهم، وهو لذلك يشمل من تلقوا الوحي من أنبياء بني إسرائيل ومن آمن بهم كما يشمل المسلمين الذين آمنوا بالقرءان، أمثلة:
{أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين} [الأنعام:114]، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون} [البقرة:121]، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون} [الأنعام:20] {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِين} [الأنعام:89]
أما التعبير "الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ" الذي ينسب فعل الإيتاء إلى مجهول فهو يستعمل عندما يكونون مظنة الذم أو انتظار الشر منهم، إلا في آية واحدة هي:
{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين} [المائدة:5]
وفي ذلك إشارة إلى جواز تناول طعام أهل الكتاب والزواج منهم مهما تدنَّت حالتهم، ولو استعمل هنا التعبير "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ" للزم البحث عمن هم مظنة الثناء ومن هم المتمسكون بالرسالات الأصلية.
ومن الأمثلة التي تبين استعمال هذا المصطلح:
{وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [البقرة:101]، {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِين} [البقرة:145]، {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَاب} [آل عمران:19]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِين} [آل عمران:100].
والقرءان يضمن لأهل الكتاب كافة حقوقهم الإنسانية، فكل إنسان هو خليفة في الأرض ومكرم ومفضَّل عند الله على كثير ممن خلق تفضيلا، كما يقرر القرءان لهم حقوقا إضافية كأهل كتاب منزل ويتطلعون إلى عالم الغيب، هذا رغم العلم بما يقولونه على ربهم وكتابه ورسوله، فلا حاجة إلى الزعم بأنهم مسلمون، ولا يجوز الخلط بين المعاني اللغوية وبين المصطلحات الدينية، وللكلمات "إسلام" و"مسلمون" معانيها الاصطلاحية الواضحة، هذا فضلا عن أن اليهود والنصارى لم يطلبوا من أحد أن يعتبرهم مسلمين، وليس من حق أحد أن يتبرع بإضفاء اللقب عليهم، ومن الأفضل لمن يزعم ذلك أن يحاول أن يكون هو جديرا بحمل هذا اللقب.
وأهل الكتاب هم أهل الكتاب، هذا هو اسمهم القرءاني، يجب برهم والإقساط إليهم واحترام كرامتهم وحقوقهم، بل إن احترام حقوق الإنسان وكرامته من الأوامر الدينية التي يتعبد المسلم إلى ربه بالعمل بمقتضاها.
ويجوز الزواج منهم والأكل من طعامهم، أما الكفر والشرك فهي صفات لا يخلو منها إنسان بما فيهم المحسوبون على الإسلام، وهي لا تغير شيئا من الصفة القرءانية القانونية.
وأكثر المحسوبين على الإسلام الآن كفروا بالكثير من عناصر الإسلام وأشركوا بربهم، ولكن هذا لا ينفي عنهم الصفة القرءانية القانونية.
ولكن هناك من أتبعوا الكفر النظري الاعتقادي بتصرفات عدوانية بمقتضى كفرهم وأوقدوا نيران الحروب وسعوا في الأرض فسادا مثل داعش وغيرها من حركات الإجرام السياسي، هؤلاء مجرمون وليسوا بمسلمين وهم الذين كفروا.
*****
حرية الدين من حقوق الإنسان الأساسية المقررة في القرءان بأجلى بيان، والإنسان هو خليفة ومكرم ومفضل لكونه إنسانا، والذي جعله كذلك هو ربه الرحمن، لذلك لا يجوز لأحد من البشر أخذ أموال منه مقابل السماح له بممارسة حقٍّ من حقوقه الأساسية، والله تعالى لم يعين أحدا من الناس وكيلا عنه أو مسيطرا عليهم باسمه.
ولا يجوز فرض جزيةٍ على الكتابي المسالم، الجزية تُفرض على من اقترف ما يوجب شرعا قتاله ولو كان من المحسوبين على الإسلام مقابل إنهاء القتال وذلك جزاءً لكونه اقترف عدوانا وليرتدع عن فعل مثله غيره
*****
زعم بعض المجتهدين الجدد أن اليهود والنصارى مسلمين طبقا لتعريفه هو للإسلام، وقد تابعهم في ذلك دراويشهم المؤمنون بهم إيماناً لا يتزعزع، وهذا الزعم باطل، بل إن اليهود والنصارى بنص القرءان ليسوا من ملة إبراهيم وهي الشرط الأول ليكون المرء مسلما حقا، قال تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} [البقرة:135]، فهذه الآيات تبين أنهم مشركون بالإضافة إلى كونهم ليسوا من ملة إبراهيم، فالشرط الأساسي ليكون الإنسان مسلما أن يتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، ففحوى القول: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} أنهم هم كذلك.
فهم بانحرافهم عن ملة إبراهيم لم يعودوا مسلمين، ويجب العلم بأن الديانة اليهودية لم تظهر إلا بعد العودة من السبي البابلي، وأن القرءان لم يسمِّ أبدا من آمن بموسى باليهود وأن النصارى هم من أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم، وكذلك فعل المسيحيون، فهذه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
فمصطلح الإسلام يُطلق على متبع الدين الصحيح الذي بدأ رسميا بإبراهيم واتبع كل نبي مرسل جاء مجددا لهذا الدين أو مضيفا إليه برسالة جديدة، لذلك فهو يُطلق على من اتبع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والمسيح وخاتم النبيين، أما من نأى بنفسه عن هذا الدين الصحيح فهو غير مسلم.
لذلك لا يجوز أن يُسمَّى اليهود والمسيحيين بالمسلمين لأنهم رفضوا اتباع خاتم النبيين وكفروا به وبرسالته، فالذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين هم اليهود والنصارى، وقد قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة} [البينة:6]
ومن يسميهم بذلك يسيء إلى النبي الخاتم ويوافقهم على موقفهم منه.
ومع كل ذلك فالإسلام الحقيقي يكفل لهم حرية العقيدة رغم كفرهم به ويأمر المسلمين ببرهم والإقساط إليهم واحترام حقوقهم الإنسانية وكرامتهم.
والدين عند الله واحد، هو الإسلام بالمعنى الاصطلاحي الأعلى، وهو الذي بلغ ذروة كماله بالرسالة المحمدية؛ وهي القرءان الكريم، أما اليهود والمسيحيون فهم الذين نأوا بأنفسهم بعيدا عن هذا الدين الواحد؛ فلا يجوز اعتبارهم مسلمين رغم أنوفهم، ولا يجوز تمييع الفواصل بدعوى العصرانية فإنها لن تكون إلا على حساب دين الحق.
ولليهود والمسيحيين وغيرهم من أتباع شتى الديانات والمذاهب كافة حقوقهم الإنسانية المقررة في الإسلام ومنها حرية الإيمان، والمسلم الحق يتعبد إلى ربه بالحفاظ على حقوق الناس واحترام كرامتهم، فكل إنسان هو خليفة ومكرم ومفضل وحامل للأمانة.
والإسلام له معانٍ عديدة، منها معاني لغوية مثل الانقياد والإذعان والدخول في السلم، ومنها هذا الدين الذي الواحد الذي بدأ رسميا بإبراهيم عليه السلام وبلغ ذروة كماله بالرسالة المحمدية، أما اليهود فقد كفروا برسالة المسيح عليه السلام، وخرجوا بذلك عن الخط العام للإسلام، أما المسيحيون فقد رفضوا رسالة خاتم النبيين، وخرجوا بذلك عن الخط العام للإسلام، ولذلك فاليهود والنصارى ليسوا مسلمين، وهم لا يقولون بذلك ولا يزعمونه لأنفسهم ولم يسمهم الله تعالى بالمسلمين في كتابه.
ومع ذلك ظهر من بين المحسوبين على الإسلام من يصرون على أنهم مسلمون ضاربين بالاسم القرءاني لهم عرض الجدار! والأدهى والأمر هو أنهم يعتبرون أن من يقول بغير ذلك هو المطالب بشرح موقفه!!!!ألا ما أتعس الضالين!!
والمشكلة الخطيرة هي أن هؤلاء كفروا بجزء كبير من القرءان كفرا بواحا، ويمكن لكل المسلم تجميع كل الآيات التي ورد فيها ذكر أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب واليهود والذين هادوا والنصارى صراحة أو ضمنا ليعلم المقدار الهائل من الآيات التي كفروا بها، وهم يحسبون أنهم على شيء.
وعظمة الإسلام المعلوم تتجلى في اعتباره اليهود والنصارى من أهل الكتاب وأنه يأمر بالعدل والإحسان واحترام حقوق الناس وببرهم والإقساط إليهم رغم كفرهم به وإنكارهم له.
وليس لدى المؤمنين باليهودية أو المسيحية أو بالمذاهب المحسوبة على الإسلام من السنن أو الآليات ما يسمح لهم بالتعايش السلمي فيما بينهم في نفس البلد، ولا أمل في أن يتحقق ذلك، وإنما يمكن أن يسود السلام لما يلي:
1.     أن يتخلى الجميع عن أكثر تعليمات وأوامر أديانهم ومذاهبهم أو ألا يأخذوها على محمل الجد.
2.     وجود نظام علماني قوي، وقد توصل الإنسان إلى مثل هذا النظام بعد أن دفع الثمن غاليا من حروب دينية ومذهبية إجرامية قاسية هلك فيها الملايين وانتشر بسببها الدمار والخراب، وبعد أن فرضت الضرورة وفرض التطور والتقدم على المستوى الإنساني قيمه ومبادئه.
3.     وجود نظام دكتاتوري وطني يقمع هؤلاء الهمج المتعصبين ويلزمهم الأدب.
4.     اتباع دين الحق، فهو الوحيد الذي يملك من الآليات والسنن والقيم والمقاصد التي تجعل من التعايش السلمي مع الآخرين ليس مجرد ضرورة بل عبادة ومقصدا من مقاصده العظمى.
ولكن حتى إن تحقق السلام بين الكائنات المتدينة داخل بلد واحد فستظل كل طائفة تتربص بالأخرى الدوائر وتنتهز أية فرصة سانحة للفتك بها! وبالطبع إذا كان لهذا البلد أعداء فلن يقصروا في استعمال هذا السلاح الفتاك؛ العداء الكامن في نفوس كل طائفة دينية تجاه الآخرين!
*******
أهل الكتاب هم كما قال القرءان: "أهل الكتاب"؛ ليسوا مسلمين، وليسوا كفارا، هم يهود أو نصارى، يجب احترام كافة حقوقهم الإنسانية والحفاظ على كرامتهم وبرهم والإقساط إليهم، ويجوز الأكل من طعامهم والزواج منهم.
ويجب التمييز بين الفعل "كفر" وبين أن يكون الإنسان: " كافرا" أو من "الذين كفروا"، ففعل الكفر يسند إلى من كفر بأي شيء من عناصر دين الحق، ولا يكاد يخلو منه إنسان، بما في ذلك النصارى واليهود والمحسوبون على الإسلام، ولا يوجد عليه أي عقاب دنيوي، فحرية الإيمان مقدسة في الإسلام، وقوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} هو سنة إلهية كونية وسنة شرعية وسنة تشريعية وركن من أركان منظومة القيم الإسلامية، والحكم والفصل في الأمور الدينية الإيمانية مرجأ إلى يوم القيامة، ولا يجوز لأحد أن يأخذ أموالًا من إنسان مقابل تركه يمارس حقًّا أعطاه الله تعالى له.
أما "الذين كفروا" فهم الذين أتبعوا كفرهم النظري بأعمال كفرية تتضمن فتنة الذين آمنوا في دينهم والاعتداء عليهم بسببه، وهؤلاء لهم أحكامهم.
لقد شرحنا الفرق بين من يُسند إليه الفعل كفر، وبين من يوصف بأنه من الكفار أو من الذين كفروا، عندما يسند فعل الكفر إلى طائفة فإن القرءان يذكر قولهم الكفري، ولكن قولهم هذا لا يلغي لقبهم الأساسي الثابت بالقرءان أيضًا ثبوتا قطعيا، مثال، قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [المائدة:73]
فالقول الكفري هو "إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ"، وعقابه عَذَابٌ أَلِيم، والفصل في شأنه هو يوم القيامة، ولا ينزع عن النصارى صفتهم كأهل كتابٍ منزل، والحكم على من قال به هو في يوم القيامة، وليس مفوضًا إلى مجرم سفاك للدماء ممتلئ كفرا ونفاقًا وشركًا وجهلا ومحسوبٌ ظلمًا على الإسلام.
أما " الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" فهم ليسوا كلهم، فـ"من" للتبعيض، وهم الذين أتبعوا كفرهم النظري بأعمال كفرية تتضمن فتنة الذين آمنوا في دينهم والاعتداء عليهم بسببه، وهؤلاء لهم أحكامهم، ويجب التصدي لهم.
*******
الإسلام يقبل بالتعددية الدينية ويتضمن أسس التعامل السلمي البناء المثمر مع غير المسلمين، لا يوجد أي نص قرءاني يسمح لأحد بقتل شخص أو انتهاك حقوقه أو التعدي على كرامته بسبب دينه أو مذهبه أو آرائه، نصوص القرءان تؤكد حرية الإيمان بأجلى بيان، وتؤكد على احترام حقوق الإنسان كإنسان، والقرءان يقرر أن الاختلاف حقيقة راسخة وسنة كونية يجب التعايش معها بل والإفادة منها وأن الحكم بين الناس فيما يختص بأديانهم مؤجل إلى يوم الفصل! وقد احترم المسلمون بصفة عامة حقوق أهل الكتاب ولم يحاولوا إكراههم على تغيير دينهم بالقوة، ولقد كان شغل المحسوبين على الإسلام الشاغل هو القضاء على المسلمين الآخرين المختلفين عنه وليس القضاء على أهل الكتاب، ومن المعلوم أن من قُتِل من المحسوبين على الإسلام بسبب الصراعات فيما بينهم أكثر بكثير ممن قتلوا في الصراعات مع الآخرين، وقد قتل تيمور لنك ونادر شاه من المسلمين ما لا يحصى عدده، وأباد تيمور لنك سكان عدة مدن منها حلب وحماة وبغداد وأصفهان ودهلي (المسماة دلهي الآن) وبنى أهراما من جماجمهم!!!!
المسلم الحقيقي ينبغي أن يكون مثلا أعلى في مكارم الأخلاق، فيجب أن يتعامل مع باقي البشر ومع دواب الأرض بل ومع الجماد بالرفق واللين وأن يعظِّم في كل ذلك أن رب العالمين قد خلقهم واعتنى بهم وتكفل برزقهم، فعليه أن يرقبه فيهم، فلكل إنسان على المسلمين حقوقه كإنسان مفضل وخليفة في الأرض، ولأهل الكتاب حقوقهم الإضافية على المسلمين، يجب عليهم احترام حقوقهم الإنسانية والحفاظ على كرامتهم وبرهم والإقساط إليهم، وليس من حقهم إكراههم على أي شيء فيما يتعلق بأمور الدين، ويجب العلم بأن الاختلاف هو مدعاة للتعارف وليس للصراع، وأن حسم الخلافات بين الناس في الأمور الدينية مرجأ إلى يوم القيامة.
******* 
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، مهما كانت عقائدهم التفصيلية، ولقد ميزهم الله تعالى بهذا المصطلح في كتابه الذي يمثل دين الحق وكلمته التامة.
فلأهل الكتاب حقوقهم الخاصة بالإضافة إلى حقوقهم الإنسانية العامة.
وهناك فرق هائل بين وصف بعض الأقوال أو الأفعال بالكفر وبين النص على أن طائفة معينة كافرة أوضحناه كثيرًا.
وصف قول أو فعل معين بالكفر، هو بيان لحقيقته وتوصيف له، وهو لحث الناس على الإعراض عنه، فهناك كفر جزئي، ولا يكاد يخلو إنسان من تبني قول أو فعل كفري، وأكثر المحسوبين على الإسلام هم كذلك، والمطلوب منهم أن يزكوا أنفسهم بالتطهر من مثل هذا الكفر.
أما الكافر فهو من بلغته دعوة الحق البلاغ المبين فأصر على الإعراض عنها وجاهر بالعداء، وعمل بمقتضى ذلك، وأتبع ذلك بالاعتداء على الفئة المؤمنة واضطهادها في دينها.
وآخر من انطبق عليهم هذا الوصف هم كفار قريش حتى الآن!
مثال: أكثر المحسوبين على الإسلام يؤمنون بأن العشرات من آيات القرءان منسوخة، هذا اعتقاد كفري وفعل كفري، ولكن هؤلاء المساكين لم يصلهم بلاغ مبين بأن الأمر كذلك، لذلك فلا يجوز القول بأنهم كفار رغم أن عقيدتهم كفرية، ويترتب عليها أفعال كفرية، أما من يتولون كبر الترويج لهذا الكفر من المشايخ فهم ليسوا إلا أدوات وآلات بأيدي الشياطين، ولقد ورد أنه لن تقوم الساعة حتى يجلس الشياطين على المنابر يعظون الناس.



*******




الأربعاء، 17 فبراير 2016

ما أُنزِل على الرسول


 ما أُنزِل على الرسول

إن ما أُنزل على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وما أوحي إليه هو الكتاب ذو الآيات وهو القرءان ذو السور والآيات الذي تحدَّى به الله سبحانه وتعالى الناس، قال تعالى:
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة23، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ....} [المائدة:48]، {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)} الأعراف، فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)} هود، {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل} [آل عمران:3]، {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا}[النساء:136]، {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين}[الأنعام:114]، {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأنعام:155]، {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون}[الأعراف:52]، {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم}[يونس:1] {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} [هود:1]، {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين} [يوسف:1]، {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُون}[الرعد:1] {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد} [إبراهيم:1]، {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقرءان مُّبِين}[الحجر:1] {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}[الكهف:1]، {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الكهف:27]، {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُون}[الأنبياء:10]، {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين}[الشعراء:2]، {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقرءان وَكِتَابٍ مُّبِين}[النمل:1]، {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين}[القصص:2]، {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) القصص، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون}[العنكبوت:45]
فالإنسان مأمور بأن يؤمن بالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ الله عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا}[النساء:136] {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم}[لقمان:2]، {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِين}[السجدة:2]، {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِير}[فاطر:31] {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [ص:29]، {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين}[الزمر:2]، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد} [الزمر:23]، {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيل} [الزمر:41]، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الشورى:52]، {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قرءانا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)} الزخرف، {قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم} [الأحقاف:30]   
وما أُوحي إليه هو ما يجب أن يتلوه عليهم:
{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ }الرعد30، {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}آل عمران44، {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}النساء163، {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقرءان لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }الأنعام19، {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ }الأنعام106، {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام145، {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ }يونس2، {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ }هود49، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقرءان وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ }يوسف3، {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ }يوسف102، {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل123، {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}الإسراء73، {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً }الإسراء86، {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً }الكهف27، {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقرءان مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً }طه114، {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ }الأنبياء45، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت45، {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} سبأ50، {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} فاطر31، {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الشورى3، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قرءاناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ }الشورى7، {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ }الشورى13، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الشورى52، {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الزخرف43، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }النجم4.
فالوحي بالمعني الاصطلاحي المُلزم هو القرءان الذي يتلى، فلا يجوز أن يقارن به غيره، ولقد استعمل القرءان أيضا مفردة الوحي بمعناها اللغوي العام، وهو يتضمن الإلهام، وفطر الكائن (برمجته) على السلوك بما يتفق مع مصلحته وبقائه وبقاء نوعه.
وثمة آيات تنص على أن الله أنزل على رسوله الكتاب والحكمة، وأنه كان من مهام الرسول أن يعلم قومه الكتاب والحكمة، قال تعالى:
{.....ٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:113]، {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُون} [البقرة:151] {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين} [آل عمران:164]، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين} [الجمعة:2]، {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}[البقرة:231].
فالرسول قد أتى قومه بالحكمة كما فعل عيسى من قبل: {وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون} [الزخرف:63]
والحكمة هي أساسا وأصلا سمة إلهية، ولله تعالى منظومة أسماء تشير إلى تلك السمة الجليلة، ومنظومة أسماء الحكمة تتضمن الأسماء: الحكيم العليم، الحكيم الخبير، الحكيم الحميد، العزيز الحكيم، العلي الحكيم، العليم الحكيم، العلي الحكيم، التواب الحكيم، الواسع الحكيم، الحكيم (أحكم الحاكمين، خير الحاكمين).
والحكمة سمة يتسم بها كتابه العزيز، قال تعالى:
قال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم} [يونس:1]، {وَالْقرءان الْحَكِيم} [يس:2]، {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيم} [آل عمران:58]
فهو الذي يتضمن الحكمة الواجب تعلمها، وأظهر صورها هو مقتضياتها من الأفعال والأقوال والسلوكيات، وهناك آيات في سورتي الإسراء ولقمان تنص على هذه الحكمة بطريقة مكثفة، ولقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مجسدا لهذه الحكمة بأقواله وأفعاله، فلقد آتاه الله الحكمة، وقد آتاها الأنبياء من قبله، ونصَّ القرءان على بعض أسماء من أوتي الحكمة، قال تعالى:
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} [النساء:54]، {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين} [البقرة:251]، {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب} [ص:20].
وآتاها المسيح، قال تعالى:
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل} [آل عمران:48]،
وآلَ إِبْرَاهِيمَ في الآية:
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} [النساء:54].
ولقمان في الآية:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد} [لقمان:12]
ويوسف:
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين} [يوسف:22]،
وَلُوطًا:
{وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِين} [الأنبياء:74]
وسليمان:
{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِين} [الأنبياء:79]
وموسى:
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين} [القصص:14].
ولقد نص القرءان على أن الله يؤتي الحكمة من يشاء من عباده، فهو لم يقصرها على نبيٍّ أو شخص أو شعب معين، قال تعالى:
{يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَاب} [البقرة:269]
فالله تعالى يُؤتِي الإنسان الْحِكْمَةَ وفق نسق من السنن لا تبديل لها ولا تحويل.
ولكل ذلك لا يوجد أي دليل ولا أي مبرر للزعم بأن الحكمة هي ما اصطلحوا على أنه السنة؛ أي المرويات الظنية والآثار، وهذا الزعم هو محض هراء، وهو يتضمن مخالفات للقرءان واللغة والدين والمنطق.
بل إن من معايير تمحيص الآثار المنسوبة إلى الرسول والتأكد من مصداقيتها النظر في مدى اتساقها مع الحكمة القرءانية، وقيامهم بنسبة أثرٍ ما إلى الرسول هو ادعاء خطير يجب أن يأتوا عليه ببرهان قاطع وسلطانٍ مبين، ومن المعلوم أن المعايير التي أحدثوها واستعملوها في تمحيص المرويات هي معايير متهافتة مذهبية غير موضوعية، فالإسلام هو الدين الإلهي وكلمة الله التامة إلى الناس كافة، ولا يمكن إقحام أي أمور عليه أو الإحداث بمثل هذه السهولة والسبهللة واللامسؤولية التي اتبعها السلف المقدس.


*******

الأحد، 7 فبراير 2016

سبل تزكية الملكات الذهنية

سبل تزكية الملكات الذهنية

ولترقية الملكات الذهنية فإن الكتاب العزيز سنَّ للناس كثيرا من السبل:
1-            تضمنت آيات كثيرة أوامر قوية باستعمال كافة الملكات الذهنية وحثت على استعمالها، ولكثرتها وقوتها كان الأمر باستعمال الملكات الذهنية من أوامر القرءان الكبرى وأركانه العظمى.
2-            جعل استخدام الملكات وسيلة السعادة والنجاة والمقصد من إنزال الكتاب وتفصيل الآيات الكتابية والكونية، وجعل عدم استخدامها وسيلة للتردي إلى ما دون مرتبة الأنعام وإلى دخول الجحيم.
3-            جعل العلم وسيله للرقى والفوز بالدرجات العلى.
4-            جعل النجاة معلقة بالإيمان الاختياري وجعل انتفاع الناس لا يكون إلا بعمل أقبلوا عليه بمحض اختيارهم، كما أعلن أنهم غير مؤاخذين بما أكرهوا عليه، ولذلك قرر بكل وضوح أن وظيفة الرسل هي البلاغ وليس إكراه الناس علي الإيمان مؤكداً بذلك مبدأ حرية العقيدة، قال تعالي: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ(99)} (المائدة)، {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ(35)} (الأنعام)، {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(41) (يونس) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ(42)وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ(43)} (يونس)، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ(100)} (يونس)، {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ(108)} (يونس)، {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ(82)} (النحل)، {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)} (البقرة)، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(8)}، {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)} (الكافرون).
5-            ندد باتِّباع الآباء لمجرد أنهم آباء، وأمر بعدم اتباع أولياء من دونه، وأمر الناس بألا يقبلوا أمرا إلا ببرهان مبين، وحذَّر من اتباع الأمور غير الموضوعية مثل الظن والهوى والتقاليد  وأماني النفس وخطوات الشيطان ووحيه، قال تعالي: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ(116)} (الأنعام)، {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا} (يونس:36)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم}ٌ  (الحجرات:12)، {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا(28)} (النجم:28)، {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ(18)} (الجاثية: 18)، {وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(120)} (البقرة:120)، {وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ(145)} (البقرة)، {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُس}ُ (النجم:23)، {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ} (المائدة:48)، {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ }َ (المائدة:49)، {وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ(37)} (الرعد)، {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَـوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (المؤمنون: 71)}، {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)} (القصص)، {بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(29)} (الروم)، {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (الشوري: 15)، {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(14)} (محمد)، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(16)} (محمد)، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111)} (البقرة)، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا(174)} (النساء)، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(64)} (النمل)، {وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(75)} (القصص)، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(168)} (البقرة)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208)} (البقرة)، {وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا(38)} (النساء)، {وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا(119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا(120)} (النساء)، {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(142)} (الأنعام)، {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} (الأعراف: 20)، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ(175)} (الأعراف)، {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقرءان فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)} (النحل)، يَاأَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـنِ عَصِيًّا(44) (مريم)، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر}ِ (النور: 21)، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(21)} (لقمان)، {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ(6)} (فاطر)، {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(36)} (فصلت)، {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ(25)} (محمد)، {إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(30)} (الأعراف)، {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97)} (المؤمنون).
6-            أعلن بكل صراحة ووضوح أن الأمور تجرى وفق سنن لا تبديل لها ولا تحويل وأن تلك السنن قابلة لأن تفقه وتدرك وتعقل، كما أعلن أن لكل أمر مرجعه وغايته وحكمته وأن كل ذلك قابل للإدراك بإعمال الملكات القلبية.
7-            حثَّ على طلب اليقين وعدم الاكتفاء بالظن والتعلل بالأماني.
8-            استخدم الأساليب العقلية والحجج المنطقية والبراهين العلمية والبينات المادية والحسية لإثبات مدلولات الآيات القرءانية، بل لقد جعل القرءان برهاناً من لدنه، فهو يحمل في نفسه دليل صدقه، قال تعالي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا(174) (النساء).
9-            أكدَّ على أن الله ما خلق شيئا إلا بالحق وأنه ليس ثمة لعب أو لهو أو عبث في أمرٍ أو فعلٍ صدر عنه، فكل أمور الكون أمور حقية لا باطل ولا عبث فيها.
10-       ندد بكل التصرفات غير السوية وغير الموضوعية، وكذلك ندد بمن يغلبون الأهواء والأمور الذاتية والشخصية مثل المنافقين والأعراب، كما ندد بردود الأفعال المبالغ فيها من فرح بالأمور الدنيوية وفخر بها وكذلك ندد باليأس والقنوط.
11-       أوضح سبل البحث السليم في الأمور وهو النظر رأسا في الأمر الواجب العلم به، وهذا هو النظر والمشاهدة ثم السعي لاكتشافه والتعرف عليه بالمعالجة المباشرة (التجربة والاختبار) وكذلك بالسير فى الأرض، ويصاحب ذلك استخدام الملكات القلبية من تفكر وتدبر وفقه، ويتضمن ذلك النهى عن السبل غير العلمية وغير الموضوعية كالتشبث بما قاله الآباء عن الأمر الذي هو محل الدراسة أو تقليد الغير في معرفتهم به دون برهان مبين أو اتباع الأهواء والظنون.

*****

الجمعة، 5 فبراير 2016

مصطلح الرسل

مصطلح الرسل



إن مصطلح "الرسل" في القرءان له معانٍ عديدة:
1-   الرسل بالمعنى اللغوي العام، فهم من يحمل رسالة من كائن إلى آخر، ومنهم ملائكة وبشر، والبشر منهم حكمهم كحكم سائر البشر.
2-   الرسل من الملائكة، قد يُرسلون إلى الرسل من البشر أو غيرهم، وقد يتلقون رسائل تكوينية تدبيرية وليس تشريعية.
3-   الرسل الأنبياء، وهم الرسل بالأصالة وبالمعنى الاصطلاحي، وهم يتلقون الوحي الرسمي الملزم للناس، وهم من أرسلوا برسائل خاصة إلى أقوامهم مثل محمد ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام، وينفرد خاتم النبيين من بينهم بحمله رسالة خاصة إلى قومه ورسالة عامة إلى الناس كافة، فالرسل بصفة عامة هم الذين يبعثون برسالات جديدة إلى أقوامهم، وهؤلاء لابد من انتصارهم ونجاتهم هم ومن اتبعهم من المؤمنين، ولابد من هلاك من لم يؤمن من أقوامهم! قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}غافر51، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}الروم47، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ{171} إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ{172} وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ{173}الصافات، ولقد كان إهلاك الكفار يتم عادة بآية كونية، قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ{4} فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ{5} وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ{6} سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ{7} الحاقة.
4-   الأنبياء وهم يتلقون الوحي الرسمي الحقاني أيضا،  وكل رسول ممن ورد في البند الثالث هو نبي، ومنهم المصدقون لرسالة الرسول النبي السابق، ولم يُرسلوا برسالة جديدة، مثل كل أنبياء بني إسرائيل، فكلهم مصدقون برسالة موسى، وهؤلاء قد يُرسل بعضهم إذا اقتضت الضرورة لأداء مهمة خاصة (مثل هارون عليه السلام) أو لتجديد بعض الشرع السابق أو لتخفيف بعض الأحكام ونسخ ما ألقى الشيطان في الرسالة، وكان ذلك قبل ختم النبوة، وهؤلاء هم الأنبياء المرسلون وهم غير الرسل الأنبياء، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الحج52، والأنبياء المرسلون قد يقتلهم أقوامهم، وهم الذين وردت فيهم الآيات: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }البقرة91، وخاتم أنبياء بني إسرائيل هو المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.

وبختم النبوة تم ختم المرتبتين الثالثة والرابعة، فلن يظهر نبي ولا رسول نبي للناس ظهورا عاما إلا في يوم الدين!
ومن لم يسلم (يذعن) من قوم النبي الخاتم تصدى لرسالته وحال بينه وبين الدعوة إلى ربه فقد هلك بالسيف، ولكنه قد أسلم له كل قومه في النهاية كما هو معلوم، ومن المعلوم أن أكثر قومه لم يؤمنوا، قال تعالى:
{يس (1) وَالْقرءان الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)} يس، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} يوسف.
فلكونه رحمة للعالمين قبل منهم الإسلام الشكلي عسى أن ينشأ أبناؤهم مؤمنين من بعد.
وكذلك آمن قوم يونس فنجوا، وكانوا استثناءً لم يتكرر في الزمن القديم كما ذكر القرءان، قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ }يونس98، فقوم يونس هم الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها.
وهذا يؤكد هلاك كل من لم يؤمن من أقوام الرسل الآخرين حتى ولو لم يقصص القرءان ذلك، أما لوط فقد أرسل إلى قوم لوط برسالة خاصة مستقلا عن إبراهيم، فمن لم يؤمن به هلك كما هو معلوم، أما موسى فقد هلك من لم يؤمن به، وهم قوم فرعون (أسرة فرعون وجيشها الخاص) وقارون، وقد كان رسولا إليهم، أما عيسى عليه السلام فهو من الأنبياء المرسلين، فهو لم يُرسل بشريعة خاصة إلى قومٍ كافرين وإنما إلى قوم مؤمنين بشريعة موسى عليه السلام، فهو مجدد لهذه الشريعة ومخفف لبعض أحكامها ومصدق بكتابها، قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }المائدة46، {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ }آل عمران50.
وهو لم يُرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل، ولم يُرسل إلى قوم كافرين، وقد كان خاتم أنبياء بني إسرائيل، ومن المعلوم أنه حتى من لم يؤمن به فحكمه هو حكم سائر أهل الكتاب، أما إبراهيم عليه السلام فقد التهمت النيران من حاول قذفه فيها، وكما قلنا إن كون القرءان لم يقصص على الناس مصيرهم لا يعني أنهم لم يهلكوا، وقصة إبراهيم الحقيقية ليست كما ذكر العهد القديم، وهو لم يأت من أور بالعراق كما يزعمون، ولما كان الله تعالى يريد له أن يؤدي دورا هاماً في التاريخ فقد نجاه وأمره بالهجرة إلى الأرض المباركة بأسرته، حيث لم يؤمن به أحد من قومه.

فهناك رسل بالأصالة، أُرسلوا إلى أقوامهم برسالة جديدة لهم، ما أتاهم من نذير قبلها، وهؤلاء لابد من انتصارهم وهلاك من كفر بهم وتصدَّى لهم من قومهم، وهناك أنبياء أرسلوا لتجديد رسالة قائمة مثل أنبياء بني إسرائيل، وهؤلاء قد يُقتلون، وهذا ما تتحدث عنه الآية: {....أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87، فلا اختلاف ولا تناقض في القرءان، وهناك أيضاً رسل بالمعنى العام، ومنهم الملائكة.

*******