الثلاثاء، 18 أبريل 2017

العلاقة مع أهل الكتاب طبقا لدين الحق

العلاقة مع أهل الكتاب طبقا لدين الحق
أسس العلاقة:
1.        لأهل الكتاب كافة حقوقهم الإنسانية؛ فكل إنسان لمجرد كونه إنسانا خليفة وحامل للأمانة ومكرم ومفضل عند الله، وهذا يجب أن يُترجم إلى نصوص دستورية وقوانين في الدولة الحديثة.
2.        لأهل الكتاب حقوقهم الخاصة كأهل كتاب.
3.        من أهم الحقوق حرية الإيمان فلا إكراه في الدين، ولا يجوز المساس بحقهم في أداء شعائرهم وفي تطبيق شرائعهم الخاصة عليهم وفي حقهم في إقامة دور عبادة خاصة بهم، وهذا يجب أن يُترجم إلى نصوص دستورية وقوانين في الدولة الحديثة.
4.        المسلم مأمور بالدعوة إلى سبيل الله بالوسائل السلمية الراقية، وما هو مطلوب في حالة رفض الدعوة هو مجرد إشهادهم بأنَّا مسلمون.
5.        لا يعني ذلك إقرارهم على عقائدهم الباطلة لأي سبب من الأسباب، ومن المعلوم أنهم يكفرون بخاتم النبيين وبالقرءان وبدين الحق، فلا يجوز لأحد أن يتبرع بإنكار ذلك، ووصف الناس بالكفر في بعض المسائل لا حرج فيه ولا منه، وأكثر المحسوبين على الإسلام يكفرون بالكثير من آيات القرءان، ويعيشون بمقتضى ذلك، فكل صاحب دين أو مذهب يعتبر الآخرين كفارا ويؤمن بأن مصيرهم جهنم أو عالم البكاء وصرير الأسنان وأنهم الفرقة الهالكة، فالإقرار بذلك من أسس التعايش السلمي بين الناس، وقد أعلن الله تعالى في القرءان أن الفصل في الاختلافات الدينية مرجأ إلى يوم القيامة.
7.        الكفر الذي يجب التصدي له هو الذي يترتب عليه الحرمان من الحقوق والعدوان على الناس واضطهادهم، ومن أهم الحقوق حرية العقيدة، فلا يجوز لأحد أن يكره الناس على تغيير دينهم أو مذهبهم.
8.        لا يجوز للمسلم أن يترك القيام بشيء من دينه لكي يرضى عنه أهل الكتاب أو لأي سبب آخر.
9.        المسلم مأمور في القرءان بالنظر في عواقب من سبق وهذا الأمر أقوى من الأمر بالصيام أو الحج، وهو مأمور بتدبر القرءان، وله أن يعلن على الناس نتائج أبحاثه، فليس لأحد أن يمنعه، والمؤرخون الماديون والملحدون ينشرون نتائج أبحاثهم عن الأديان في الغرب وفي كل الدول المتقدمة بلا حرج.
10.    دين الحق يوجب التعايش السلمي مع أهل الكتاب، فهو يأمر ببرهم والإقساط إليهم، ويسمح بالأكل من طعامهم والزواج منهم والتعاون في الخير، وكل هذا من مظاهر التعايش السلمي الواجب، التعايش السلمي البناء المثمر هو الحالة الطبيعية بين الناس، أما القتال فهو أمر استثنائي، وهو لا يكون لإكراه طائفة على اعتناق الإسلام، ولا لإلزامها بدفع جزية والخضوع لأحكام الصغار، ولكن يكون دفاعًا عن الدين والأهل والديار والأموال وعن أهل الكتاب الذين يتعايشون مع الأمة.  

*******

الأحد، 16 أبريل 2017

من أسس وسمات دين الحق 1

من أسس وسمات دين الحق 1

1.    القرءان هو الحق، هو مجمع من البديهيات والبينات والمسلمات Axioms, evidence and postulates، لذلك نحن إذا قرئ علينا نسجد، لا نحاكمه، ولكن نحاكم إليه كل شيء.
2.    القرءان كتاب متسق متشابه، لا اختلاف فيه، فلا وجود فيه لآيات بطل حكمها.
3.    القرءان يورد القول في المسألة الواحدة موزعًا على سوره وآياته، وكلها متسقة، ولها المصداقية الكاملة، فلا يجوز استبعاد شيء منها أو محاولة ضربها ببعضها، القرءان مبين ومبيِّن، فهو يبيِّن نفسه بنفسه، لذلك لابد من منهج قرءاني لاستخلاص القول القرءاني في أية مسألة.
4.    القرءان تبيان لكل شيء، فما لم يذكره بالنصّ أو بالفحوى أو بالمقتضى، ليس بشيء، وكذلك ليس بشيء ما لم يمكن استخلاصه باتباع المنهج القرءاني.
5.    المسلم مأمور باتباع ملة إبراهيم، وكلها منصوص عليها في القرءان، أما الجوانب العملية الخاصة بإقامة الصلاة والحج والصيام وما يتعلق بالطهارة ... الخ فقد انتقلت بالتواتر العملي الجماهيري.
6.    لا يؤخذ من المرويات المنسوبة إلى الرسول إلا ما كان متسقًا اتساقًا تامًا مع عناصر دين الحق المستخلصة من القرءان.
7.    لا يجوز رفض أي قولٍ منسوب إلى الرسول إلا إذا ثبت تعارضه الصارخ مع أصلٍ قرءاني.
مثال1:
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:107]
فلهذه الآية الحكم على كل المصادر الثانوية، الرسول ورسالته رحمة للعالمين، وليس نقمة على العالمين، فيجب رفض كل المرويات الأعرابية الأموية التي لا تتسق مع هذه الآية، ومن المعلوم أنه كان لأهل البغي المعبودين الآن كل المصلحة في تحريف الرسالة لتثبيت ملكهم والقضاء على خصومهم والاستيلاء على بلاد مَن حولهم، فجعلوا -وما يزالون- رسالة الرحمة نقمة على العالمين.
وفي كل الأحوال لا علاقة للأمور التاريخية بالحقائق القرءانية الراسخة، فيمكن تعلم الدين وممارسته بدون النظر في الأمور التاريخية إلا إذا كان القرءان قد نصّ عليها، فيجب اعتبارها.
مثال2:
قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم:4]
فهذه شهادة إلهية في حق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ولها الحكم والقضاء على كل المصادر الثانوية، والأخلاق العظيمة هي مقتضيات الأسماء الحسنى في الكيان الإنساني، وقد يكون منصوصا عليها صراحة في القرءان أو بأن يثني الله تعالى على المتصفين بها أو يبشره بالجنة.
لذلك يجب رفض ما نسبه أهل البغي والظالمون إلى الرسول مما لا يتفق مع هذه الشهادة الإلهية الصادقة، ومن المعلوم أن أهل البغي والمنافقين الذين تسلطوا على أمر الأمة قد تفننوا في نسبة مساوئ الأخلاق إلى الرسول، ولكن المشكلة هي أن أهل البغي هؤلاء قد أصبحوا أربابًا في الدين الأعرابي الأموي بحجة أنهم كانوا (صحابة) الرسول، هذا رغم أنهم هم الذي بددوا أقواله وقضوا على أمته وكادوا يبيدون ذريته ويقوضون رسالته لولا تعهد الله تعالى بحفظ الذِّكْر للناس.

*******

الخميس، 13 أبريل 2017

من الآيات المظلومة

من الآيات المظلومة
إنه من الحيل الشيطانية المعلومة والفعالة استعمال آية من القرءان لضرب القرءان وتقويض أوامره والقضاء على منهجه وتمييع الفوارق بين دين الحق وبين غيره من المذاهب والأديان بما فيها ما حلَّ محله من الأديان، وذلك في سياق إعداد دين بديل عن دين الحق، ومن هذه الآيات:
1.         {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة:106]
2.         {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون} [البقرة:134]
3.         {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [التوبة:5]
4.         {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون} [التوبة:29]
5.         {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم}[الحج:52]
6.         {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [الحشر:7]
7.         {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}[النساء:59]
8.         {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء:115]
9.         {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم:3]
10.     {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة:62]، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [المائدة:69]
11.     {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم} [الزخرف:61]
12.     {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِين}[آل عمران:46]
13.     {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون} [آل عمران:55]
وعلى سبيل المثال: المسلم مأمور أمرا مشددا بالنظر في عواقب من خلوا، وليس بالإعراض عنهم، وجزء كبير من القرءان مُكرَّس لذكر من خلا من الأمم وعواقبهم، ومع ذلك دأب الناس على استعمال آية من القرءان لضرب القرءان وإبطال أوامره، وهذه من الحيل الشيطانية المعلومة والفعالة، هذه الآية هي: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون} [البقرة:134]
إنه يوجد في القرءان أمر متكرر بالسير في الأرض وحثٌّ على ذلك، وقد ورد الأمر بالسير في الأرض للبحث والنظر أكثر بكثير من الأمر بالصيام أو بالحج، فهو بذلك أمر قرءاني مشدد وركن فرعي من أركان الدين يجب العمل بمقتضاه بقدر الاستطاعة، قال تعالى:
{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِين}[آل عمران:137]، {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين}[الأنعام:11]، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُون}[يوسف:109]، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين}[النحل:36]، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور}[الحج:46]، {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِين}[النمل:69]، {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}[العنكبوت:20]، {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون}[الروم:9]، {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِين}[الروم:42]، {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}[فاطر:44]، {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاق}[غافر:21]، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُون}[غافر:82]، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}[محمد:10].
ولكل ذلك يجب دراسة هذا التاريخ جيدا، وليس التغاضي عنه، عملا بالأوامر المشددة، كما يجب حسم أمره بعيدا عن مقولات المذاهب، وهذا ما قمنا به، ونشرنا نتائجه في كتبنا، وننشر مقتطفات منه في المواقع الإلكترونية.
*******

الاثنين، 10 أبريل 2017

الأمة والدولة والخلافة ج4

الأمة والدولة والخلافة ج4
الدولة
من الناحية اللغوية فالدَّوْلةُ والدُّولةُ هي العُقْبة في المال والحَرْب، فالدَّوْلة في الحرب أَن تُدال إِحدى الفئتين على الأُخرى، يقال: كانت لنا عليهم الدَّوْلة، والجمع الدُّوَلُ، والدُّولة، بالضم، في المال؛ يقال: صار الفيء دُولة بينهم يَتَداوَلونه مَرَّة لهذا ومرة لهذا.
وفي مقاييس اللغة: الدال والواو واللام أصلان: أحدُهما يدلُّ على تحوُّل شيءٍ من مكان إلى مكان، والآخر يدلُّ على ضَعْفٍ واستِرخاء.
أمَّا الأوَّل (وهو ما يلزم هنا) فقال أهل اللغة: انْدَالَ القومُ، إذا تحوَّلوا من مكان إلى مكان، ومن هذا الباب تداوَلَ القومُ الشّيءَ بينَهم: إذا صار من بعضهم إلى بعض، والدَّولة والدُّولة لغتان.
ويقال بل الدُّولة في المال والدَّولة في الحرب، وإِنَّما سُمِّيا بذلك من قياس الباب؛ لأنّه أمرٌ يتداوَلُونه، فيتحوَّل من هذا إلى ذاك، ومن ذاك إلى هذا.
أما الدولة بالمفهوم المعاصر فهي تجمع سياسي يؤسس كيانا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة، وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم، هذا فضلا عن جيش للدفاع عن هذا الكيان، وكل ذلك بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة، بما يكسبها الشخصية القانونية الدولية، ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة لاسيما الخارجية منها، فالدولة تتضمن الأرض والشعب والحكومة والسيادة.
والناس يخلطون عن جهل أو عمد مفهوم الدولة بمفهوم الخلافة بمفهوم الأمة، ولم تعرف الشعوب المحسوبة على الإسلام أبدا مفهوم الدولة بالمعنى المعاصر إلا أيام محمد علي الذي أسس دولة حقيقية في مصر، وكلمة دولة ومشتقاتها مستعملة في القرءان بمعناها في اللسان العربي، فلم يكسبها أي معنى اصطلاحي، قال تعالى:
{مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [الحشر:7]، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين} [آل عمران:140]
وهي لم ترد في البخاري كتاب أهل (السنة) الأقدس إلا كتفسير لمسمى دائرة!! 
والدولة في التراث الإسلامي تعني التغير والتحول والتداول، وفي الفكر الغربي تعني الثبات والديمومة، فالشعوب المحسوبة على الإسلام لم تعرف هذا الكيان السياسي المسمَّى بالدولة بالمعنى المعاصر وإنما عرفوا مفهوم العائلة الحاكمة Dynasty، وكانوا يضيفون لقب الدولة إلى اسم الأسرة باعتبار أنها هي التي دال إليها الأمر، أو كانت لها الدولة على غيرها من الأسر المنافسة، أما الخاضعون لتلك الدولة فلم يكونوا شعبا بالمعنى الحديث وإنما كانوا أشياء مقهورة بالسيف لا حق لهم عند من قهرهم بسيفه، وليس لهم إلا أن يخضعوا تماما له، وقد تمَّ صياغة الأمر في عبارات مقدسة في المذهب (السني): "من قهرك بسيفه وجبت عليك طاعته، أطع الحاكم وإن جلد ظهرك ونهب مالك"، وكان أبشع أنواع القتل والمثلة في انتظار أي خارج على المتسلط المسمى بالخليفة أو السلطان.
ولقد ظهرت مذاهب عديدة لتحل محلّ الإسلام وتصد الناس عن سبيله، وكان انتشار المذهب (السني) وتغلبه هو بسبب أنه الأنسب للسلطة الغشيمة المتحكمة وليس لقوة منطقه أو حججه، وكان جعل الخضوع للمتسلط أمرا دينيا ملزما معناه القضاء على أية إمكانية للتطور السياسي لهؤلاء الخاضعين الخانعين، وكان تحويل النظام الإجرامي الدموي الاستبدادي المسمَّى بالخلافة إلى نظام مقدس أثره الكارثي على هذه الأمة وعلى البشرية جمعاء، وسيظل النظر إلى هذا النظام كمثل أعلى وكأملٍ عزيز مصدر إلهام لشياطين الإنس والجن يدمرون به المسلمين قبل غيرهم ويسعون به في الأرض فسادا ويوقدون به نيران الحروب.
ومن المعلوم أن الرسول أسس أمة، ولم يؤسس دولة بأي معنى قديم أو معاصر، أما الذي حدث من بعده في السقيفة فيًسأل عنه من تورط فيه، وعمر بن الخطاب قال عنه: "إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا"!! وهذا إقرار صريح بأن أية محاولة للزعم بأن الرسول استخلف أبا بكر بالتصريح أو بالتلميح هي باطلة.
وأبو بكر لم يحتج في السقيفة على الناس بآيات من القرءان الكريم ولا بأقوال الرسول وإنما احتج عليهم بالقول "ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا"، فهل عرف العرب بالفعل هذا الأمر لهذا الحي من قريش؟ الذي حدث أنهم لم يعترفوا به، بل إنهم تمردوا كلهم ضده باستثناء مكة والطائف والبحرين، وترتب عليه أن تأججت نيران حروب دموية طاحنة هلك فيها الآلاف من المسلمين، وكاد يُستأصل فيها حفظة القرءان الكريم ومن كانوا أشد الناس صحبة للرسول، هذا هو ما حدث بالفعل، ولكن لا يستطيع أحد أن يحدد بيقين عواقب أي اختيار آخر!
وقول أبي بكر كان من الممكن تفنيده بعدة طرق، فإذا كانت القرابة من الرسول هي مصدر السيادة والشرعية يكون الأولى بها بنو هاشم، ولكن القرءان يقرر أن الأفضلية والأكرمية بالتقوى والعمل الصالح وأن الأمر يجب أن يكون شورى بين أولي الأمر، فكان يمكن عمل هيئة من أولي الأمر يمثلون كافة بطون قريش والأنصار وقبائل العرب الكبرى، ولم يكن يجوز ردّ مثل هذا المطلب الشرعي بقول مثل ما قال عمر: "هيهات أن يجتمع سيفان في غمد واحد"، فهذا القول ليس بآية قرءانية لُيحتج به، كما أن هذا الأمر لم يكن غريبا على البشرية، فقد كان يقود أثينا في ذروة أمجادها مجموعة، وكانت روما في ذروة أمجادها جمهورية، كان يرأس حكومة الجمهورية الرومانية قنصلان يُنتَخبان سنويًا باقتراع عامٍ يُشارك فيه جميع المواطنين، ويأخذان بمشورة مجلس الشيوخ الذي يتألَّف من مسؤولين ينتخبهم الشعب أيضا، فالقيادة الجماعية هي التي نقلت روما من مدينة صغيرة إلى إمبراطورية كبرى استمرت لقرون عديدة، والإسلام جاء ليرقى بالبشر، وليس ليؤصل الاستبداد، وهو يتحدث عن أولي الأمر كمجموعة وليس كفرد واحد ويجعل الشورى هي آلية اختيار القرار الأمثل فيما بينهم.
ولكن الذي حدث هو تأسيس دولة قرشية بالمعنى القديم للدولة، أي أصبحت الدولة والغلبة لقريش على غيرهم؛ أي كان لقريش على العرب الدولة، ولم تمد قريش حجتها إلى غايتها، بل توقفت فقط عند قريش كقبيلة مع الإصرار على استبعاد أقارب النبي حتى يظل الأمر دولة بين بطون قريش، ولكن الذي حدث تدبير أكابر القرشيين انقلب عليهم، وكانت الدولة للأمويين؛ أشد بطون قريش دهاءً ومكرا ومكيافيلية ونفاقا وتحللا من مثل الإسلام وقيمه، وهذا كان أمرا طبيعيا ونتيجة متوقعة، وتم القضاء على كل قرشي حاول منافسة الأمويين، ولم يبق منهم إلا من قبل أن يكون طوع أمرهم أو من كان طامعا في شيء من أموالهم التي نهبوها من الناس.
فما سُمِّي بحروب الردة كان في الحقيقة حروبا ضد رفض العرب والأعراب الخضوع لسلطة مركزية واحدة وإلى شخص واحد، ولم يتم إقناع العرب والأعراب بالرضوخ لقريش إلا باللغة التي كانوا يفقهونها ويقرونها بل ويقدسونها؛ لغة القوة، وهذا الأمر هو ما يلزم أي قطيع بدائي، بل هو ما يلزم أي قطيع بصفة عامة كما هو معلوم، وذلك لازم من أجل البقاء والتطور.
وبانتصار قريش صارت لهم الدولة بالمعنى اللغوي المشار إليه، وعندما انتصر المسلمون بقيادة خالد بن الوليد على الفرس ووصلت الغنائم الهائلة المذهلة إلى المدينة جمع أبو بكر القرشيين وقال لهم: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، عَدَا أَسَدُكُمْ عَلَى الأَسَدِ فَغَلَبَهُ عَلَى خَرَاذِيلِهِ، أَعَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يُنْشِئُوا مِثْلَ خَالِدٍ " فأرجع سبب النصر إلى مهارة واقتدار "أم خالد" القرشية في إنشائه!!!
وقد صار الأمر كما أرادت قريش، وسنَّ عمر بن الخطاب سنة توزيع الأموال طبقا للأسبقية في دخول الإسلام فتكدست ثروات العالم القديم التي تمَّ نهبها في بيوت أكابر القرشيين، وعندما أدرك خطورة ما حدث أزمع على إعادة توزيع الثروة فتم اغتياله في مؤامرة لم تنكشف كل خيوطها إلى الآن.
وهذا بعض ما قيل عن ثروات بعض أهل القرن الأول:
عثمان بن عفان: كان له يوم مقتله ثلاثون مليون درهم وخمسمائة ألف درهم ومائة ألف دينار، بالإضافة إلى ما قيمته مائتا ألف دينار من الاصول.
الزبير ابن العوام: كان لديه 35 مليون درهم ومائتا ألف دينار، ويقال 51 مليون درهم او 52 مليون درهم، بالإضافة إلى مساكن وعقارات وخطط في الفسطاط والاسكندرية والبصرة والكوفة، كما ترك غابة او بستانا هائلا.
عبد الرحمن بن عوف: ترك ذهبا كانوا يقطعونه بالفؤوس حتى محلت أيدي الرجال منه.
طلحة بن عبيد الله: كان إيراده من أرضه في العراق ألف درهم يوميا أو ما بين 400 الي 500 ألف درهم سنويا في رواية اخري، وترك بعد موته 2.2 مليون درهم ومائتي ألف دينار، وترك أصولا وعقارات بثلاثين مليون درهم، وترك مائة بهار مليئة بالذهب في كل بهار ثلاثة قناطير أو اثنين من الارادب، أي ترك 300 أردبا ذهبا أو 200 قنطار ذهبا، هذا ما جاء في طبقات ابن سعد والمسعودي؛ مروج الذهب.
عمرو بن العاص: ترك عند موته سبعين بهارا من الذهب، أي 210 قنطارا او 140 أردبا من الذهب، وأثناء احتضاره عرض هذه الاموال على أولاده فرفضوا وقالوا: حتى تعطي كل ذي حق حقه، فلما مات عمرو صادر معاوية هذا المال وقال "نحن نأخذه بما فيه" أي بما فيه من سحت وظلم، (خطط المقريزي).
ويذكر المسعودي في مروج الذهب أن زيد بن ثابت ترك من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس سوي الاموال والضياع، ومات يعلي بن امية وخلف خمسمائة ألف دينار وديونا على الناس وعقارات تبلغ 300 ألف دينار.
وبالطبع فإن ثروات الخلفاء الأمويين مثل معاوية والمروانيين كانت أكبر من ذلك بكثير، فقد كان بيت مال الأمة ملكا شخصيا للخليفة نفسه ينفق منه كيف يشاء.
فالثروات الهائلة التي ذكرتها المراجع التاريخية لبعض (الصحابة الأجلاء) من أهل القرن الأول تثبت أن ما تم نهبه من أموال وثروات الأمم المفتوحة قد تحول الي أطنان من الذهب لدى أفراد قلائل، ولا توجد أية مبالغات في الأرقام المذكورة في أمهات كتب التاريخ (الإسلامي)، وربما كانت أقل من الواقع بكثير، فقد كان منطقة الشرق الأوسط هي أغنى بقاع الأرض وأكثرها تقدما وأعرقها حضارة، ولقد تراكمت ثروات هائلة لدى إمبراطوريتي فارس والروم العريقتين، ولقد قيل إن سعد بن أبي وقاص وجد في خزائن كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار؛ أي ثلاثة آلاف مليار دينار (الدينار = 4.25 جرام من الذهب)، هذا فضلا عما لا حصر له من الجواهر والسجاد والأمتعة وما وجدوه في قصور الأمراء والنبلاء .... الخ، أما عن السبايا الفارسيات فلم يكن يحصيهن العدد، ولقد احتل العرب مساكن الناس وطردوهم منها!!! وتم توزيع أراضي العراق على كبار القرشيين بالأمر المباشر من عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان، فقد كان للخليفة أن يوزع الأراضي والإقطاعات على من يشاء وأن يحرم من يشاء دون خوفٍ من رقيب أو حسيب.
أما جباية العراق فقيل إنها كانت مائة مليون درهم (الدرهم = حوالي 3 جرام من الفضة)، ومصر قيل إنها كانت 14 مليون دينار ذهبي، كل ذلك كان يتم توزيعه على العرب والأعراب وفقا لتراتبية ثابتة؛ أسبقية اعتناق الإسلام، وبذلك تمَّ إفساد مَن مِن المفترض أنهم كانوا الأفضل والأعلم إلا قليلا ممن أنجى الله منهم!! ولم يكن ذلك بالطبع مقصودا.
أما ما استولوا عليه من النساء والأموال من بلاد الأمازيغ والأندلس فلا يمكن إحصاؤه!
من يعلم ذلك عليه أن يشكر لله أن وصل إلينا القرءان سليما رغم كل المحاولات للإضافة إليه أو للحذف منه! فقد كانت فتنة لم ينج منها إلا القليل الذي يكفي لحفظ القرءان بالكاد!
ويجب مع ذلك العلم بأن الصراع بين الدولة الإسلامية الوليدة من ناحية وبين إمبراطورية الفرس من ناحية أخرى كان صراعا مصيريا، ولم يكن من الممكن أبدًا تجنبه، وقد تمَّ وفق منطق العصور الوسطى، يجب دائمًا أخذ ذلك في الاعتبار.
وقد تسببت هذه الأموال والانحراف عن العدالة في التعامل معها في إشعال نار الفتنة بين أهل القرن الأول رغم ما كان بينهم من قرابة وزمالة جهاد، فانتهي بهم الأمر الي العداء والاقتتال، خاصة وأنه كان من بين أهل القرن الأول من رفضوا هذا المسلك وهذا التوزيع غير العادل للثروة وحاول إرجاع الأمر الي ما كان عليه في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وكان على رأسهم الإمام علي بن ابي طالب الذي عانى في خلافته الشاقة العسيرة التي استمرت حوالى 5 سنوات، وكانت تركته 700 درهم فقط ويقال 600 ويقال 250 درهما، وهذا هو الفارق بين لم تفتنه الدنيا أو تغره وبين من تنافسوها وقاتلوا دفاعا عما اكتنزوا من الاموال الحرام، وحقّ له أن يقول:
"إليك عنّي يا دنيا، غرِّي غيري، إليَّ تعرّضت أم إليَّ تشوّقت؟ هيهات هيهات! فإنّي قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك؛ فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير".
وبالطبع كان لنظام التراتبية الذي أحدثه عمر لتوزيع أموال الأمم المنهوبة وتشبث به عثمان وزاده فسادا الأثر الأكبر في ظهور طبقة كانزي الأموال في الأمة، وكان من الأسباب أيضًا عملية توزيع الأموال ذاتها، فهي مجرد تعميم للتقاليد الأعرابية القبلية، فهي ليست عملية خليقة بأمة تحمل رسالة إلى العالمين، وكان من الأولى بالطبع استعمال هذه الأموال لتقوية بنيان الأمة وتحصين مكة والمدينة، وكان من الممكن الاستعانة بخبرات الأمم المتحضرة لضمان حسن استثمار هذه الأموال بدلا من سياسة التوزيع الساذج على العرب والأعراب.
وكان ذلك من أسباب الفتن التي عصفت بالأمة وراح ضحيتها بعض أكابر السابقين الأولين وأدت إلى استيلاء أهل البغي والمنافقين على السلطة وقيامهم بالقضاء على خير أمة أُخرجت للناس وبمحاولة القضاء على الإسلام نفسه باجتثاثه من جذوره، ولكنهم فضلوا الإبقاء عليه مع تحويله إلى أيديولوجية للتوسع الإمبريالي الاستيطاني.
ولا يمكن أن يكون الإسلام مسؤولا عما حدث بالمخالفة عن أوامره، وكذلك لا يمكن تحويل المخالفين إلى أرباب معصومين، فالإسلام جاء ليضع المظالم والآصار والأغلال عن كاهل الناس وليس ليستبدل ظلما بظلم ولا ليوقد نيران الحراب ويمكن للمفسدين في الأرض أو يعمم الفساد على أوسع نطاق.
وكان يكفي تماما تحطيم قوة الفرس والروم ثم تحقيق العدالة الشاملة للشعوب التي تحررت من نيرهم، ولم يكن يجوز أبدًا نهب أموالهم وتوزيعها على فئة قليلة من الناس، كما لم يكن يجوز سبي نسائهم ولا تقسيم أراضيهم على الغزاة.
وجاء عثمان وحقق للقرشيين فوق ما تخيلوه، ولكن بدأ يتحقق أيضًا أسوأ ما تخيلوه وهو بدء استئثار الأمويين الفاسقين بالأمر بكل فجر وتبجح، غلبوا عثمان على أمره واستبدوا بالرأي من دونه وسعوا في الأرض فسادا، ولم ينل عامة العرب والأعراب -وكانوا هم مادة الحروب والغزوات- ما يظنون أنهم يستحقونه من الثروات الهائلة التي تدفقت على المدينة، لم ينل العرب والأعراب الذين استقروا في البلدان المفتوحة ما كانوا يتطلعون إليه، إذ كان همّ الولاة إرسال أكبر قدرٍ منه إلى الخليفة حتى لا يعزلهم مثلما فعل مع قادة الفتح الأصليين مثل عمرو بن العاص، أدرك أكابر القرشيين أن آمالهم في تولي السلطة من بعد عثمان ستتبدد، وهكذا أصبح المجال مهيأً تماما لثورة يشترك فيها القرشيون والأعراب ومسلمو البلدان المفتوحة، ولم يكن الأمويون مستعدين للتخلي عن أي شيء من مكاسبهم فدفعوا بعثمان إلى مصيره المحتوم ليتاجروا بقميصه من بعد.
وعندما قبل الإمام علي أن يتولى الأمر بناءً على إلحاح شديد من قادة الثورة كان من الطبيعي أن يثور ضده قادة الحزب القرشي، فقد كان هذا دائما أخشى ما كانوا يخشونه، فثرواتهم في هذه الحالة ستكون مهددة، هذا بالإضافة إلى إنهم كانوا يعتقدون أنه لو ذهب الأمر إلى بني هاشم فلن يخرج منهم، كانت هذه عقيدتهم المركزية Their core tenet، وكانوا على استعداد للقتال لمنع تحقيقها حتى آخر قطرة من دمائهم، ولكنهم لم يكونوا على دراية بكل أبعاد الأمر، وأنه لن يستفيد في النهاية من كافة جهودهم إلا خال المجرمين وإمام أهل البغي والداعين إلى النار القابع في دمشق.
أما الأنصار فقد كان مصيرهم أسوأ مما كان يخشاه الحباب بن المنذر عندما صرخ فيهم قائلا في السقيفة لما رأى تخاذلهم واختلاف أمرهم: "أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء"، وقوله لأبي بكر: "إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم"، والذي حدث أنه جاءهم من سامهم القتل وانتهاك الأعراض، وليس الضيم فقط!
أما قول أبي بكر لهم: "فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور" فقد علم الناس مصيره!
فلما آل الأمر إلى الأمويين أي كانت لهم الدَّوْلة على الآخرين نشأ نوع من السلطة المركزية جمع بين مساوئ الحكم البيزنطي وبين مساوئ جاهلية الأعراب، وبدأ تحريف الدين على نطاق واسع ليظل الحكم في الأمويين إلى الأبد، ولذلك ومِن ذلك كان المتسلطون يُلقبون بخلفاء الله وأمراء المؤمنين، قال الشاعر النصراني الأخطل مادحا عبد الملك بن مروان؛ أحد أكابر المجرمين والمفسدين في الأرض:
إلى امرئٍ لا تعدّينا نوافلهُ---أظفرهُ اللهُ، فليهنا لهُ الظفرُ
الخائضِ الغَمْرَ، والمَيْمونِ طائِرُهُ----خَليفَة ِ اللَّهِ يُسْتَسْقى بهِ المطَرُ
ولو قال "يُستمطَر به الحجر" لكان أصدق!
ولكن كل الناس كانوا يئنون تحت وطأة التسلط الأموي الغشيم، ولم تهدأ أبدا الثورات ضدهم رغم أن الأمويين حاولوا التخلص من الناس بقذف البلدان القاصية شرقا وغربا بهم، وفي النهاية تغلب عليهم العباسيون وأبادوهم، ولكنهم فيما يتعلق بنظام الحكم بدأوا من حيث انتهى الأمويون، وقد أضافوا إلى مقومات نظامهم ما أخذوه عن الفرس، ودخل في خدمتهم صنف من رجال اللادين أكملوا صياغة المذهب الذي بدأه رجال دين الأمويين، واصطبغت الدولة بصبغة ثيوقراطية.
وعندما تحول الخليفة إلى دمية بأيدي الجند المرتزقة واستقلت الأمصار صار مجرد رمز، أصبح الأمر أشبه بنظام عصبة الأمم، ولكنها الأمم المتنافرة المتناحرة، فكل متسلطٍ في بلدٍ ما كان يناصب كل ما يجاوره من دويلات العداء، وعندما كان أحد مؤسسي الأسر الحاكمة يموت كان أبناؤه وورثته يقتسمون الأراضي التي استولى عليها ثم ينخرطون فورا في صراع معقد ومرير مثلما حدث في الأسرة الأيوبية، وكان بعضهم يستعين على البعض الآخر بالصليبيين الذين ما استولوا هم على السلطة إلا بحجة محاربتهم!!! 
ولكن المشكلة هي فيمن صوَّر للناس أنه كان يوجد نظام ملائكي للحكم اسمه الخلافة، وأن إقامة هذا النظام تقتضي البدء بإبادة كل المسلمين الآخرين، وقد غرهم بعض الانتصارات العسكرية التي حققتها الأسر المتسلطة على الأمم الأخرى في فترات ضعفها، وهم يتجاهلون حقيقة أن كل هذه الأمم قد استيقظت واستطاعت أن تقتص لنفسها.
ومدرسو التاريخ في كل ديار همجستان يقصون على الصبية بكل فخر قصة الاعتداء الأموي السافر على إسبانيا وغيرها دون أن يقصوا عليهم الآثار البعيدة لهذا الاعتداء والتي لا يزالون هم يدفعون ثمنها باهظا!
وقد كان استيلاء عبد الله بن الزبير على السلطة في الحجاز من بعد انهيار دولة معاوية آخر محاولة قرشية لاسترداد السلطة من الأمويين، وقد حدث الانهيار بعد تخلي معاوية الثاني حفيد معاوية عن السلطة وإقراره بأخطاء وجرائم أبيه وجدِّه، وبانهيار الدولة الأموية الأولى التي أقامها معاوية ذهبت جهوده ليبقى الحكم في أسرته سدى، وأعلنت الأمصار استقلالها أو بايعت عبد الله بن الزبير، لم يبق للأمويين غير الشام فقط، بل كان الشام منقسما وكان يوجد فيه حزب موال لعبد الله بن الزبير.
بعد تخلي معاوية الثاني عن السلطة أُسقط في يد هيئة المنتفعين بالحكم الأموي، ولكنهم وجدوا ضالتهم في الوزغ الشهير مروان بن الحكم (طريد الرسول) الذي كان أهل المدينة قد أخرجوه هو وعائلته من المدينة، تم تعيينه خليفة، أفلح في ضم مصر إلى إمبراطوريته، وكان ذلك يعني عمليا أنه سيتغلب حتما على أعدائه.
كان ابن الزبير قد أرسل أخاه مصعب إلى العراق، ولو كان يفقه لتحالف مع ثوار العراق ضد الأمويين، اقترف هناك مجازر مروعة وغير مبررة ولا حاجة لها في شيء، أكسبته هذه المجازر عداء الناس، لذلك تخلوا عنه عندما هاجمه المروانيون.
تجسدت في ابن الزبير بحكم شخصيته مزايا ومساوئ القرشيين، كان كفرد هائل القوة، وكان شديد الولاء لقضية الحزب القرشي كارها بشدة لبني هاشم ويتمنى أن يقضي عليهم، وكان شديد البخل ولا يعرف فن قيادة الرجال ولا الاستفادة من الفرص السانحة، ولو خرج إلى أحد الأمصار الغنية لما انهارت دولته بهذه السرعة وبهذه الطريقة المهينة.
وبقتل ابن الزبير وصلبه انتهت آخر آمال القرشيين في تولي السلطة، وأصبحوا في كل ثورة من بعد ذلك أنصارا لبني هاشم!!!!!

*******

الأمة والدولة والخلافة ج3

الأمة والدولة والخلافة ج3
حقيقة الخلافـة

 

إن الله تعالى هو الذي له الكمالُ المطلقُ الذي من لوازمه الأسماء الحسنى، والإنسان قد جُعل خليفةً في الأرض بسبب قابليته لتعلم الأسماء وقبول آثارها والإظهار التفصيلي لكمالاتها، لذلك فهو مستخلف في الصفات التي تشير إليها الأسماء الحسنى، وعليه أن يظهر بآثارها بالنسبة لغيره من البشر ولما هو دونه من كائنات الأرض، فهو بذلك مأمور بالاتصاف ما أمكن بصفات الكمال الممكن، وأصل تلك الصفات هو الأسماء الحسنى، فعلى سبيل المثال عليه أن يظهر بالحكمةِ والعلم والرحمة واللطف والود لتلك الكائنات، ومن لوازم الاستخلاف أن يتعرف الإنسان على ما جُعِل مستخلفا فيه وأن يعظم ما استخلفه ربُّه فيه، فذلك إجلال لمن استخلفه وشكر لعظيم نعمته، ولا يليق بمن تلقى إحسانا كبيرا أن يعرض عما تلقاه أو أن يزدريه أو ألا يأبه به فإن ذلك من إساءة الأدب مع الرب الجليل الذي سخر كل شيء للإنسان وأسجد له ملائكته وطرد من أبى السجود له، فالإنسان مطالب بأن يعلم ما هو مستخلف فيه وبأن يقوم بواجبات الاستخلاف ومقتضياته وإلا فإنه يخلع نفسه بنفسه ويتحول إلى دابة من الدواب التي كان عليه أن يقوم بحقوقها.
والاستخلاف في الأرض يقتضي أن يحترم الإنسان كل صور الحياة وكل ما خلقه الله تعالى وأن يتعرف عليه وأن يطالع آيات الله تعالي فيه، ويترتب على ذلك ضرورة الإحجام عن الإفساد في الأرض، قال تعالي: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)} (الأعراف)، {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(85)} (الأعراف)، {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)} (البقرة)، والكف عن الإفساد في الأرض يقتضي الكف عن الإسراف في الصيد أو إبادة دواب الأرض بدون مبرر أو حق، كما أن عليه ألا يضيِّق على تلك الدواب أسباب عيشها وموارد رزقها بتجفيف الأنهار وإبادة الغابات، وعليه أيضا ألا يقدم على ما من شأنه الإخلال بالتوازن البيئي، وكذلك عليه أن يرحم دواب الأرض التي يستأنسها وأن يوصل إليها رزقها برفق، كما أن عليه الحفاظ على البيئة وعلى نباتات الأرض، فالعدوان منهيٌّ عنه نهياً باتاً، والإفساد في الأرض بتلويث البيئة والقضاء على موارد الأرض هو عدوان بشع على حقوق الأجيال القادمة من البشر فضلا عن حقوق سائر الكائنات الأرضية، والله سبحانه الذي خلق كل شيء وأتقن صنعه لا يحب من يفسدُ ما خلق.
*******
الرفق بدواب الأرض
إن الرفق بدواب الأرض هو من لوازم تحقيق المقصد الديني الأعظم الخاص بالإنسان فهو من مقتضيات قيام الإنسان بحقوق الخلافة، فعلى الخليفة حقوقٌ تجاه كل ما هو مستخلف فيه، ولقد استخلف الله سبحانه الإنسان في الأرض، وذلك يرتب علي الإنسان حقوقاً تجاه كل ما خلقه الله فيها من كائنات حية وجمادات، فهو مطالب بأن يعامل دواب الأرض بالرحمة فيحسنُ إليها، ولا يضيق عليها أسباب عيشها، وكذلك هو مطالب بمعرفة الحكمة من وجودها ومطالعة آيات الله فيها، قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)} (الأنعام).
ولذلك وجب على أمة الإسلام من حيث أنها خير الأمم أن تكون كذلك في التعامل مع دواب الأرض وطيور السماء، لقد صرحت الآية بوضوح أن كل الدواب والطيور هي أمم أمثالنا فتأمل قوله تعالى: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} فإنه يستحث الإنسان على أن يعاملها بما يرتضيه لمن هو مثله، وفي هذا القول أيضا بيان بأن دواب الأرض تشبه الإنسان، وبالتالي يمكن للإنسان بدراستها أن يزداد معرفة بنفسه وبجسمه، وفيه أيضاً بيان بأن لكل أمة من الدواب خصائصها المميزة وعلومها الفطرية والتي يمكن للإنسان أن يفيد منها لو عرفها ودرسها، ولو تنبه السلف إلي ذلك لتحقق لهم الوعد الإلهي: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53) (فصِّلت)}، ولتحققت الطفرة العلمية الهائلة علي أيديهم لا علي أيدي علماء الغرب، وهناك تهديد مبطن في قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}، أي أن لهذه الأمم من الدواب والطيور ربا يرجعون إليه فهو قائم بمصالحهم يمدهم بما يحفظ عليهم أسباب وجودهم، وهو لا يرضى لهم أن يعاملوا بقسوة كما لا يرضى لهم الظلم، هذا الرب هو رب كل شيء وخالق كل شيء وهو الرحمن الرحيم.
ولقد رويت أحاديث عديدة تأمر بالرفق بالحيوان وتبشر من يحسن معاملته بالغفران والنعيم المقيم وتنذر من يسئ معاملته بالعذاب الأليم، كما أن الإنسان برفقه بالحيوان إنما يعمل لما فيه صلاح أمره فإن القضاء على بعض الدواب استجابة للمعايير والموازين والمقاييس البشرية القاصرة هو من باب الإفساد في الأرض، وسيكون الإنسان أول من سيدفع ثمن ذلك غاليا، ويجب العلم بأن الرفق بالحيوان وحسن معاملته هو من مقتضيات أسماء إلهية عديدة مثل الرحمن والرحيم والرحمن الرحيم والرحيم الودود والرءوف الرحيم واللطيف، ولذا فبالرفق بدواب الأرض يرقي الإنسان وتسمو ملكاته الوجدانية، فالمسلم مأمور بالرحمة بالدواب والرفق بهم من حيث:
1-       أنه خليفة في الأرض فهو متخلق بأخلاق من استخلفه من رحمة ورأفة ورفق.
2-       أن دواب الأرض وطيور السماء هم أمم أمثالنا فلها علينا حقوق الأمم فيجب كف البأس عنها وعدم العدوان عليها كما يجب رعايتها والرأفة بها.
3-       أن إبادة الدواب وسفك دمائهم بلا مبرر هو من الإفساد في الأرض المحرم تحريما قاطعا.
4-       أن الحفاظ على دواب الأرض هو من الإصلاح في الأرض وإعمارها.
5-       أن كل فعل يصدر عن الإنسان من حيث التزامه بما سبق سيعود نفعه عليه في الدنيا وسيؤدى إلى رقي باطنه بما يرفع درجته في الآخرة.
6-        أن كل دابة في الأرض هي آية من آيات الله تعالى يجب النظر إليها ومعرفتها ودراستها.
7-       أن الله تعالى لم يخلق شيئا عبثا وإنما بالحق.
فيجب العلم بأن الله سبحانه ما خلق شيئا إلا بالحق، ولقد سميت سور عديدة في الكتاب بأسماء دواب الأرض مثل البقرة والأنعام والنحل والنمل والعنكبوت والفيل، وأخبر سبحانه بأنها تسبح بحمده وأنه يوحى إليها، كذلك أمر بالنظر إلى الإبل وأقسم بالعاديات ضبحا، وكل ذلك تنويه بشأن ما خلق الله تعالي من الكائنات، ولذا فالقيام بحقوق دواب الأرض هو من التعبد لمن خلقها واعتني بأمرها.
إن الخليفة يجب أن يتحلى بكل مقتضيات الأسماء الحسنى وأن يتطهر من كل ما يناقضها، لذلك وجب عليه الرحمة والرأفة والرفق بكل دواب الأرض.
*******
مقتضيات الاستخلاف تجاه ما في السماوات والأرض والجماد
إن ما يسميه الإنسان جمادا في السمـوات والأرض إنما هو مسبح بحمد ربه ساجد له، وهو من آيات الله تعالى التي أمر بمعرفتها والنظر إليها وتدبرها والتفكر في خلقها، ولقد سميت بعض سور الكتاب بأسماء تلك الجمادات مثل الطور والحديد والشمس والقمر، وكذلك سميت سور عديدة في الكتاب بأسماء الظواهر الطبيعية في السمـوات والأرض مثل: الرعد والذاريات والنجم والتكوير والبروج والفجر والليل والضحى والعصر، كما أقسم سبحانه ببعض هذه الظواهر التي هي من آياته التي أمر الناس أن ينظروا إليها وأن يتفقهوا فيها وأن يروا فيها مقتضيات أسمائه الحسني وصفاته.
فللجماد على الإنسان حقوق باعتباره من آيات الله تعالى التي أبدعها وجعلها دالة على أسمائه وباعتبار أن الإنسان مستخلف في الأرض مأمور باستعمارها وإصلاحها ممنوع من الإفساد فيها، إن الإفساد في الأرض يؤدي إلى اختلال الميزان الذي وضعه الرحمن فمن سعي إلي الإفساد ارتضي أن يكون كالشيطان، والانتهاء عن الإفساد في الأرض هو من مقتضيات مقاصد الدين العظمى فالإنسان مستخلف في الأرض وكل ما هو فيها مسخر له، ولذا فمن السفه أن يفسد فيها وأن يقضي بنفسه على مقومات وجوده وأسباب رزقه ومجال خلافته وأسباب بقاء ذريته، والإفساد في الأرض يعنى ارتكاب أي شيء من شأنه الإخلال بالتوازن البيئي كإبادة أمم من الدواب أو الحشرات أو تجفيف الأنهار أو تلويث البيئة أو إبادة الغابات...الخ.
أما حق ما في السمـوات من أجرام لا يملك الإنسان لها ضرا أو نفعا وكذلك ما يحدث فيها من ظواهر فهو أن يعرفها وأن يفقه القوانين التي تسيرها حتى يستمد من ذلك مزيدا من العلم بآيات ربه، إن ما في السمـوات وما في الأرض هي الأسباب التي ترتب عليها الوجود الإنساني ولذا فلها على الإنسان حق الأسباب على النتائج؛ فعليه ألا يفسد فيها وعليه أن ينظر ما في السمـوات وما في الأرض من آيات ربه.
*******
القرءان هو المصدر الأوحد للمصطلحات الدينية، ومفهوم مصطلح الخلافة في القرءان لا علاقة له بالمفهوم الذي أحدثه الناس من بعد ثم فرضوه على الإسلام والمسلمين، هناك خلافة عامة لكل إنسان من حيث هو إنسان، وخلافة خاصة للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا توجد خلافة لشخص بعينه بمعنى أن يكون حاكما مطلقا على الناس كما حدث من بعد السقيفة إلى الآن باستثناءات قليلة، أما استخلاف شخص بعينه فيكون بالجعل الإلهي مثلما حدث مع داود عليه السلام، وكان نبيا، أو تكون بنص صريح من الرسول النبي في مهمة محددة مثلما حدث مع هارون عندما استخلفه موسى في قومه، ومع عليّ بن أبي طالب عندما استخلفه الرسول في الولاية الدينية وولاية أمر الأمة (وليس حكم دولة).
والاستخلاف لا يضمن أية عصمة من الخطأ أو الذنوب للمستخلف حتى وإن كان نبيا، قال تعالى:
{يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب} [ص:26]
فهذا الكلام الموجه إلى نبي وما فيه من تحذير ونهي وتهديد لم يكن عبثا، وقال تعالى:
{.....وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين} [الأعراف:142]
وبالطبع لم يكن هذا الكلام بما فيه من أمر ونهي وتحذير عبثا.
وكل أقوال منسوبة إلى الرسول تتضمن المفهوم المحدث والخاطئ للخلافة لا تصح نسبتها إليه وهي أقوال باطلة بطلانا تاما!
وقد أثبت التاريخ دائما أن أي اعتداء على مصطلح قرءاني تكون عاقبته وخيمة ويترتب عليه هلاك الملايين ممن يتبعونه ويتمسكون به! ذلك لأن أخذ الله تعالى أليم شديد!
*******
إن المشكلة هي في ظنكم أن الرسول كان ملكًا أو إمبراطورا على مملكة أو إمبراطورية، بل أنتم ترددون ما قذفه به أعداؤه ونفاه عنه وبرأه منه ربه، فهو لم يكن عليهم حفيظا ولا مصيطرا ولا جبارا ولا وكيلا ولا ملكا ولا إمبراطورا، الرسول أسس أمة لها ولي أمر ديني، واستخلف الإمام عليّا في ولاية الأمر على هذه الأمة، وليس ليكون حاكما مطلقا Absolute ruler، ولا ليكون ملكا بالحق الإلهي Divine right of kings، ولا ليؤسس حكومة دينية Theocratic government، ولو كان يريد تأسيس أسرة حاكمة لقبل بالعرض القرشي في مكة، ولما كانت الحروب والمعاناة الطويلة.
أما سياساته مع غير العرب فمعروفه: إرسال رسل مسالمين بخطابات منه لدعوة ملوكهم وعظمائهم إلى الإسلام، فإن تولوا فإنه كان يشهدهم على إسلام الأمة. 
وقد ترك أمته إلى أنفسهم يدبرون أمورهم بأنفسهم، بعد أن علمهم وزكاهم، وهو لم يكن أباهم ليتركهم صبية بلا عائل، ليتساءل بعضهم: هل من المعقول أن يتركهم هكذا بلا وريث، لم يكن تعيين وريث من مهامه أصلا، وهو لم يكن ملكا ليورث الأمة لأحد من بعده.
كان للرسول حق الطاعة على الناس كنبي مرسل، وكان رفض طاعته يعتبر إثما دينيا من كبائر الإثم، ووجود آيات تأمر بطاعته من حيث أنه رسول تنفي تماما أية سلطة له على الناس خارج إطار الرسالة والنبوة، كان يكفي أن ينص القرءان على أنه ملك مثلا أو زعيم دولة لتجب عليهم طاعته بلا وجود حشد من الآيات يأمر بطاعته ويحذر من المخالفة عن أمره، مهام الرسول محددة بعناية في القرءان، وليس منها أبدا تأسيس دولة ولا حكم دولة بالمعنى القديم أو المحدث، وهذا ما يتسق تماماً مع سمات الإسلام كدين عالمي خاتم لا يجمد ما هو بحكم طبيعته سيال متطور، مهمة الرسول كانت إعداد أمة مؤمنة عن طريق الدعوة والتعليم والتزكية!
وقد قال الله له: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، فهذا القول القرءاني ينفي تماما أية سلطة له خارج نطاق الرسالة.



*******