الأربعاء، 7 يونيو 2017

قبيلتا بول الإبل ولبن الماعز

قبيلتا بول الإبل ولبن الماعز

القبائل في إمارة همجستان لا تقبل الضيم ولا ترضى بأنصاف الحلول ولا تعطي الدنية من أمرها، ولقد نشبت فيها حرب الثلاثين عامًا بين قبيلتي بول الإبل ولبن الماعز، وقد انتهت هذه الحروب الضروس بهلاك القبيلتين ولم يبق من آثارهم إلا بعض الأثافي وبعض قصائد الفخر والهجاء.
كانت قبيلة بول الإبل هي أكبر قبائل همجستان، كان سبب هذه التسمية المذاق الفاخر لبول إبلهم الذي كان تغبطهم عليه كل قبائل همجستان الأخرى، وكان هذا البول هو مشروبهم المحبوب، ولشعرائهم قصائد من عيون الشعر تخلد هذا البول وتعلي من قدره، ولأمير شعرائهم قصيدة يتمنى فيها أن يصطحب في مقبرته ناقة لكي تتبول على رمته فلا ينسى مذاق شرابهم الأثير.
كان سبب الحرب أن جديا من قبيلة لبن الماعز غافل الراعي وقضم عشبة من مرعى خاص بقبيلة بول الإبل، وقد تم ضبطه متلبسا ووُجدت آثار القضمة على العشبة التي لم يستطع التهامها كلها لانكشاف أمره في الوقت المناسب.
ولما كانت قبيلة بول الإبل هي أكبر وأشرس قبيلة في همجستان فقد أرسلت إنذارا شديد اللهجة إلى قبيلة لبن الماعز بضرورة استخراج العشبة من بطن الجدي وإعادتها إلى مكانها مع تسليم الجدي لينال عقابا بشعا على تهوره وتعديه على حمى القبيلة، هذا مع التأكيد على أنه لا مساومة في هذا الأمر، أعطوهم فترة يوم واحد غير قابل للمدّ للتنفيذ، وتم التأكيد على أن أي تلكؤ بعد ذلك سيكون بمثابة إعلان حرب على قبيلة بول الإبل.
أعتبر شيوخ قبيلة لبن الماعز هذا الإنذار إهانة شديدة لهم واستخفافا بأمرهم وإهدارا لكرامتهم بين القبائل، صمموا على الثأر لكرامتهم، ولما كانوا يعلمون أنه لا قبل لهم بقبيلة بول الإبل فقد قرروا أنه لابد من القيام بعمل لا يخطر ببال أحد من هذه القبيلة المتغطرسة، صاح أحد شبانهم:
-     لا مفر من مباغتتهم بهجوم ليلي كاسح.
تصايحوا جميعاً:
-     نعم الرأي
-     هذا هو القول
-     هذا هو خير ردَ
-     هذا هو الحل الذي لا بديل له

خطب شيخهم فيهم قائلا: يا آل لبن الماعز، لا رد لنا على هذه الوقاحة إلا الحرب، فهيا إلى النصر!
اشتعل حماس الشباب، أحضروا الجدي ونادوا به بطلا لقبيلتهم، واتخذوه شعارا لهم، جهزوا أنفسهم، شرب كل منهم كمية هائلة من لبن الماعز وركبوا خيولهم.
شنوا غارة مباغتة على قبيلة بول الإبل، وضعوا فيهم السيف وهم في مراقدهم، كبدوهم خسائر فادحة، سبوا ما استطاعوا من نسائهم، تصايح الحرس من قبيلة بول الإبل، تجمعوا بسرعة، تمكنوا من القضاء على بعض المهاجمين، بادرت قوات لبن الماعز بالانسحاب السريع بعد أن تكبدوا بعض الخسائر.
أشعل ما حدث نيران الغضب في قلوب الباقين من قبيلة بول الإبل، كانت الكارثة هائلة، قُتل مجموعة من خيرة شبابهم، كما تم فضحهم بما تم سبيه من نسائهم، صمموا على الانتقام مهما كان الثمن، قالوا إن قبيلة لبن الماعز هي الآن في ذروة النشوة والسعادة، ولا يمكن أن يخطر ببالهم أن نهاجمهم من قبل أن نضمد جراحنا، لابد من معاجلتهم بهجوم ليلي كاسح كما فعلوا معنا.
أسكر النصر الذي أحرزته قبيلة لبن الماعز رجالها، تصوروا أنهم قوة لا تُقهر، أقاموا مهرجانا للاحتفال بالنصر، ألقى شاعرهم قصيدة عصماء يتغنى فيها بانتصارهم ويهجو قبيلة بول الإبل بفاحش القول، زادهم الشعر انتفاخا، كاد شيخهم ينفجر من الانتفاخ، قالوا لأنفسهم إن قبيلة بول الإبل لن تفيق من هول هذه الضربة إلا بعد سنين طويلة.
ولكن قبيلة بول الإبل كانت قد أفاقت بالفعل كما سبق القول، بل أصبحوا أكثر تصميما على الثأر، علموا بمهرجان قبيلة بول الإبل، زاد هذا من تصميمهم –كما كانوا قد أزمعوا- على مهاجمة قبيلة لبن الماعز في هذه الليلة.
عندما أرخى الليل سدوله تجرع كل منهم كمية هائلة من بول الإبل لتعطيه الطاقة اللازمة، زحف رجالها تحت جنح الظلام، باغتوا قبيلة لبن الماعز وهي في أوج نشوتها، استغلوا ما يتمتعون هم به من متانة الأجساد، افترسوا عددا هائلا من قبيلة لبن الماعز، قاموا بفتح بطون بعضهم وأكلوا أحشاءهم بدمائها، حملوا كل الرؤوس التي قتلوا أصحابها على رماحهم.
فر الباقون في كل اتجاه، حرر رجال قبيلة بول الإبل نساءهم، أمسكوا بشيخ القبيلة وبعد أن تلقى كمية هائلة من الضربات الصاعقة المذلة دلَّهم على مكان الجدي، أخذوه هو والجدي أسيرين وسبوا من لم تستطع الهرب من نساء قبيلة لبن الماعز.
أرسلوا فرسانا منهم يحملون الرؤوس التي ظفروا بها على رماح، ليطوفوا بها في كافة أرجاء همجستان.
خلد شاعرهم هو الآخر هذا النصر المؤزر في قصيدة هائلة.
وهكذا بدأت حرب الثلاثين عامًا بين القبيلتين الباسلتين من قبائل همجستان حتى قضوا تقريبا على بعضهم البعض، أما بقايا القبيلتين فقد جاءت قبيلة كريش والتهمتها في كرشها، كبر كرشها كثيرا فتقرر أن تُسمَّى من بعد ذلك بقبيلة كرش.
ولكن رجال القبيلتين كتبوا بما فعلوه لهمجستان تاريخًا مجيدا يشب على مطالعته الصغير ويشيب الكبير، كما تركوا تراثا خالدا من عيون الشعر، التي يخلد فيها شعراء القبيلتين بطولاتهم وأمجادهم، هي في لسانهم من قمم البلاغة، ولكن في ألسنة غيرهم أمثلة للخبل والتفاهة.


*******

الأحد، 21 مايو 2017

آية سورة الحجرات 6

آية سورة الحجرات 6
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
الآية ظاهرة وبينة ومحكمة وقطعية الدلالة، ولا إبهام ولا إشكال فيها، ولكن المشكلة هي في متبعي الأهواء الذين يريدون فرض تأويلهم على الآية.
هذه الآية تأمر الَّذِينَ آَمَنُوا بألا يبادروا بتصديق أي خبر يُساق إليهم، يجب دائما التثبت وعدم المبادرة بالتصرف بافتراض صدق ما ورد من أخبار، وهذا ما فعله سليمان عندما ساق إليه الهدهد خبرا، عندما قال له:
{قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين} [النمل:27]
هذا مع أن الطيور لا تكذب، بل لا يعرف الكذب إلا الثقلان.
ووصف مورد الخبر بالفاسق لا يعني إلغاء حكم الآية بالنسبة لغيره، بل هو وصف لازم لصاحب الخبر الكاذب، فما كذب في أمرٍ خطير كهذا إلا لفسقه اللازم، وفي ذلك حجة على من سيولونه من بعد أمر المسلمين وبرهان على انحرافهم عن الدين القويم وحجة على من سيؤلهون وسيقدسون كل هؤلاء تحت مسمَّى الصحابة.
ومن المعلوم أن شياطين الإنس والجن اتخذوا من التأويل السيئ لهذه الآية حجة لتقويض الدين عن طريق إعطاء الشرعية للمرويات الآحادية، وقد قالوا طبقا لمنطقهم الشيطاني الصارم:
بما أن الآية تطالبك بالتثبت من الخبر الذي يورده الفاسق فهي بالضرورة تأمرك بتصديق خبر من حكَمْنا نحن بعدالته، يجب عليك أن تؤمن بما يورده من أخبار وأن تعتبرها وحيًا ثانيا ومثلا للقرءان وحاكمًا وقاضيا عليه أيضا!!!!
هذا هو المنطق الذي دفعهم لاتخاذ شركاء يشرعون في الدين ما لم يأذن به الله تعالى وليضعوا الأسس للأديان التي حلَّت محل الإسلام.
ومن الضلال والمنطق المغلوط أن يستدل من ينفون الأخذ بخبر الواحد ومن يلزمون الناس به بنفس الآية لإثبات كلامهم، والآية بالطبع بريئة من النافين والمثبتين، فالآية تتحدث عن الأخبار بصفة عامة، وهي تأمر بالتثبت خشية العواقب الوخيمة، والتثبت لازم في كل الأحوال، وبالأحرى إذا كان ناقل الخبر غير ثقة لأي سبب من الأسباب.
أما خبر الواحد فسيظل مجرد خبر ما لم يثبت اتساقه التام مع دين الحق المستخلص من القرءان، ولكن من المعلوم أن بنية الدين الأعرابي الأموي مأخوذة من أخبار الآحاد، وكذلك أكثر مادته، وقد سموا جماع الأخبار بأسماء مهولة للتدليس على الناس، فسموها بالسنة، وبالحكمة، وبذلك اعتدوا على مصطلحات قرءانية وصادروها لحساب دينهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وضلوا وأضلوا وضلوا عن سواء السبيل.
ولكن طالما كان التثبت من النبأ مطلوبًا في كل الأحوال فلماذا جاء الوصف فاسق في الآية؟ إن الآية تتعلق بواقعة معلومة، ولا يستطيع أحد إنكارها بأي حالٍ من الأحوال، فهي ثابتة بمقدر ثبوت كل الوقائع التي أعقبت فتح مكة، ومن وُصِف بالفاسق معلوم، وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي، وكان من الطلقاء، وقد تسلط الأمويون على الناس، وحكموهم بالإرهاب الفاجر المجنون، ولكنهم لم يستطيعوا محو هذه الآية، ولا الواقعة التي تتحدث عنها الآية، مما يدل على ثبوتها الشديد، وقد تبنى العباسيون من بعد الدين الأعرابي الأموي لكونه أصلح دين للحفاظ على تسلط الطغاة وانفراد الفجار بالسلطة.
وكان هذا الوليد، بالطبع، وفقًا للدين الأعرابي الأموي الشركي صحابيًّا جليلا، كما كان من ظرفاء قريش وسكيرا خطيرا، وخبر صلاته بالناس وهو سكران، وقوله لأهل الكوفة الذين ولاه عثمان عليهم:‏ "أزيدكم؟" بعد أن صلَّى الصبح أربعًا، مشهور من رواية الثقات من أهل المرويات، فهو حجة على المغضوب عليهم من أتباع الدين الأعرابي الأموي، وسيظل حجة على الضالين المشركين، كما ستظل هذه الآية علامة ومصدر هداية للباحثين عن الحق ولمن أخلصوا دينهم لله تعالى‏.

*******

أسماء ما أُنزل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ

أسماء ما أُنزل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ

كلمات "الكتاب، القرءان، الفرقان، الذكر، النور، ..... " لها معانيها اللغوية الخاصة بها، كما أن لها معانيها الاصطلاحية التي تتضح تماما من السياق بالسياق لمن لديه إلمام كافٍ باللسان العربي، ولا يرغب في فرض آراء مسبقة على القرءان اتباعًا للهوى.
وأهل الكتاب يُسمَّون بهذا الاسم لأن كل طائفة منهم يتبعون كتابًا منزلا، ومن المعلوم أن المسلم مأمور بأن يؤمن بكتب الله، وكتب الله هي المذكورة في القرءان، وآيات القرءان تذكر بكل وضوح في آيات محكمة أن الله تعالى أنزل الكتاب على رسله، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز} [الحديد:25].
ولقد ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب على المرسلين من قبل أو آتاهم الكتاب، قال تعالى:
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [البقرة:53]، {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ..... }[البقرة:87]، {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون} [الأنعام:91]، {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُون}[المؤمنون:49]، {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا}[الفرقان:35].
وما أُنزل على خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يُسمَّى بأسماء عديدة من حيثيات عديدة، فكل اسمٍ منها يشير إلى سمة خاصة من سمات التنزيل، فلا يحق لأحد أن يتصور أنه لتعدد الأسماء يجب تقسيم ما أُنزل على الرسول إلى أجزاء، فوصف كائنٍ ما كالإنسان مثلا بعدة أوصاف لا يعني وجوب تقسيمه إلى عدة أجزاء كل جزءٍ منها يقابل صفة معينة!
ولكن على الناس أن يتدبروا وأن يعلموا لماذا ذُكر اسمٌ معين للتنزيل في سياق معين، فالذي أوحي إلى الرسول هو القرءان، قال تعالى:
{..... وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقرءان لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون} [الأنعام:19]، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقرءان وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين} [يوسف:3]، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقرءان تَنزِيلاً}[الإنسان:23].
وهو الذكر:
{وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون} [الحجر:6]، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]، {..... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل:44]، {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَاب}[ص:8]، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز} [فصلت:41]، {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُون} [الأنبياء:50]
وهو الفرقان:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]
وهو النور:
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الأعراف:157]، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين} [المائدة:15]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} [النساء:174]
وهو الكتاب:
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105]، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ .....} [المائدة:48]، {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون} [الأنعام:92]، {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأنعام:155]، {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد} [إبراهيم:1]، {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون}[النحل:64]، {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُون}[العنكبوت:47]، {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون}[العنكبوت:51]، {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [ص:29]، {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين}[الزمر:2]، {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيل} [الزمر:41].
وهو روحٌ من أمر الله:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الشورى:52]
ويلاحظ أن نفس الآية قد تستعمل نفس اللفظ بمعنيين اصطلاحيين كآية المائدة 48 مثلا، فالذي أُنزل إلى الرسول هو الكتاب، وهذا الكتاب هو نفسه مصدق لما بين يديه من الكتاب، فهو مصدق للتوراة والإنجيل والزبور ومهيمن عليهم.
ولكل ما سبق لا يحق لأحد أن يأخذ في تقسيم ما تلقاه الرسول من الآيات، فيقول مثلا إن هذه الآية من الكتاب ولكنها ليست من القرءان، أو إن هذه الآية من الفرقان، وليست من الكتاب.
ملحوظة: الزوبعة التي أثارها بعض المجتهدين الجدد في هذا الأمر معلومة لدينا، ولا نسمح للأبواق الجوفاء الذين يرددونها بلا ملل ولا كلل وكأنها من أركان الإيمان بأن يضيعوا ولو فيمتو ثانية من وقتنا في الجدل بخصوصها! سيقولون: وهل أنت تمتلك الحقائق المطلقة؟ الجواب: الحقائق لا تُمتلك بل تُعلم، وآيات القرءان المذكورة هي البرهان، وهي الصدق، وهي الحق، وهي محكمة وقطعية الدلالة.
*******

الخميس، 18 مايو 2017

من الردود على الملحدين والمشككين 1

من الردود على الملحدين والمشككين 1

يقول الملحدون والمشككون:
كيف كانت توجد عملات معدنية ترجع إلى عصر المتسلطين الأمويين الأوائل (معاوية ويزيد ومروان) عليها رموز وشعارات مسيحية وأحيانًا يهودية؟ وكيف لا توجد أية وثيقة كنسية تذكر اسم الإسلام مثلا أو تشتكي من اعتناق المسيحيين للإسلام أو من التضييق على المسيحيين كما سيحدث من بعد؟ ألا يدل ذلك على أن معاوية كان مسيحيا مثلا، أو إنه كان حاكمًا عربيًّا تمرد على سادته البيزنطيين واستقل بسوريا، وأن الإسلام قد تم تطويره وصناعته في هذه الفترة للسيطرة على الإمبراطورية في عهد عبد الملك بن مروان المؤسس الثاني للإمبراطورية الأموية؟
الردود عليهم:
1.        قبل أن يبدأ العرب في غزو الشام كانت الإمبراطورية البيزنطية في حالة يُرثى لها رغم انتصارها على الفرس، فهذا الانتصار لم يكن البيزنطيون يستحقونه أبدًا، بل كان بمحض تدبير إلهي لأسباب معلومة، أما البيزنطيون فظلوا على ما كانوا عليه، وكانوا أيضًا يواجهون تمرد الكنائس المشرقية وأتباعها في الشام ومصر ورفضها للمذهب (الوسطي) الذي حاول هرقل فرضه عليهم بالقوة لتوحيد الإمبراطورية فزادها انشقاقًا وتمردا، وتورط جنوده في اقتراف بشاعات جعلتهم هم أنفسهم في شكٍّ من أمرهم، وجعلتهم أقرب إلى توقع انتقام إلهي، هذا مع العلم بأن جيوش البيزنطيين لم يكونوا أبدًا بنفس تعصب الصليبيين الذين سيأتون من بعد، وكانوا أقرب إلى الجيوش المهنية المحترفة، أما الرعية فقد أصبحوا يتوقون إلى الخلاص من عسف الحكم البيزنطي، وكان الرومان قد طردوا الفرس لتوهم من الشام، وكان الناس يتوقعون حكمًا أفضل، فخاب أملهم.
2.        وعندما شرع العرب في غزو الشام وجدوا أنفسهم أما حشود جاءت لتُذبح وليس لتقاتل قتالا شرسا، ووقف السكان المحليون يراقبون بحياد نتيجة الصراع الجديد، انتصر العرب على الرومان واكتسحوهم وألقوا بجيوشهم خارج الشرق الأوسط.
3.        ساعدت الظروف معاوية إذ فتك الطاعون بالناس، وعلى رأسهم رجال قريش الأقوياء مثل أبي عبيدة بن الجراح والفضل بن العباس وشرحبيل بن حسنة، كما خلصه عمر بن الخطاب من رجلٍ لا قبل له به، وهو خالد بن الوليد، كان معاوية جنديا في فرقة من الجيش الذي أرسله أبو بكر لفتح الشام، كانت هذه الفرق بقيادة أخيه يزيد بن أبي سفيان الذي هلك أيضًا في نفس الطاعون.
4.        وجد السكان أنفسهم أحرارا في دينهم، ولم يجدوا من يذكر أمامهم شيئا عن الإسلام ولا من يدعوهم إليه، فلم يكن العرب معنيين بذلك أصلا، كان شغلهم الشاغل التسلط والأموال ومتاع الدنيا وتدعيم أركان دولتهم، لذلك كان من الطبيعي أن يحظى الحكم الجديد برضا الجهاز البيروقراطي الذي كان قائما بشقيه الديني والمدني فوضعوا أنفسهم في خدمة المتسلطين الجدد، وجد هذا الجهاز البيروقراطي نفسه مطلق التصرف، وتمتعوا بحريات لم يحظوا بمثلها أيام البيزنطيين، وتعلم منهم معاوية كيف يكون بالأساس حاكما سياسيا، وما يقتضيه ذلك من استغلال الدين وليس خدمته، ولكل ذلك لم تتحدث وثائق الكنائس عن العرب كقوم أتوهم بالإسلام، فلم يكن أكثر من دخلوا الشام من العرب يعلمون عنه شيئا يُعتد به ولا يدعون أحدًا إليه، لذلك بقيت الأغلبية الساحقة من السكان في الشام على دينهم القديم، وظلت نسبة المسيحيين في الشام أعلى نسبة في الشرق الأوسط إلى الآن، ولم يتعرض لهم أحد إلا في العصر المملوكي، وذلك عندما انضم بعضهم إلى المغول والتتار ثم إلى الصليبيين في الصراعات المهولة التي ستنشب من بعد، كما تعرضوا لبعض الاضطهادات بل والمجازر في العهد العثماني أيضًا.
5.        وهكذا ترك معاوية الناس في الشام على نظمهم القديمة، وتولى طرد أي متحمس ديني يأتي إلى الشام بهدف دعوة الناس إلى الإسلام، وأصبح الدين هو ما يقوله هو للناس هناك، واستمر صك العملة على ما كان عليه، وكان بإمكانه أن يحظر وضع رموز مسيحية على العملة، ولكنه لم يفعل، وفضَّل بقاء الحال على ما هو عليه، واستمرت اليونانية هي لغة الدواوين، لذلك لا غرابة في أن يظن بعض المشككين أنه كان واليا عربيا لبيزنطة على الشام، أو يظن أنه كان مسيحيا.
6.        ومن الطبيعي أن يشرع بعض سدنة الدينين اليهودي والمسيحي في الكيد للدين الجديد وتحريفه خدمة لدينهم القديم، خاصة بعد أن رأوا قلة اكتراث الحكام المحسوبين على الإسلام، وكان أول كتاب يهاجم الإسلام في التاريخ من وضع (القديس) يوحنا منصور سرجون الدمشقي (دفاق الذهب)، وهو ينحدّر من أسرة مسيحية كبيرة جدّا؛ كان أبوه مدير إدارة بيت المال عند الفتح العربي، وكان وزيرًا عند معاوية وعند ابنه يزيد، وقد نشأ وترعرع مع يزيد فتكوّنت بينهما علاقة طيبة، ومنهم تعلم معاوية توظيف الدين لخدمة السلطة، وأنشأ طائفة القصاص في المساجد لتشغل الناس بأساطير أهل الكتاب عن أمور الدين الكبرى، وكان هؤلاء بحاجة مستمرة إلى مادة جديدة لإبهار الغوغاء والدهماء وجذب اهتمامهم، ووجدوا ضالتهم بالطبع عند أهل الكتاب، كما بدأت حركة تحريف ووضع المرويات لحساب معاوية، ولحساب مركز حكمه، وهذا هو الاتجاه الذي سيتمخض من بعد عن بناء قبة الصخرة في عهد عبد الملك بن مروان لتكون بديلا عن الكعبة.
7.        لكل ذلك فالأمويون لم ينشئوا الإسلام، وإنما أنشأوا دينًا جديدًا حلَّ محله، هو الدين الأعرابي الأموي في صورته الأولى النقية الخالصة، وفي إطار صراع الأمويين مع السابقين الأولين ومن تابعهم تفاقم العداء للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ولأهل بيته وللأنصار، ولم يجرؤ الأمويون على الجهر بموقفهم من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وإلا لانهار أساس ملكهم ولفتحوا على أنفسهم أبواب الجحيم، فاكتفوا بمحاولة النيل منه عن طريق المرويات الموضوعة، وهكذا تشكلت أسس الدين الأعرابي الأموي الناصبي، وفُرض على الناس بقوة السلطة شيئا فشيئا.
8.        تمكن عبد الملك بن مروان من القضاء على كل خصومه، وعلى رأسهم عبد الله بن الزبير، كانت ثورة عبد الله بن الزبير آخر انتفاضة قرشية حجازية ضد التسلط الأموي، وهو لم يفعل إلا أن هزم للأمويين خصومهم من أنصار أهل البيت وزاد من تفاقم التيار الناصبي لصالحهم أيضًا!!! وحتى لا تتكرر مثل هذه الثورات بدأت سياسة إغراق أهل الحجاز بالمال وشغلهم بمتاع الدنيا، فأصبحت مكة والمدينة بمثابة لاس فيجاس الجزيرة العربية.
9.        وجد عبد الملك نفسه على رأس إمبراطورية هائلة، لا تهددها إلا الإمبراطورية البيزنطية المتاخمة لها، كما وجد أن جهازه البيروقراطي وأركان دولته العميقة يتحدثون بلغة أعدائه، أما في الجناح الشرقي فكانت الفارسية هي المستعملة، وقد كان يتوجس بالطبع خيفة من هؤلاء الفرس المتربصين بدولته، وباعتباره رجل دولة وسياسيا بارعًا أصدر أمره بتعريب الدواوين، فبدأ التذمر المستتر يتصاعد ضده، وبدأ الناس في الشام يتحدثون عن الإسلام واضطهاده للمسيحيين، ثم جاء المشككون ليعتبروه هو المؤسس الحقيقي للإسلام، وكل ما فعله هو أنه بدأ يكسب دولته الصبغة العربية، وتابعه في ذلك ابنه الوليد، والذي أطلق الجيوش العربية شرقا وغربا لتصل إلى أقصى مدى يمكنها الوصول إليه.

10.    الزعم بأن الإسلام منبثق عن النصرانية هو زعم مضحك، لا يثير إلا الرثاء لمن يقول به أو يروج له، الإسلام، الماثل في القرءان وما يصدقه، هو بنيان هائل شامخ متماسك، ولديه كتاب هو الذروة في الإتقان والإحكام والبلاغة والعلوم الدينية الجديدة، ويقدم مفهومًا عن الإله لا يرقى إلى شيءٍ منه دين من قبله، ويقوض تحريفات اليهود والنصارى، كما يقدم منظومة قيم وأخلاق لا يرقى إليها أي نظام ديني آخر.

*******

الاثنين، 1 مايو 2017

سورة الغاشية 17-20

سورة الغاشية 17-20
الغاشية 17-20
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {17} وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ{18} وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ{19} وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ{20} الغاشية
هذه الآيات تتضمن الحث على معرفة علوم الحياة والفلك والجيولوجيا.... الخ، فهل يوجد دين غير هذا الدين حثَّ أتباعه على النظر الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟ إن تلك الأوامر جاءت في سورة من أكثر السور التي يرددها المسلمون ويحفظها صغارهم قبل كبارهم عن ظهر قلب، وورد كل أمر في آية مفردة بيانا لأهميته وعظم شأنه، فماذا فعل السلف بتلك الآيات؟ لقد اكتفوا بالترديد الآلي لها وربما بإعرابها، وربما اكتفوا بالقول بأن الأشياء المذكورة تدل على عظمة الخالق، وربما استعرض البعض قدراته اللغوية ومعلوماته السطحية فانطلق يحدث الناس عن عجائب أفعال الإبل وأشكالها وهكذا، ولكن بالرغم من أهمية كل ما ذكر فإن ذلك لا يغني عن الحق شيئا، فإنه كان لابد من التنفيذ المباشر لما حُثَّ المسلمون على النظر فيه، وكان عليهم أن ينتدبوا طائفة منهم للقيام بذلك، ولكن هيهات ، إن من قام بتنفيذ أوامر الآيات القرءانية هم أهل أوروبا فهم الذين شرَّحوا الإبل ودرسوا وظائف أعضائها وكيفية توافقها مع ظروف بيئتها، وهم الذين درسوا كيف رفعت السماء وكيف نصبت الجبال وكيف سطحت الأرض، وبالمناسبة.
وخلافًا لما أشاعه البعض، فإن المراد بالأرض في القرءان ليس الكوكب الأرضي بالضرورة، وإنما ذلك السطح الذي يسير عليه الناس! فالأرض هي بصفة عامة ما يقل الإنسان، ولكل كوكب أو مكان أرضه، فيجب الحذر من محاولة فرض معاني المصطلحات الحديثة على المصطلحات القرءانية.
فالتعبد لله تعالى من حيث التعرف على آياته من الظواهر الطبيعية والسنن الكونية في العالم المشهود هو أمر لم يقم به حق قيامه إلا العلماء الطبيعيون في العصر الحديث، فترى العالم منهم يواصل البحث ليل نهار ليفهم التركيب الدقيق للنملة مثلاً، وكيف تمارس حياتها، وكيف يعمل كل عضو في جسمها، فيشاهد ويدرك آيات الله في خلقه، ويقف مشدوهًا أمام ما يطالع من عظمة وحكمة وسموّ، فتلك الدهشة وذلك التأمل والتعجب هو عين عبادته لخالق النملة وإن لم يشعر أو يقرّ بذلك، وإن نسب ذلك الإبداع إلى الطبيعة مثلا، أما أتباع الدين الأعرابي الجهلوتي الأموي فلا يقيمون للسنن الكونية وزنا، وسيسخرون من مثل هذا الباحث الذي يشغل نفسه بهذه الأمور عن اللذَّات البهيمية التي يتمرغون هم فيها.
فمن حيث أن الله تعالى هو رب العالمين فهو يمدّ تلك الأمم -التي احترمت العلم والعلماء ووفرت لهم سبل البحث وقامت بأوامره وإن لم تعلم- بكل أسباب القوة المادية والثراء، وبذلك علوا على كافة الأمم، فإن الإنسان يرقى والأمم تسمو بقدر ما تدرك وتوقِّر السنن الإلهية الكونية وتفهها وتنتفع بها.


*******

الجمعة، 28 أبريل 2017

سورة التوبة 122

سورة التوبة 122

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة:122]
اتخذ حزب الشيطان من هذه الآية دليلا يوجب إحداث طبقة كهنوتية تختص بأمور الدين، ولا تسمح لأحد آخر بالحديث فيه أو حتى النظر في نصوصه وتدبرها، ومن المعلوم أن هذه الآية من آيات سورة التوبة التي نزلت من بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا، ولم يعد من الضروري الهجرة إلى المدينة لتقوية الأمة، كما لم يعد من الضروري خروج كل المؤمنين مع الرسول عندما يُضطر إلى الخروج لتأديب بعض المعتدين.
وبذلك أصبح من الممكن أن تكتفي كل قبيلة بإرسال جزء من قوتها -وليس كلها- لتجاهد مع الرسول ولتتعلم منه ومن المؤمنين الآخرين أمور الدين، فلم يكن هناك وسائل اتصال مثل المتاحة الآن، وهؤلاء بمجرد عودتهم سينقلون ما تعلموه للناس، ثم يعودون إلى أعمالهم، ثم في مرة قادمة سينفرون هم أو غيرهم.
فالآية لا تلزمهم باختلاق طبقة كهنوتية كالتي عند أهل الكتاب.
وبالطبع لن يعبأ أتباع المذاهب بكلامٍ كهذا يمس موارد رزق أربابهم الحقيقيين، أما هؤلاء الأرباب المزعومون فسيدافعون عن مناط جاههم ومورد رزقهم، وعندها يجب إحالتهم إلى أربابهم من (الصحابة) وإلى ما يسمونه بفهم السلف، هل سمعتم أن أحدًا من (الصحابة) قد تفرغ للتكسب بالدين و(الفقه) بعد نزول هذه الآية؟
أعيدوا الآن قراءة الآية لتعلموا أنه لو كان المقصود إنشاء طبقة كهنوتية تختص بالدين من دون الناس لأتت الصياغة مختلفة تماما.
*****
الفقه هو ملكة ذهنية مثل الفهم مجالها الدين وغيره، بل إن الناس اعتادوا أن يستعملوا كلمة "فهم" مكان كلمة "فقه"، وهذا استعمال خاطئ.
والتـفقه هو إعمال ملكة الفقه، فهو نشاط قلبي ذهني هادف يؤدى إلى فقه الدين والقوانين والسنن الشرعية والكونية واستيعابها والتمكن منها بما يزيد من تفوق الإنسان المؤمن على كل من هم من دونه.
والأمر بالتفقه في الدين يتضمن أنه يوجد أمور أخرى يجب التفقه فيها أيضًا ولا يقصر التفقه على المجال الديني، ويمكن لكل مسلم أن يستخلص هذه الأمور من القرءان، قال تعالى:
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون} [الأنعام:65]
والتـفقه في الدين يكون بتدبر آيات الكتاب العزيز ومعرفة سننه وحِكَمه ومقاصده ومعرفة سبل تزكية النفس، وتلك هي المهام التي نيطت بالرسول بالنسبة إلي قومه ونصّ عليها الكتاب، ولقد كان المسلمون الأوائل جميعا ملزمين بأن ينفروا بمعنى أن يتركوا مواطنهم وبيوتهم ويلتحقوا بالرسول عند الحملات العسكرية إلا بإذن منه، وكان هذا أمرا معلوما لديهم جميعا، فلما كثر المسلمون وآمنت قبائل تسكن أراضي شاسعة مترامية الأطراف لم يعد ثمة حاجة إلى أن ينفروا جميعا فرخص لهم أن ينفر من كل قبيلة طائفة تصاحب الرسول في غزواته وتجاهد معه بالنفس والمال وتتعلم منه وتتزكى بالتلقي المباشر عنه وتتفقه في الدين بالمعنى الواسع للتفقه والذي يشمل آيات الكتاب والأوامر الواردة به وسلوك الرسول وسيرته وطريقته في معالجة الأمور، ولا يعنى ذلك أبدًا أن يحترف بعض الناس التكسب بالدين، ذلك لأن المقصد من التفقه هو إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم ولا يحدث الإنذار بتعليمهم شكليات الشعائر، كما أن تلك الطائفة إنما تنوب عن باقي القبيلة ثم تنقل إليها ما تعلمته، فإذا ما تحتم القيام بغزوة أخرى فإنه يمكن أن يستبدل بهم غيرهم، فلم يكن من سنة الرسول ولم يسمح أبدا بأن يتحول الدين إلى حرفة يتكسب الإنسان منها.
فالآية لم تفتح الباب أبدا لاختلاق كهنوت ما، ولم يكن المقصود أن تتعلم الطائفة النافرة ما سيصطلح الناس في القرن الثاني أو الثالث الهجري علي أنه هو الفقه فإن الإحداث في الدين لا يسرى بأثر رجعى، والآية تلزم المسلمين إلي قيام الساعة بأن ينفروا في سبيل الله تعالي وأن يتفقه منهم في الدين كل من كان قادرا علي ذلك وأن ينفع الناس بما فقهه، والدين ليس بمحصورٍ أبدا في الأشكال الخارجية للعبادات والمعاملات والعقوبات، فالدين أعظم مدي وأرقي من ذلك بكثير، فمن أراد التفقه فيه فليتفقه في مقاصده العظمي وليعمل علي تحقيقها وليتـفقه في منظومات قيمه وسننه وليعمل علي الالتزام بها، وكل مسلم مطالب بأن يتفقه في دينه ما استطاع إلي ذلك سبيلا، وليس ثمة في الآية ما يوجب حصر التفقه في طائفة بعينها تتكسب منه وتتسلط علي الناس به، فمن مقاصد الإسلام القضاء علي الكهنوت وعلي كل ما يمكن أن يسمح باستنباته، وإن تخصص البعض في دراسة بعض الكتب التراثية لا يعطيهم الحق في فرض أنفسهم علي الناس ولا في التميز علي الناس بلباس يحسب علي الدين ولا في أن يحسبوا هم أنفسهم علي الدين دون أن يتلقوا إعدادا روحانياً كافيا، هذا مع العلم بأن معظم ما في هذه الكتب لا يصلح إلا لإيقاف عجلة التقدم وتكريس الجهل والتخلف وصد الناس عن سبيل ربهم والحيلولة بين المسلمين وبين معايشة عصرهم، وهو في نفس الوقت لا يحرك وجداناً ولا يزكي نفسا، إن الإسلام لم يأت ليستبدل كهنوتا يستعمل عمامة سوداء بآخر يستعمل عمامة بيضاء وإنما أتي ليجتث الكهنوت من قواعده وأصوله وليقضي علي كل ما يمكن أن يؤدي إلي إعادة استنباته وليقول للناس ها أنتم أولاء وربكم وهو أقرب إليكم من غيره بل من أنفسكم وهو أولي بكم من كل ما هو من دونه وهو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده ولا شفاعة عنده إلا بإذنه أي وفق قوانينه وسننه.
ولقد جعل الكتاب التفقه في الدين مرتبطا بالخروج جهادا في سبيل الله تعالى وصحبة الأئمة المجاهدين الفائقين الصالحين، إن الآية ألزمتهم بأن ينفروا ليتفقهوا وليس بأن يجمدوا، فالتفقه في الدين يكون بالممارسة العملية والجهاد وليس بالعكوف عند قدمي شيخ لتلقى آراء الأسلاف وحواشيهم وتعليقاتهم، فالفقه يتطلب العمل والممارسة والحركة والسير في الأرض وإعمال الملكات والنظر في الآفاق وفى أنفسهم وتدبر آيات الكتاب والتفكر في السنن الإلهية والكونية، ولا يكون بالانكباب على التراث وتقليبه ولا بالتنقل من شيخ إلى شيخ ولا بالأخذ عن قائمة هائلة من المشايخ، لكل ذلك يجب القول بأن الحرية الفكرية هي الجو الأنسب والأصلح لإتمام ظهور الدين فليس لدى الإسلام ما يخشاه، والحرية هي البيئة اللازمة للتفقه الحقيقي في الدين.
ولقد بيَّن القرءان كيف يتفقه الإنسان، وها هو بيان بوسائل التفقه كما وردت في القرءان:
1-       أن ينفر الإنسان في سبيل الله تعالى ليتعلم دينه عبر الممارسة العملية وعبر التأسي بمن سيراه من الأئمة الصالحين.
2-       تدبر آيات الكتاب وإدمان النظر فيها وتلاوتها.
3-       النظر في الآيات الكونية الآفاقية والنفسية.
4-       النظر في الوقائع والأحداث التاريخية.
5-       معرفة القوانين والسنن الإلهية والكونية والاجتماعية بكل أنواعها.
*****
إنه لا ينبغي ولا يجوز للناس استخدام تلك الآية ذريعة لإيجاد طائفة كهنوتية متبعين في ذلك سنن الغابرين التي حذروا منها ونهوا عنها، إن الآية إنما نزِّلت بعد أن انتشر الإسلام وقويت شوكته وزاد عدد معتنقيه، وبالتالي لم يعد ثمة حاجة إلى حشد كل المؤمنين في كل معركة كما كان الحال من قبل بل أصبح من الممكن الاكتفاء ببعضهم، لذلك فالآية تيسر الأمر على المؤمنين ولكنها تلزمهم في المقابل بأن يخرج من كل فرقة منهم طائفة لتشارك في الجهاد مع الرسول حتى لا يفوت فرقةً ما أو قبيلةً ما هذا الشرف ولتتفقه تلك الطائفة في الدين الذي كان وفقا للطريقة الأمية يؤخذ بالتلقي المباشر من المعلم ذاته أو ممن ارتضاه أو بالتعامل المباشر مع المؤمنين الآخرين إذ لم يكن ثمة وسائل إعلام أو مدارس، ومن ثم تصبح تلك الطائفة بذلك ملزمة بأن تنقل ما تعلمته إلى الفرقة التي تنتمي إليها، ومن البديهي أنه لكل مؤمن الحق في أن يكون من الطائفة النافرة، فلا يمكن أن يكون التفقه في الدين حكرا على طائفة بعينها.
فالتفقه في الدين يؤدى إلى إدراك معانيه وقوانينه وسننه والتحقق بروحه والتحلي بقيمه وإدراك كل ما يمكن أن ينذر الناس به وكيفية تزكية نفوسهم به، ولا يعنى فقط إدراك أحكام وأشكال العبادات والمعاملات بل هو يؤدى إلى فقه مقاصدها والحكم منها.

*******

الثلاثاء، 25 أبريل 2017

مختصر القول في إقامة الصلاة

مختصر القول في إقامة الصلاة

1.        الأمر بإقامة الصلاة ثابت بالقرءان الكريم، فإقامة الصلاة أمر قرءاني كبير وركنٌ ديني ملزم.
2.        إقامة الصلاة بالمعنى العام هي إنشاء شبكة من الصلات بين مقيم الصلاة وبين كل الكيانات الأخرى وفق ما يرتضيه الله تعالى؛ أي عملا بمقتضى أوامره وسننه، ومن ذلك إقامة صلة بالله تعالى واتباعه باتباع ما أنزل من كتاب وتقديمه واتخاذه إماما، وكذلك بوصل كل ما أمر به أن يوصل، وكذلك بإنشاء وتوطيد الصلات بين الإنسان وبين كل الكيانات الإسلامية الأخرى من الأسرة إلى الأمة إلى البشرية جمعاء إلى كل ما خلق الله تعالى من أمم، فهي من تفاصيل حمل الأمانة والقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض.
3.        الصلاة الشعائرية هي الصلاة بالمعنى الخاص، وهي من وسائل إقامة الصلاة بالمعنى العام، فبها يقيم الإنسان صلة بينه وبين ربه، وبها يقيم صلات بينه وبين الكيانات الإنسانية الأقرب فالأقرب.  
4.        من البديهي أنه عند وجود أمرٍ إلهي أن يكون معلومًا للناس مسبَّقًا كيفية الالتزام به.
5.        ومن البديهي أن أوامر القرءان موجهة لقومٍ يفقهون ويعقلون
6.        القرءان يخاطب المؤمنين على أنهم يعلمون معنى إقامة الصلاة.
7.        إقامة الصلاة هي من ملَّة إبراهيم التي أُمر الرسول والمؤمنون باتباعها.
8.        الإسلام لم يبدأ بالرسالة المحمدية، والرسول لم يبدأ من الصفر، فقد كان متبعا لملة إبراهيم كما أوحى إليه ربه، وكانت رسالته مهيمنة على ما سبقها وتتويجا للدين الواحد الذي هو الإسلام، وكونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين يعني أنه تلقى الرسالة التامة والتي بها اكتمل الدين للبشرية جمعاء، لذلك كان رحمة للعالمين وليس لطائفة خاصة أو لقبيلة معينة!
9.        ولقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يقيم الصلاة من قبل أن يُبعث، ولقد كان يصلي هو والسيدة خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب قبل الجهر بالدعوة، وكان يقيمها معه من اتبعه، بمجرد انضمامه إلى زمرة المصلين، ولقد نصّ القرءان على أركانها الأعظم أهمية مثل: ذكر الله، قراءة القرءان، التسبيح، التكبير، الخشوع، حضور الذهن، الإخلاص، الانتهاء عن الفحشاء والمنكر...الخ، هذا فضلا عن جزئياتها من ركوع وسجود وتشهد وصلاة على النبي.
10.    رغم كل التأكيدات القرءانية على وحدة الدين وعلى ثبات السنن يتصرف أتباع المذاهب وكأن الرسول الأعظم وخاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قد بدأ من الصفر، وهذا ما يسبب لهم الكثير من الإشكالات وما يدفعهم إلى كثير من الشطط والضلال والشرك والكفر.
11.    القرءان أورد تفاصيل الصلاة وفق منهجه؛ أي موزعة على الآيات.
12.    القرءان ذكر بعض أسماء الصلوات صراحة، وهذا لا يعني أنه لا وجود للصلوات الأخرى، فذكر الصلوات ورد في سياق عبارات لم يكن المقصد الأساسي منها بيان عدد الصلوات مثل آيات الاستئذان.
13.    الأمر بالجزء لا يعني النهي عن باقي الكل وإنما يعني التأكيد، وعندما يأمرك ربك بالصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل فهو لا ينهاك عن الصلوات الأخرى! وعندما يأمر بالاستئذان من بعد صلاة الفجر ومن بعد صلاة العشاء فلا يعني ذلك عدم وجود الصلوات الأخرى.
14.    من الطبيعي أن تتشابه العقائد والشعائر في كل المنطقة وبين كل أديانها، فكلها ترجع إلى دين أصلي واحد، والقرءان يذكر ذلك بكل وضوح، فإبراهيم عليه السلام كان موحدا، وكان يقيم الصلاة هو وابنه إسماعيل، وكان يدعو ربه أن تكون ذريته من مقيمي الصلاة، وربما يكون قد تعلمها من المصريين القدماء كما تعلم منهم الختان، ولا شيء في ذلك، فقد كانوا على دين صحيح قبل تحريفه، وآثار قدماء المصريين تبين أن إقامة الصلاة عندهم والصيام يشبه ما في الإسلام، وكذلك الأمر في بلاد ما بين النهرين الذين نقل عنهم الزرادشتيون والمجوس الكثير من حضارتهم، فلا يجوز محاولة إبطال أمر ديني لكونه يشبه ما كان موجودًا من قبل، وإلا لجاز إبطال أركان الإيمان التي عرفها الأقدمون، وعلى سبيل المثال كان المصريون القدماء يؤمنون بالبعث بعد الموت، فهل يجب إلغاء الإيمان به خوفًا من القول بوجود تشابه؟ وهل يجوز اتهام الإسلام بأنه نقله عنهم؟
15.    كان لدى بني إسرائيل صلاة مشابهة لصلاة إبراهيم، ولكنهم أضاعوها على مراحل، وعنهم ورث المسيحيون هذا الضياع وزادوا عليه.
16.    حفظ الله تعالى إقامة الصلاة في ذرية إبراهيم من إسماعيل إكراما لهما، فهما ألحَّا في الدعاء طلبًا لذلك، لذلك لم تكن كيفية أداء الصلاة غريبة على القرشيين مثلها مثل الصيام والحج، فكيفية إقامة الصلاة بأعدادها كانت معلومة للنبي وللمؤمنين وللمتحنفين من قبل البعثة النبوية، والرسالة المحمدية كانت تتويجا وإكمالا للدين الإلهي الواحد الذي بدأ بنوح عليه السلام، ثمَّ بدأ رسميا بإبراهيم عليه السلام، فالإسلام لم يبدأ من الصفر، ولذلك لم تكن هنالك حاجة لإيراد تفاصيل العبادات العملية كالصلاة والصيام والحج لكونها كانت معلومة وإنما تم التركيز عل الجوانب الجوهرية وعلى ذكر ما تم تعديله وعلى تصحيح ما قد يكون قد تم تحريفه.
17.    كان تركيز القرءان على الجوانب الجوهرية من الصلاة، وكان إغفال ذكر الشكل الدقيق للصلاة أمرًا متعمدا، فما كان ربك نسيًّا، وقد ذكر كل ما يلزم للتطهر (الوضوء) في جزء من آية، فلم يكن ليصعب عليه أن يفعل مثل ذلك مع شكليات الصلاة، لذلك فأمر الشكليات ليس بالخطورة الرهيبة التي يتصورها المحسوبون على الإسلام، وهؤلاء يستبطنون تصور أن الله تعالى والملأ الأعلى هم مجموعة من الموظفين البيروقراطيين الذين يتابعون الالتزام الشكلي الدقيق بما ورد في كتب (الفقه).
18.    كل ما يتعلق بتفاصيل الصلاة من الأمور الشكلية والثانوية قد بيَّنه الرسول للناس بأوامره وسلوكه العملي، ومنها: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، "اجعلوها في ركوعكم"...الخ، وحُفظت هذه الصلاة بالتواتر العملي المجتمعي الجماهيري، ولم يرد أن إقامتها قد انقطعت أبدًا، ولم يكن للطغاة المتسلطين أية مصلحة في تعطيلها، بل كان من الأفضل لهم المبالغة في أمرها وشغل الناس بها، وهذا ما قام به لهم رجال دينهم، والذين بالغوا حتى قالبوا إن طاعة المتسلط الفاجر المجرم واجبة وملزمة ما لم يعطل إقامة الصلاة!!
19.    من المعلوم أن الأمور والحركات العملية البسيطة لا تندثر بسهولة خاصة وأنه قد صلى مع الرسول عشرات الألوف من الناس نقلوها إلى مئات الألوف نقلوها إلى ملايين، ولم يكن لأصحاب المصلحة في تحريف الدين مصلحة في إلغاء الصلاة أو تحريفها، ولم يكن من حسن السياسة أبداً محاولة عمل ذلك، بل كان الأفضل هو المبالغة في أمرها وتوثينها، ولذلك أخذ الناس في محاولة تسجيل كل كبيرة أو صغيرة بخصوصها، لقد حاولوا ضبط ما لم يكن بحكم طبيعته منضبطاً أبدا، فنشأت الاختلافات المذهبية التي نفخ الشيطان فيها
20.    ولقد صلى الرسول وصلى معه المؤمنون طوال العصر النبوي، وحضر معه حجة الوداع أكثر من مائة ألف مسلم، وانتقلت هذه الأمور بالتواتر المجتمعي العملي، نقلها عشرات الألوف إلى مئات الألوف إلى ملايين وحُفظ بذلك ما هو هام من شكلها الخارجي، وذكره القرءان، ولقد وصل ذلك إلى أئمة (الفقه) فدونوه من قبل أن يولد جامعو المرويات ، ولم يرد أبدا أن أحدًا من أهل القرون الإسلامية الأولى كان يصلي ثلاث صلوات فقط، فلا جدوى من التشكيك في عددها ولا في كيفية أدائها، ولا يجوز ذلك، ولم يكن لأحد من الطغاة أو المحرفين أية مصلحة في زيادة عدد الصلوات، وليس من الجائز تكذيب الحقائق الثابتة دون أية مبرر، وليت المسلمين يكفون عن اللغط في هذا الأمر!
21.    في عصر التدوين دوَّن أئمة (الفقه) ما وجدوه من الدين، فدوَّن أبو حنيفة الصلاة كما هي في مدرسة الإمام عليّ وعبد الله بن مسعود، ودوَّن الإمامية الصلاة كما هي في مدرسة الإمام علي وأهل البيت، ودوَّن مالك بن أنس الصلاة كما رأى أهل المدينة يصلون، ودون المصريون الصلاة كما تلقوها من عبد الله بن عمرو، ودون الشافعي الصلاة بعد ما وصل إليه بالمقارنة بين ما تلقاه من مالك وأتباع أبي حنيفة وبين ما وجد عليه أهل مصر، وهكذا، كان ذلك بصفة عامة قبل أن يولد جامعو المرويات وعلى رأسهم البخاري، أما الاختلاف في الأمور الشكلية الثانوية فهو وارد وممكن لأسباب عديدة؛ من أهمها أنها بالفعل أمور ثانوية، لا يجوز أن ينشغل المصلي بها عن أركان الصلاة الجوهرية، وأنه لا يمكن في بعض الأحيان التحديد الدقيق الصارم للحركات والشكليات حيث لم يكن موجودا أيامها آلات للتصوير الدقيق، ولقد ندد الله تعالى بالأسلوب البقري الإسرائيلي في التعامل مع أوامره، ولكن أبت هذه الأمة إلا أن تتبعهم شبرا بشبر وذراعًا بذراع.
22.    عندما تمَّ تدوين المرويات لم تحسم أمر خلاف كان موجودا في أمر إقامة الصلاة، ومازال أتباع المذاهب متشبثون بما تعلموه من مذاهبهم من شكليات حتى وإن ضعَّف الجهابذة بعضها.
23.    بعد إلغاء أكثر أركان الدين لحساب الأركان المشهورة تمّ توثين الصلاة، فالحرص على هذا التوثين هو الذي أدَّى إلى تضخيم شأن الاختلافات الطفيفة، فلما تفاقم التعصب المذهبي تضخم شأنها أكثر وأكثر.
24.    من كل ما سبق يتضح أن كيفيات الصلاة ثابتة بأمور راسخة، وليس بمجرد التواتر المجتمعي الجماهيري.
25.    اتخذ شياطين الإنس والجن من عدم ذكر صلاة الظهر بالنصّ الصريح في القرءان ذريعة للطعن في كماله والتشكيك في أنه مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء ولجعل ما يسمونه بالسنة قاضيا وحاكمًا عليه وناسخًا له عند التعارض
26.    ما ذكره القرءان صراحة أو ضمنا (بالفحوى أو بالمقتضى أو بالإشارة) من أمور الدين أهم بكثير مما لم يذكره.
27.    سيأتي لا محالة زمان سيندثر فيه العلم بكل التفاصيل التي أضاع الناس  جلَّ دينهم وكل شيء تقريبًا في سبيلها، وستُقبل من الناس أية كيفية أخرى تتضمن الأمور الأساسية القرءانية، فالقرءان هو الرسالة الباقية!
28.    ركن وحدة الدين وركن وحدة الأمة أقوى بكثير من شكليات وثانويات الصلاة، لذلك يقترف إثمًا كبير من اتخذ من الشكليات والثانويات وسيلة لتقويض وحدة الدين أو وحدة الأمة، ومن يجد أهل بلد يتبعون في شكليات الصلاة أحد المذاهب (الفقهية) فلا جناح عليه من أن يصلي مثلهم، فالمعول هو على الأمور الجوهرية.
29.    من الخير للمسلمين الآن أن يحاولوا إحياء أركان الصلاة الحقيقية المذكورة في القرءان مثل ذكر الله وتلاوة آيات كتابه وحضور الذهن مع ما فيها من ذكر وتسبيح والتزكي والإعراض عن اللغو ظاهرا وباطنا والانتهاء عن الفحشاء والمنكر والتفكير فيهما، ولا يجوز أن يكون الشكل الخارجي للصلاة وسيلة للإعراض عن أركان الصلاة الجوهرية ولا للتنازع والتناحر ولا لتفريق الدين ولا لتمزيق الأمة ولا لإلزام الناس باتخاذ القرءان مهجورا.

*******