الاثنين، 10 أغسطس 2015

القلب الإنساني ج2

القلب الإنساني ج2

إن القلب هو جوهر الإنسان ولبه، وهذا الجوهر هو محل الأنشطة الإنسانية، وهو مظهر الماهية الإنسانية بلوازمها من الصفات، كما أنه هو محل آثار أفعال الإنسان وأقواله وكل ما يصدر عنه، وهو الأداة التي يتذوق بها الإنسان كل ما هو من عالم الأمر من المعاني والصفات والكلمات والسنن والعلوم، وهذا التذوق يقتضى فقها وعلما وتفكرا وإحساسا بل يقتضى كافة الملكات القلبية، وتوضح الآيات القرءانية أن القلب هو محل الملكات والأنشطة الذهنية كالفقه والعلم والتدبر والعقل وكذلك محل مكارم الصفات والأخلاق والمشاعر كالإيمان والرحمة والذكر والسكينة والهدى والوجل واللين، كما أنه محل الأخلاق والصفات الذميمة، قال تعالي:
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(179)} (الأعراف)، {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} (الإسراء:46)،  {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)} (التغابن)، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب}ٌ (ق: 37)، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقرءان أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)} (محمد)، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّه}ِ (الزمر: 23)، {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(4)} (الفتح)، {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} (الحديد:27)، {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْه}ُ (المجادلة: 22)، {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(77)} (التوبة)، {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} (آل عمران: 151)، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقرءان أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)} (محمد)، {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(93)} (التوبة)، {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ(87)} (التوبة)، {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا (الإسراء: 46)}، وهذا القلب يمرض: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ(125)} (التوبة)، ومن أمراض القلب العمى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)} (الحج)، والقسوة : {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(53)} (الحج)، والرين الذى هو جماع آثار الأعمال السيئة عند استفحالها: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14)} (المطففين)، والختم: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)} (البقرة)، والطبع: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(16)} (محمد)، والزيغ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (آل عمران :7)، والريبة: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(45)} (التوبة)، أما النجاة فهي منوطة بسلامة القلب: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)} (الشعراء).

والقلب هو أعلى اللطائف الإنسانية سموا وإحاطة وهيمنة فهو مظهر الحقيقة أو الماهية الإنسانية وبه تميز الإنسان وكان قادرا على تعلم البيان، ولقد استوى عليه الاسم الذي اقتضى حقيقة الإنسان، وبالتالي فقد استوى عليه الرحمن، فالنفس الإنسانية إنما تميزت بهذا القلب الذي استوى عليه الاسم الرحمـن، لذلك فالإنسان خاضع للقوانين والسنن الرحمانية، والإنسان يتعلم كل شيء من الرحمن فهو معه أينما كان، وبمقتضى القوانين الرحمانية فإن لدى الإنسان إرادة حرة واختيارا كما يليق به، والرحمن يدبر له الوقائع التي يختبره بها ويظهر ما بطن فيه، كما أن الرحمن يستخدمه كآلة من آلاته لإنجاز مراداته ولكنه لا يستخدمه إلا وفق طبيعته الذاتية.
فالقلب هو مركز الأنشطة الإنسانية العليا والتحكم والسيطرة، كما أنه هو مركز الأنشطة الوجدانية والذهنية، لذلك فله الهيمنة على كل اللطائف الإنسانية الأخرى ومن خلالها على الكيان الإنساني كله، والإرادة والاختيار من الملكات أو بالأحرى الأنشطة الإنسانية القلبية؛ فالاختيار فعل أو نشاط قلبي عام به يختار الإنسان في كل موقف ما يلائمه من مجموعة البدائل المتاحة والممكنة، فإذا ما اختار أمرا تعلقت به إرادته أي دفعت الإنسان لإيجاده أو الاستحواذ عليه، فالإرادة هي فعل أو نشاط قلبي عام ومن تفاصيلها العزم والهمة، والاختيار يتصف بالصواب أو بالخطأ، أما الإرادة فتتصف بالقوة أو بالضعف، والاختيار والإرادة هما أخصّ ما لدى الإنسان وأصدق ما لديه تعبيرا عن حقيقته الذاتية، ولا يملك إنسان آخر أو شيطان أن يتسلط عليهما إلا إذا سمح الإنسان نفسه بذلك، كما أنهما مناط استفادة الإنسان من أعماله التكليفية بل إن تلك الأعمال إنما جعلت مجالا لعمل هاتين الملكتين.
والأفعال الإنسانية الصادرة بمقتضى إرادة قلبية نافذة لا بد لها من آثار تنفذ عبر لطائف الإنسان إلى القلب نفسه، فإذا كانت الأفعال سيئة تراكم ما يتناسب معها من رين علي القلب واكتسب بذلك مزيدا من الاستعداد للعمل السيئ إلى أن يبلغ تراكم الرين حدا خطيرا وهذا هو الفسق، فإذا استمر الإنسان في التدهور والانحطاط يصل به الأمر إلي ألا يجد في نفسه أية رغبة في التوبة ويفقد الإيمان الحقيقي، فإذا ما استمر انحطاطه بممارسة الأعمال التي اقتضاها فسقه فإنه يصبح داعية إليها، وبذلك يصبح شيطانا من شياطين الإنس، فإن كان الغالب عليه لون واحد أو بعض الألوان من الفسق كان شيطانا جزئيا، أما إن كان فسقه قد وصل إلى الأعماق فقد كفر بربه كفرا حقيقيا ويصير شيطانا كليا، والإنسان بتدهوره وازدياد فسقه يكتسب باستمرار استعدادات جديدة تؤهله لإفاضات من الشيطان تزيده تعلقا بألوان المعاصي التي يقترفها، وعلامة الإنسان الفاسق الذي ضمن لنفسه مكانا في النار هو أن يبادر إلى اقتراف المعاصي دون خوف أو وجل وأن يقدم عليها بكل قوى وجوده ولا يهتز باطنه ولو قليلا للنذر، أما إذا كانت الأفعال حسنة وصادرة بمقتضى عزم قلبي أكيد فإن الآثار الحسنة للفعل تعود إلى القلب فتكسبه استعدادا لإفاضة من عالم الأمر فتفاض عليه ويعبر عن ذلك بالتأييد بالروح، فهذا التأييد مضاد لنفث الشيطان ووسوسته وهمزاته.
ولما كان الفؤاد هو بمثابة ظاهر القلب، فيطلق على باطن القلب مصطلح القلب أيضا، فهو يتضمن ما يسمونه الآن بالعقل الباطن.
وآثار الأفعال هي ما يكتسبه القلب ويؤاخذ به الإنسان، قال تعالى:
{لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(225)} ( البقرة).
فالآية توضح أن المؤاخذة تكون وفق الكسب القلبي أي ما اكتسبه قلبه من صورة نتيجة لما صدر عنه من قول أو فعل، والذي يؤثر في القلب هو ما صدر عن القلب أي بعزيمة وهمة قلبية نافذة سواء أكان الصادر طاعة أم معصية، قال تعالي:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)} (الرعد)،
فأثر ذكر الله وهو الطمأنينة كان محله القلب، أما أثر إخلاف ما وعدوه وكذلك أثر الكذب فهو النفاق، قال تعالي: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(77)} (التوبة)، أما الأعمال الأخرى فإن آثارها لا تنفذ إلى القلب ولا تلتصق إلا بطبقات الإنسان السطحية، وبالقلب يتذوق الإنسان أنوار الأسماء الحسنى ويتحقق بما لديه الاستعداد للتناغم معه من مقتضيات الأسماء ومما تشير إليه من معان وصفات.
والقلب الإنساني لديه عند بدء تكوينه الملكات بصورة كامنة وقابلة للنمو والتفتح، ولكن ليس لديه بالضرورة مجالاتها وموادها، فلديه مثلا ملكة العلم ولكن ليس لديه بالضرورة معلومات، فالطفل يتصرف أولا بمقتضى فطرته وشيئا فشيئا تتفتح ملكاته الكامنة بالنمو الطبيعي وبالاستعمال، واكتساب المواد لازم لنمو وتفتح المجالات، والإنسان من حيث أنه مقدَّر (Designed) ليكون خليفة في الأرض لديه من الملكات ما يمكِّنه إذا ما أعملها من إدراك كل ما يلزمه معرفته من لوازم هذا الاستخلاف ومن إدراك كل أمر جديد وصياغة تصور عنه بما هو مألوف لديه من مفاهيم وأفكار ورموز.
ولما كان كل من العالم الخارجي والعالم النفسي الخاص بالإنسان من مقتضيات وآثار نفس منظومة الأسماء الحسنى كان اتساق المعرفة العقلية مع حقائق العالم الخارجي والنواميس الوجودية ممكنا وإن كان هذا يستلزم رقى الملكات الإنسانية وتزكيتها بكثرة الاستعمال السليم، ولذا فإنه يمكن القول أيضا أن معرفة قوانين وسنن العالم الخارجي تساعد الإنسان على معرفة نفسه ورؤية الآيات فيها.
والقلب الحقيقي ليس هو القلب العضلي، وإن كان له ارتباط به، وفي القلب العضلي ما يسمح بالتفاعل مع القلب الحقيقي وتلقي أوامره.
إن القلب هو محل الملكات الذهنية كالفقه والعقل والذكر كما أنه هو محل الملكات والأمور الوجدانية؛ فهو محل الإيمان والتقوى والهدي والخشوع والوجل والرأفة والرحمة واللين والطمأنينة والسكينة وهو أيضا محل القسوة والغلظة والتجبر والزيغ والرعب والحسرة والغل واللهو والحمية والريبة والاشمئزاز من الحق والنفاق والفسق…، ووسائل القلب هي النوافذ التي سمح له بالتطلع من خلالها إلى مجالاته، وتلك النوافذ قد صممت وقدِّرت بحيث تحقق الغاية من وجود الإنسان وهو الظهور التفصيلي للحسن المطلق، ووسائل القلب تشمل الحواس المعروفة والتي تنقل إلى المخ ما يترجم علي أنه صورة أو صوت أو طعم أو رائحة أو نعومة أو ألم أو حرارة أو رطوبة أو لين أو صلابة أو صلادة أو هشاشة أو جوع أو عطش أو خفة أو ثقل....، وتلك الوسائل هي حواس الإنسان الظاهرة أو البارزة، وهي تشمل بالإضافة إلى الحواس الأربع الإحساس الجلدي والإحساسات الحشوية والإحساسات العضلية، وللإنسان كيانه الباطني الذي لديه هو الآخر حواسه والتي يمكن بإيقاظها وتنميتها سماع أصوات أو رؤية صور هي فوق إدراك الحواس الظاهرة مع احتفاظ هذا الإنسان بكونه بشرا سوياً، ومن البديهي أن كل المعاني والكيانات والإدراكات المتولدة في الكيان الإنساني لا وجود لها إلا به دون أن يعني ذلك نفي المؤثر الخارجي، والحواس مثلها كمثل الهوائي المعلوم؛ ولاستخلاص البيانات والمعلومات من الكيان الحامل المؤثر المستقبل لابد من أجهزة تلقٍّ وإحساس (Receivers & Sensors)  وخطوط نقل وأجهزة تحويل ومعالجة واستخلاص، كما يلزم كيان ذو وعي وإدراك لفقه وعقل البيانات والمعلومات، فأجهزة النقل والمعالجة والاستخلاص هي الجهاز العصبي أما من يفقه ويعقل ويفسر المعلومات ويصدر التعليمات بناء علي ما وصل إليه فهو القلب الإنساني بملكاته الذهنية والوجدانية، والإنسان يحكم ويريد ويختار بقلبه، فباستقبال مجموعة من المعلومات المتعلقة بأمرٍ ما تبدأ سلسلة من العمليات التي هو مبرمج عليها ومقدر (مصمم) للقيام بها، بيد أن التحكم في النشاط الذهني وإدارته أشد تعقيدا من توجيه الحواس البارزة وذلك لتداخل عوامل كثيرة وبفعل تأثير الكائنات اللطيفة التي تلقي في قلب الإنسان ما يحلو لها وما يتوافق مع طبيعتها فيظن الإنسان أن ما هو في قلبه إنما هو من عنده، هذا بالإضافة إلى أن حواس الإنسان الباطنة تستقبل باستمرار من عالم الخيال ما هو متلائم معها ومع الأمر المنظور، كما أن الإنسان يختزن في حافظته كثيرا من المعلومات والخبرات التي هو ليس علي وعي تام بها فقد تستدعي إلى الذاكرة الرئيسة إذا كانت ذات صلة ما بالموضوع المنظور، ومجال الملكات الذهنية هو عالم الأمر، والكيانات الأمرية التي هي مجال تلك الملكات هي المفاهيم والتصورات والمعاني والمعلومات والقوانين والسنن، والمفاهيم والتصورات قد تكون مستخلصة من عالم الخلق وقد تكون ملقاة في القلب الإنساني، والمعاني قد تكون فطرية وقد تكون ملقاة، أما القوانين فتعبر عن ارتباطات بين مفاهيم وتصورات تقابل ما هو في عالم الشهادة، أما السنن فهي القوانين الخاصة بالكيانات المخيرة.
-------
إن الإنسان مزود بأدوات استشعار أو أعضاء حس تتأثر بالكينونات والكيانات الخارجية عن طريق وسائط أخري كضوء الشمس والهواء مثلا، وذلك في نطاقات محددة؛ فيحدث في تلك الأدوات تغييرات تتناسب بطريقة ما مع المؤثر، وتنتقل تلك التغيرات عبر الأعصاب إلى مراكز معينة في مخ الإنسان فتسبب بدورها تغيرات أخري هي التي يترجمها الكيان الجوهري اللطيف إلي الصور التي ألفها الإنسان، وهي تسبب في قلب النفس انطباعات وأفكارا، والانطباع هو عبارة عن إدراك أو عاطفة أو شعور يدركه الجانب الوجداني من القلب، أما الفكرة فيدركها الجانب الذهني منه، والتصورات الإنسانية عن الأشياء الخارجية ليست بذات حقيقة موضوعية، والصور البصرية ليست إلا جزءا من هذه التصورات أو هي من مقومات التصور، فالصور البصرية والسمعية واللمسية والشمية التي تتكون لدى الإنسان هي نتاج التفاعل بين ما لدي الإنسان من حواس وملكات مفصِّلة وجهاز مركزي وبين الشيء الخارجي والعوامل الوسيطة، وكون الأمر كذلك لا ينفي عن الشيء الخارجي حقيقته الموضوعية ولا يجعل من تلك الحقيقة أمرا خارجا عن نطاق العالم.
-------
إن ثمة طائفة من المعاني والمفاهيم والمشاعر الوجدانية يتذوقها الإنسان بما لديه من ملكات وجدانية والتي يشكل جماعها الجانب الوجداني من القلب الإنساني، ومن تلك الأمور الحب والسرور والفرح والغبطة واللذة والسعادة والرغبة والرهبة والخوف والخشية والإرادة والتقوى والطمأنينة والإيمان والفقه والعقل والوجل والإخبات والإنابة والانشراح وآثار الأعمال والرعب والكفر والقسوة والغلظة والنفاق والكراهية والإنكار والعمى والريبة والزيغ والإثم والحسرة...…إلخ، ولابد لاكتمال تذوقها من العمل الكلي للقلب بشعبتيه، ولابد بالطبع لكي يتم ذلك من عمل حواس وملكات الإنسان الأخرى ولابد من المؤثرات الخارجية، فالإنسان لا يتعين ولا تفصَّل إمكاناته وتصوراته إلا في بيئة إنسانية.
-------
إن الملكة القلبية الوجدانية لا تتذوق الأحاسيس والمشاعر فقط وإنما تتذوق العلوم المحكمة المبهمة والتي يشكل جماعها الحكمة بمعنى من معانيها، فتمهد بذلك لعمل الملكة الذهنية التي تتناولها وتتذوقها من حيث هي مفصلة أو تقوم بهذا التفصيل والتحليل فتجعلها في مستوى وعي وإدراك الإنسان بحيث يمكن التعبير عنها بالمصطلحات المألوفة أو بيانها وتداولها ونقلها إلى الآخرين، وقد يستلزم الأمر صكّ مصطلحات جديدة.
-------
إن أجدى الأمور اللازمة لسلامة الإنسان هي تزكية قلبه، والقلب هو لب كيان الإنسان الجوهري وهو الذي يتلقى الأمور من عالم الغيب ويتذوق الكيانات الأمرية، والقلب هو محل الملكات الوجدانية والذهنية والعامة، وأمراض القلب هي أخطر ما يصيب الإنسان، وسلامة القلب هي سبيله إلى النجاة، فلن يفلح إلا من أتى الله بقلب سليم.
والقلب هو محل تلقي الأمور من عالم الغيب، والله سبحانه يعامل الإنسان وفق ما هو في قلبه، وأخطر الأمراض هو ما يصيب القلب من حيث أنه هو الكيان الجوهري، وأخطر ما يهدد الإنسان هو أن يُختم أو يطبع على قلبه، وهذا يكون بسبب آثار أعماله، ومن أفضل ما يفوز به الإنسان أن يكتب الله الإيمان في قلبه ويجعل قرءانه آيات بينات في صدره، وما يكتسبه القلب الإنساني من صورة نتيجة لآثار أعماله الاختيارية هو الذي يحدد مصيره ومكانته في الآخرة.
والآيات الآتية تلقي الضوء على طبيعة هذا الكيان:
{قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }البقرة97  *  وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  البقرة260  *  {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }البقرة283  *  {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}آل عمران159  *  {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24  *  {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }النحل106  *  {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }الكهف28  *  {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }النور37  *  وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ{87} يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{89} الشعراء89  *  وإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ{192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ{193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ{194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ{195} الشعراء  *  {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ }الأحزاب4  *  وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ{83} إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{84} الصافات  *  {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ }غافر35  *  {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }الشورى24  *  {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }الجاثية23  *  وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ{31} هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ{32} مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ{33} (ق)  *  {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }ق37  *  {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }التغابن11  *  {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }البقرة7  *  {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }البقرة10  *  {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }البقرة74  *  {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }البقرة88  *  {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }البقرة225  *  {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ }آل عمران7  *  {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }آل عمران8  *  {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}آل عمران103  *  {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }آل عمران126  *  {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}آل عمران151  *  {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }آل عمران154  *  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }آل عمران156  *  {وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }آل عمران167  *  {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ }المائدة13  *  {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة41  *  {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا}الأنعام25  *  {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام43  *  {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ }الأنعام46  *  {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }الأعراف100  *  {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179  *  {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }الأنفال2  *  {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال10  *  {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ }الأنفال11  *  {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }الأنفال12  *  {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال49  *  {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال63  *  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنفال70  *  {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ }التوبة8  *  {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }التوبة15  *  {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ }التوبة45  *  {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ }التوبة77  *  {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ }التوبة87  *  {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }التوبة93  *  {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }التوبة110  *  {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }التوبة117  *  {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}التوبة125  *  {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون }التوبة127  *  {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ }يونس74  *  {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ }يونس88  *  {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }الرعد28  *  {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ }الحجر12  *  {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ }النحل22   *  {أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }النحل108  *  {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقرءان وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً}الإسراء46  *  {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً }الكهف14  *  {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }الكهف57  *  {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ }الأنبياء3  *  {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }الحج32  *  {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }الحج35  *  {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }الحج46  *  {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ }الحج53  *  {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الحج54  *  {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ }المؤمنون63  *  {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }النور37  *  {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ }الشعراء200  *  {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }الروم59  *  {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }الأحزاب5  *  {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا }الأحزاب10  *  {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}الأحزاب26  *  {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً }الأحزاب51
والختم على القلب هو بمثابة إغلاقه على ما هو فيه وحسم أمره، أما الطبع على القلب فيؤدي إلى جعل صفاته السيئة طبعا أو سجية له فلا يستطيع التطهر منها، وكل ذلك يتم بمقتضى سنن حقانية لا ظلم فيها ولا انحياز، وهي تتم عندما تبلغ آثار الأعمال السيئة حدا معلوما، ومن علاماتها ألا يبغي الإنسان عن حالته السيئة حولا وألا يتطلع إلى أي إصلاح لنفسه، بل ينفر ويتأذى منه.
إن للقلب ملكاته الذهنية وملكاته الوجدانية، وله ملكاته العامة أيضا، ولكن له مع كل ذلك وفوقه ملكاته العليا التي يمكنها الاتصال المباشر بعالم الغيب دون توسط من المخيلة أو عالم الخيال.

*******





الأعراف 1 إلى 5

الأعراف 1 إلى 5
 
المص{1}
هذا الرمز هو إشارة إلى أن هذا الكتاب الذي أنزل علي قلب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وفُصِّل في صدره هو أولي بالاتباع من كل ما هو دونه من أولياء وغيرهم، فهو إشارة إلى ضرورة استغناء الكائنات بما أنزل إليهم من كتاب وأن في اتباعه صلاح أمرهم، فهذا الرمز إشارة إلى أن هذا الكتاب هو كيان أمري حقيقي وأنه صلة بين الله سبحانه وبين خلقه وأن به تمت كلمته صدقا وعدلاً وأن به سيكون الفصل بين الناس وتمييز الخبيث من الطيب والصالح من الطالح.
وهذا الرمز أيضاً إشارة إلى المصير الذي سيتحدد لكل إنسان بناءً على موقفه من الكتاب.

وهذا الرمز يشير في أعلى مراتبه إلى الله تعالى وفى تلك الحالة تشير الصاد إلى ضرورة إخلاص الدين له، ووجود اللام يشير إلى أن هذا الكتاب المنزل هو وسيلة الصلة به، ووجود الميم إشارة إلى أنها الوسيلة الجامعة الشاملة. 

-------

كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ{2} اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ{3}
إن كل الناس –بما فيهم الرسول نفسه- مأمورون أمرا بيِّنا باتباع هذا الكتاب المُنْزَل، وهم مأمورون بالإعراض عما سواه مما يخالفه، وليس مسموحاً لأحد بأن يغيِّر شيئاً من آياته أو من فحوى آياته أو من سننه أو بيانه أو موازينه، ولقد بين القرءان بكل وضوح أن ما أُنزل هو آيات الكتاب المبين؛ أي آيات القرءان الكريم، فالقرءان هو الكتاب الذي يبيِّن نفسه بنفسه، وهو حجة على كل الناس وعلى كل كتاب غيره، ومن أراد أن يبيِّن آية ما للناس فليبينها بما يعالج نفس ما ورد فيها من الآيات الأخرى.
ويلاحظ أنه سبحانه قال: { وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}؛ وفى هذا بيان وأمر بضرورة تغليب الحقانية أو الموضوعية على الأمور الذاتية والشخصية؛ أي إنه على الإنسان أن ينشد معرفة الحق حتى يعرف رجاله وأولياءه، وباتباع ما أُنزل من الكتاب يأمن الناس شرّ الانزلاق إلى تفريق الدين وتمزيق الأمة وجعلها شيعا يذوق بعضها بأس بعض، ومن المعلوم أن المؤسسات الكهنوتية هي المدافع الأول عن ضرورة الإبقاء على التمذهب والتشرذم والتمزق فتلك هي حرفتهم ومهنتهم التي يتكسبون منها ولا يجيدون سواها، والآية لا تمنع الاختلاف في التفسير أو التأويل بل تقره لأنها تأمر باتباع ما أُنزل، وما أنزل هو ما يدركه الإنسان مما نُزِّل باتباع منهج قرءاني وبإعمال منطق قرءاني وبعد بذل جهده ووسعه وإعمال ملكاته بصدق وإخلاص، وعلي مثل هذا الإنسان أن يظهر لنفسه وللناس مستنده ودليله من الآيات الكتابية والكونية، وعندها يجب على الناس ألا يماروه على ما رأى، بل عليهم أن يأخذوا برأيه إذا ما قدَّم بين يديه ما يلزم من الحجج والبراهين، ولكن لا يجوز أن يكون الاختلاف موجباً للتفرق والتشرذم والتنازع.
أما من أصر على اتباع أولياء من دون الله عندما تتعارض أو تتصادم أقوالهم أو أفعالهم أو آراؤهم مع كتاب الله تعالى فهو مشرك لا يستحق شفقة، ولكن لا يجوز عقابه في الدنيا طالما لم يهدد سلامة الآخرين أو حقوقهم، إما إن أصرّ على فرض باطله على الناس أو إكراههم على الإيمان به فهو من شياطين الإنس مهما تزيَّا بزيّ الصالحين.
ويجب العلم بأن شخصنة الدين أي تحويله إلى ولاءات لأشخاص معينين هو من أول أسباب تحريف الدين وتفريق الدين ومن أكبر أسباب الشرك الذي يتسلل في البداية كشرك خفي ثم يستفحل ويتحول إلى شرك مبين، لذلك قد تجد أحد المأفونين من أتباع المذاهب يتطاول على الله ورسوله ويسبّ الدين دون أن تهتز له شعرة ولكنه يستشيط غضبا وقد يقتل من رآه ينتقد واحدا ممن يتبعهم أو يقدسهم من البشر.
وربما كان الذنب الأكبر الذي اقترفته الأمة من بعد الرسول هو اتباع أولياء من دون الله، هؤلاء يتمثلون في أئمة المذاهب بشتى أنواعهم وفي المشايخ بشتى توجهاتهم، والإثم هو في تغليب ما يقولونه وتقديمه على كتاب الله تعالى.
وكل ما هو منسوب إلى بشر لا يجوز نسبته إلى الله تعالى، وعلى سبيل المثال لا يجوز أن يُقال إن كتب المرويات هي الوحي الثاني أو الحكمة الإلهية أو مثل القرءان، ولا يجوز فرض أية عقيدة على الناس بهذا الشأن متعللين مثلا بصلاح من نُسبت إليه الكتب.


=======
وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ{4} فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ{5}
المقصود بالقرية هنا القرية بالمفهوم القرءاني، فالقرية في القرءان ليست كالقرية وفقا للمفهوم الدارج الآن، فهي تعني الدولة (State) بما تتضمنه من سكان وأرض وغير ذلك، فـ"الدَوْلة" كلمة غير قرءانية، و"القرية" هي التي تؤدي معناها، لذلك فهناك القرى الكبيرة، وهناك أيضا: المدينة-الدولة (City-State) ، فالقرية هي الكيان المستقل بأرضه وقومه أو ناسه بالمفهوم العصري، هذا الكيان قد يكون قبيلة أو قد يكون شعبا، فمن القرى الكبيرة: دولة عاد، دولة ثمود، مصر القديمة، دولة قوم لوط، دولة مدين...الخ، ومن القرى التي هي دولة-مدينة: مكة، الطائف، أثينا، إسبرطة .... الخ.
والآيات تشير إلى مصير من أبى اتِّباع ما أُنزل إليه من ربه، إنه عندما يصل الأمر إلى أن تأبى قرية كاملة هذا الاتباع فسيحقّ عليها الهلاك وفقاً للقوانين والسنن، وسيأتيهم هذا العذاب بغتة من حيث لا يشعرون ومن حيث لا يتوقعون، ورد الفعل الطبيعي الذي سيصدر عنهم هو الإقرار –بعد فوات الأوان- بأنهم ظلموا أنفسهم، والله سبحانه ينسب إلى نفسه فعل إهلاكهم لأن ذلك يتم وفق قوانينه وسننه وبفعل جنوده الذين هم بمثابة آلاته وأدواته، وكان هذا الهلاك يتم في الماضي على مستوى عالم الشهادة، أما الآن فالهلاك يلحق بالكيان الجوهري للقرية ككل، فتصبح مكان سوء ويصبح أهلها أهل سوء.
والمطلوب من المسلم أن يتقي الله ربه وأن يتبع ما أنزل إليه منه وأن يدعو إلى سبيله بأفضل وأنبل الصور والوسائل حتى لا يشيع بين الناس العصيان وتتمرد القرية أو المجتمع بالكامل على الأوامر الإلهية.



 *******

السبت، 8 أغسطس 2015

كيف يعيش المسلم في دولة علمانية

كيف يعيش المسلم في دولة علمانية

1.            الفرد المسلم مطالب أولا بالقيام بأركان الدين الملزمة للفرد في دين الحق.
2.            الفرد المسلم مطالب بتحقيق المقصدين الدينيين الأول والثاني، وهما خاصان بالفرد، فيتزود بالعلومِ اللازمة لصلاحِ أمره في الدنيا والآخرة وعلى رأسها العلمُ بالله عزَّ وجلَّ أي العلمُ بأسماء الله الحسنى وبسماته وشؤونه وسننه ومقتضيات ذلك من الأمور الغيبية، ومنها كلُ ما يتعلقُ باليوم الآخر، وكذلك العلمُ بما يتضمنه كتابه من الأوامر والوصايا والمعلومات والبينات، ويعمل على أن يكون ذلك الإنسان الربانيِّ الفائق (أي الصالح المفلح المحسن الشاكر)؛ أي الإنسان الذي يجسدُ المثلَ الإسلامي الأعلى علي المستوي الفردي والمؤهلِ للعيش السعيد والفلاح في الدنيا والآخرة، الإنسان الذي يسعى لتحقيق مقاصد الدين بالقيام بأركان الدين الحقيقية الملزمة للفرد، الإنسان المستخلفٍ في الأرض والحامل للأمانة والمكرم والمفضل والعلة الغائية لخلقِ السماوات والأرض، والإنسانُ الفائق هو الذي يتميز بأرقى ملكات ذهنية ووجدانية ممكنة وبأعلى تأهيل علمي ومهني ممكن وبأسلم وأصلح بنيانٍ مادي، هذا الإنسان الصالح هو الذي يمكن أن يباهي به الله ملائكته، وهو الذي يحق له أن يقول: "إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ".
3.            إذا كوَّن أسرة يكون ملزما معها بتحقيق المقصد الديني الخاص بالأسرة وهو إعدادُ الأسرةِ الصالحة المفلحة، والأسرةُ الصالحة هي أسرةٌ شرعيةٌ قانونية تتسم بالتماسك وبسلامة ومتانة البنيان وبارتباط كل فرد منها بالآخرين بأواصر المودة والرحمة والاحترام، يقوم الوالدان بحقوق أولادهما، ويوقر الأولاد الوالديْن ويقومون بحقوقهما، فوجود هذا الكيان الإنساني المسمى بالأسرة هو أمرٌ لازم لإعداد الإنسان الرباني الفائق المفلح وهو المدرسةُ الأولى والمعملُ الأول الذي يتم فيه تربيته وإعدادُ وتنمية شخصيته وتوفيرُ البيئةِ اللازمة لكي تتفتحَ ملكاتُه ومداركُه وكذلك يتمُ منه تزويده بالعلوم والمهارات الأساسية والأولية اللازمة لكل ذلك، وفي الأسرة يجب أن يتلقى الطفل ويألفُ المنظومةَ المعنوية الإسلامية؛ أي منظومة القيمِ والتصوراتِ والمفاهيم والسننِ والأوامر الإسلامية.
4.            يستطيع الفرد القيام بكل ذلك دون أن يدخل في أي صدام مع الدولة التي يعيش فيها والتي اتخذها وطنا.
5.            قيامه بالأركان الملزمة له، وسعيه لتحقيق مقاصد الدين يلزمانه بالقيام بواجباته نحو وطنه الذي يعيش بالفعل فيه وبالتعايش السلمي مع شتى مكوناته، وهو ملزم بالدفاع عنه ضد أي اعتداء عليه مهما كانت الشعارات التي ترفعها القوة المعتدية.
6.            المجتمع المسلم ملزم بإعداد وبناء أمة واحدة، ليس بمعنى الجيتو، ولكن الأمة هي المجتمع ذو البنية المتماسكة الذي يكون كل فردٍ مسلم لبنة فيه، وهم يتعاونون لصالحهم ولصالح وطنهم، ولا يوجد أي تعارض بين المصلحتين في المجتمع العلماني السليم.
7.            هذه الأمة تكون ملزمة بالقيام بأركان الدين الملزمة لها لتحقيق المقصد الديني الخاص بها، وليس مسموحا لها بأن تتصرف كدولة داخل دولة، ولكنها ملزمة بالتعايش السلمي المثمر البناء مع باقي مكونات الشعب الذي تكون هي جزءا منه.
8.            ليس مطلوبا من هؤلاء المسلمين قتال مواطنيهم ولا ترويعهم ولا التآمر عليهم بحجة إقامة خلافة أو إلزامهم بدفع جزية، هذا من العدوان الإجرامي المنهي عنه وهو من الحيل الشيطانية لصد الناس عن سبيل ربهم.
9.            ليس مطلوبا من هؤلاء المسلمين تأجيج الفتن وسفك الدماء لإلزام الناس بتطبيق أشكال العقوبات المعروفة في الإسلام، ومن الأولى أن يلتزموا هم أولا بالامتناع عن اقتراف كبائر الإثم مثل القتل والزنا والسرقة.
10.        لا يجوز لهؤلاء المسلمين التمسك بعادات وتقاليد أعراب العصور الوسطى أو محاولة إلزام الناس بها، هذا يتناقض مع عالمية الإسلام.
11.        من حق الدول التي يعيشون فيها أن تتخذ ما يلزم من إجراءات ضدهم لدى أية محاولة منهم لتعكير صفو السلام أو لتدمير بنية المجتمع.
12.        كل مسائل المأكل والمشرب والملبس محكومة بالسنة التشريعية: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم}، والذي يحدد هل يوجد اضطرار أم لا هم أولو أمر الأمة في البلد، وليس في خارجها، وأولو الأمر هم العلماء الحقيقيون المؤهلون في شتى المجالات ذات الصلة بالأمر، وهم ملزمون بأن يقدموا للناس البدائل وليس أن يضعوا عليهم المزيد من الإصر والأغلال، فإن لم يوجدوا فكل إنسان على نفسه بصيرة، هذا مع العلم بأنه ليس من مقاصد الدين العظمى ولا أركانه الكبرى مسائل المأكل والمشرب والملبس وأشكال العقوبات، ولا يجوز أن تكون هذه المسائل وسائل لتأجيج الفتن وتقويض المجتمعات وسفك الدماء والإفساد في الأرض.
*******


الخميس، 6 أغسطس 2015

نظرات فيما يُسمى بـ(تفسير القرءان)

نظرات فيما يُسمى بـ(تفسير القرءان)

1.             القرءان يفسِّر نفسه بنفسه، بل هو عين التفسير، قال تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33]، فالقرءان هو الحق، وهو أحسن التفسير، وهو بلسان عربي مبين، وهو مُيَسَّر للذكر، ولكن المحسوبين على الإسلام يعاملونه وكأنه مجموعة من الطلاسم أو كتاب مشفَّر يجب البحث عمن يفسِّره لهم.
2.             المطلوب من علماء الإسلام استخلاص الدين من القرءان واستنباط قوله فيما تناوله من مسائل وما يستجد منها، وليس المطلوب إعادة كتابة ما فقهوه منه بأسلوبهم وتسمية الناتج تفسيرا.
3.             أفضل ما يمكن أن يقدمه المتخصصون للناس هو شرح ما أصبح مهجورا من الألفاظ القرءانية لانتشار الجهل باللسان العربي.
4.             في القرءان آيات محكمات واضحة المعاني يفقهها كل من لديه السليقة العربية، وهي تتضمن كل ما هو ملزم للناس في الدين، وفيه آيات متشابهات تتعلق أساسا بعالم الغيب، بعضها يتعلق بالغيب النسبي، وهذه تأويلها حدوثها، وبعضها يتعلق بما هو لله تعالى، وهذه لا يعلم تأويلها إلا الله، ولكن يتحسن إدراك الناس لها بتقدم العصر والعلوم.
5.             لا وجود لشيء اسمه كتب تفسير معتمدة أصلا، كلها كتب كتبها بشر يخطئون ويصيبون.
6.             القرءان كتاب مبارك متجدد العطاء، ومن أركان الدين تدبره وإدامة النظر فيه، ولابد لهذا التدبر من ثمار، وهذا أمر مستمر ليس من حق بشر إيقافه.
7.             محاولة إلزام الناس بـ(فهم) سلف أو خلف هي تطاول على كتاب الله، وتحجيم له وتقليل من شأنه، فلا يمكن للأجيال القديمة أن تحيط به علما من كافة جوانبه، وقد رأى الناس أن التقدم العلمي قد ساهم في تحقيق فقه أفضل لآياته، هذا فضلا عن أن هذه المحاولة تتضمن ألوانا من الشرك المهلك.
8.             أكثر هؤلاء المفسرين فرضوا على القرءان خزعبلات وأساطير أهل الكتاب، فأصبح شغل المصلحين الشاغل كيفية تطهير الدين منها، وهذا أمر قائم ثابت، ولا يجادل فيه إلا جاهل.
9.             هؤلاء المفسرون كانوا مقيدين بضلالات مذاهبهم، وقد فرضوها على القرءان فرضا.
10.        هؤلاء المفسرون كانوا مقيدين بسقفهم الحضاري، وكانوا يعيشون في عصور جهل وطغيان واستبداد وجواري وانحطاط وغلمان وتخلف بشع مقارنة بهذا العصر.
11.        هؤلاء المفسرون لم يعرفوا بصفة عامة طريقة منهجية للتعامل مع القرءان.
12.        التفسيرات الحقيقة والتأويل الحقيقي لآيات القرءان يأتي على أيدي المؤهلين لذلك، مثال: قال تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} الغاشية، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} العنكبوت، هذه الآيات لم يعلم لها السلف تأويلا ولا تفسيرا، وإنما علم التأويل والتفسير المتخصصون في العلوم الطبيعية، وكان علماء الغرب هم السباقون إلى ذلك، فلا يجوز اتخاذ جهل وتقصير السلف والخلف حجة على الناس، وبالأحرى لا يجوز توثين أقوالهم ولا جعلها أحجار عثرة في سبيل تقدم الأمة.
13.        أكثر التفسيرات تأخذ من أول تفسير كُتِب للقرءان، والأمر كما قال أحد المسيحيين الذي كُلف بدراسة التفاسير للطعن في القرءان، فقد استهول الأمر في البداية، ولكنه سرعان ما اكتشف أنها كلها تفسير واحد!
14.        لو كانت هذه التفاسير علمية منهجية لما انفرد كل مفسر بتفسيره الذي كرر فيه كلام غيره، وإنما كان يمكنه البناء عليه وتجاوزه كما يحدث في أي علم، فمن المعلوم أن العلم الحقيقي تراكمي.
15.        هذه التفاسير لا يجوز اعتبارها مكافئة للقرءان نفسه ولا اعتبارها بمثابة التأويل النهائي للقرءان، هذا شرك عظيم وكفر مبين، وسيظل للقرءان عطاؤه المتجدد في كل عصر يتلقاه الصفوة ويعارضهم المشركون والجهلة، ومن المعلوم أن أكثر الناس كما ذكر القرءان الكريم لا يعلمون ولا يفقهون ولا يؤمنون ولا يشكرون ولا يسمعون ولا يعقلون وهم للحق كارهون وهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، وهم لا يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ، وقد كانوا دائما قتلة الأنبياء والأعداء الألداء للمصلحين، وإنما القيمة هي لرأي الصفوة من أولي الألباب.
16.        ما يلزم أساسا من الكتب التراثية هو الأمور اللغوية وهي تتضمن العلم بالمعاني اللغوية للألفاظ والمسائل النحوية، وعالم اللغويات المتخصص في اللسان العربي لا يجوز أبدا اعتباره رجل دين بأي معنى من المعاني، وما يقوم به يمكن الحصول على أفضل منه بالوسائل الإلكترونية الحديثة.
17.        ما يُسمى بأسباب النزول وردت في مرويات ظنية لا يجوز بصفة عامة تحكيمها في القرءان قطعي الثبوت ولا تقييده بها! ومما يكشف ضلال التقيد بها اضطرارهم إلى القول بالنزول المتعدد للآيات واختلافهم فيما يتعلق بأولها وآخرها نزولا، والحق هو أن آيات القرءان حجة على كل الآثار والمرويات التي تتعلق بالسيرة وأسباب النزول وأقوال الرسول.
18.        لا يجوز أصلا استعمال تسمية أسباب نزول، ويمكن استعمال مناسبات تنزيل بدلا منها، ومن الضلال أنهم يلزمون الناس بهذا القول مع إلزامهم بالإيمان بأن القرءان قديم غير محدث وأنه صفة إلهية قديمة، فكيف يكون اللاحق سببا للقديم السابق؟
19.        من يرجع إلى ما يسمونه بكتب التفسير المعتمدة سيظل يدور في حلقاتهم الضالة والجهلوتية القديمة.
20.        لو كان في هذه الكتب خير لانتفعت به الأمة ولما كان هذا هو حالها، فلا يمكن أن يكون الدين الحقيقي سببا لجهل وتخلف الناس، وإنما سبب الجهل والتخلف ما قدمه الناس كبدائل له؛ أي المذاهب التي حلَّت محله.
21.        من يقرأ ما يُسمَّى بكتب علوم القرءان وكذلك ما أوردته كتب المرويات عن القرءان لابد أن ينتهي به الأمر إلى الكفر والإلحاد إن كان قد بقي لديه ذرة من عقل، فهي أمضى سلاح بيد أعداء الإسلام ضد القرءان.
22.        يوجد مئات الألوف بطول همجستان وعرضها يحفِّظونهم كتب التفسير المعتمدة في مراكز نشر الجهل والتخلف المسماة بالمعاهد الدينية المعتمدة، فمن أرادهم فليذهب إليهم في مظانهم المعتمدة، ولقد مضى على الأمة مئات السنين وهم أسرى هذه التفسيرات ولم تغنِ عنهم شيئا.
23.        يقول بعضهم رغم كل ما تقدم: "وأين تفسيرك أنت للقرءان؟" والجواب: كل كتبنا هي قبس من نور القرءان، ولم نطلق على أيٍّ منها بالطبع اسم "تفسير القرءان"، وإنما تنطق عناوينها بما قررناه هنا، فمنها: من هدي الآيات، نظرات جديدة في الآيات، الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، المقاصد العظمى في القرآن الكريم، دروس من القرآن الكريم (I)، ... الخ.
نرجو ممن هو ليس إلا بوقا أجوف أو أسطوانة مشروخة ألا يكشف نفسه بالحديث عما أوردناه هنا وليترك أربابه المتخصصين يردون إن كان لديهم الجرأة على ذلك!
*******


دحض القول بأن (السنة) تنسخ آيات القرءان

دحض القول بأن (السنة) تنسخ آيات القرءان

رغم أن القول بوجود آيات قرءانية منسوخة هو إفك كفري أصلا، فإنه لا بأس من التنزل لتفنيد كلامهم فيما يتعلق بالقضية المشار إليها.
وبداية يجب العلم بأن كل المذاهب المحسوبة على الإسلام تؤمن بالمفهوم الكفري للنسخ، وحتى من زعموا أنه يوجد اختلاف في القضية المشار إليها احتجاجا بموقف الشافعي فإنهم يأخذون بأحكام من (السنة) مناقضة لما في القرءان ومنها حكم رجم الزاني المحصن وحكم الوصية وحكم الردة، أما الشافعي الذي كان أول من أصَّل لموضوع النسخ فهو بالفعل واقع في تناقض خطير بإنكاره أن (السنة) تنسخ القرءان رغم الأحكام المذكورة، ولذلك اعتبرها حتى أئمة مذهبه من بعده كبوة من جواد وسقطة من سقطات الكبار.
كذلك يجب الإشارة إلى أنهم يقصدون بالسنة المرويات والآثار المنسوبة إلى الرسول عبر سلسلة من الرواة، هذا مع العلم بإقرار جمهور العلماء بأن المرويات جلها ظنية؛ يؤخذ منها عمل، ولا يؤخذ منها علم، ولم يخالف في ذلك إلا السلفية الذين جعلوها نظريا مكافئة للقرءان، أما عمليا فقد قدموها عليه.
ومن الجدير بالذكر أن موقف السلفية هو أكثر اتساقا مع أصول المذهب السني، ولذلك فكلهم من الناحية العملية يأخذون بقاعدة أن (السنة) يمكن أن تنسخ آيات القرءان.
ومن المعلوم أنهم يستندون في قولهم بالنسخ إلى سوء تفسيرهم لآيتين؛ هما.
1.     {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة:106].
2.     {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [النحل:101].
أما الآية الأولى فتتحدث عن إمكانية نسخ آية بآية خير منها أو مثلها، ومن المعلوم أن اللفظ المفرد "آية" لم يرد في القرءان أبدا بمعنى عبارة قرءانية بين فاصلتين، فلا يجوز القطع بأن المقصود هنا هو آية قرءانية، ومع ذلك فقد فشلوا فشلا ذريعا في أن يأتوا بآية قرءانية تكون بكاملها منسوخة، وقد آل قولهم عمليا إلى أن المقصود هو نسخ حكم جزء من آية قرءانية، وهذا ما ليس لديهم أي دليل قرءاني عليه، ولكنه العناد والإصرار على الكفر.
وحتى بالتسليم بأن المقصود في الآية في [البقرة:106] هو حكم جزء من آية فمن المفترض أنها لا تُنسَخ إلا بما هو خير منها أو مثلها، ولا يمكن أن تكون المروية الظنية الواردة في كتب المرويات خيرا من الآية القرءانية أو حتى مثلها، ومن يجادل في ذلك فليقرأ ويقارن بنفسه، هذا فضلا عن أن آية القرءان المتضمنة لأحكام ملزمة هي قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، فهي أفضل بذلك من المرويات، كما أنها أفضل بكثير جدا من المرويات بأسلوبها المعلوم الذي يقطع بأنها لم تصدر بهذا الشكل عمن هو أفصح العرب.
أما الآية [النحل:101] فهي تتحدث عن تبديل آية بآية، فلا يجوز الاحتجاج بها أصلا للقول بأن مروية تنسخ آية قرءانية.
وبعد كل ذلك فالرأي هو أن المصرّ على أنه يمكن نسخ القرءان بـ(السنة) هو معتد على القرءان، كافر ببعضه؛ فهو كافر بنص الرسالة الأصلي، فيجب أن يُستتاب وإلا (قُتِل) على شريعة (شيخ الإسلام) ابن تيمية، ولكن الأصح هو أنه يجب أن يُستتاب وإلا جُرِّس وفُضِح على رؤوس الأشهاد، هذا مع العلم بأن أكثر الناس لا يعلمون شيئا عن قولهم الكفري المذكور، وسيستبشعونه إذا ما علموا به، إنه يجب ألا يتهاون المسلمون في الجهاد دفاعا عن كتاب ربهم ضد طائفة من ألد أعدائه، هم سدنة المذاهب المحسوبة على الإسلام وتجار الدين.

*******

موقف المسلمين تجاه عصرهم

موقف المسلمين تجاه عصرهم

في العصر العثماني كان العالم المحسوب على الإسلام يغط في ثبات عميق، كان العثمانيون يسيطرون على قلب العالم الإسلامي، كان الناس يظنون أن السلطان العثماني قادر على كل شيء وأنهم في أمان تام طالما ظلوا تحت نعله الثقيل.
في إطار الصراع بين إنجلترا وبين فرنسا قرر الفرنسيون غزو مصر، عندما علم الإنجليز بأن الفرنسيين في طريقهم إلى مصر كلفوا الأدميرال العبقري نلسون بالتصدي لهم، وصل الأسطول الإنجليزي إلى الإسكندرية قبل وصول نابليون بأسطوله، طلب من حاكم المدينة محمد كريم السماح له بالبقاء في الميناء للدفاع عنها ضد الفرنسيين، ولم يطلب إلا تزويده بالمؤن، رفض حاكم المدينة وانتهر رسل الأسطول الإنجليزي في كبرياء وغطرسة وصلف، وصرخ فيهم: إن مصر هي أرض السلطان، وليس للفرنسيين ولا لغيرهم عليها من سبيل، فاذهبوا عنها!! وهكذا اضطر الأسطول الإنجليزي إلى الرحيل، هذا هو مستوى حاكم مؤتمن على أمور الناس؛ كان جاهلا بما يحدث في العالم، وهذا الحدث يدحض مزاعم السفهاء الذين قالوا إن نابليون كان موفد الحركة الصليبية لوأد نهضة الشرق التي كان مقررا أن تحدث!!!
كانت الإسكندرية في ذلك الوقت مدينة هزيلة لا يسكنها إلا 8000 شخص، وذلك بعد أن كانت عند الغزو العربي أعجوبة الدنيا وأعظم مدن العالم بعد القسطنطينية، استولى عليها الفرنسيون بسهولة متناهية.
كان المماليك هم السلطة الفعلية الحاكمة في مصر في ظل السيادة العثمانية، وكان العثمانيون قد أبقوا على الخونة منهم ليكونوا عنصر صراع وتخريب ضد الوالي العثماني المعيَّن من لدنهم فلا يستقل أحد منهم بمصر، لما علموا باستيلاء الفرنسيين على الإسكندرية قابلوا الخبر بازدراء شديد وأقسموا أن يحصدوا رؤوسهم حصدا، كان الناس لا يعلمون أي شيء عن التطور الذي حدث في أوروبا!!! كان الليل العثماني كئيبا مظلما محكما لا يترك بصيصا من ضوء، وقد أصاب الناس بالعمى المطلق.
قسم المماليك الجيش إلى قسمين، كان القسم المرابط عند الضفة اليسرى للنيل الذي سيهاجم الفرنسيين مكونا من بضعة آلاف من الحامية التركية و10000 من فرسان المماليك و24000 فلاح، وكان بقيادة مراد بك.
أما إبراهيم بك شريكه في الحكم فبقي مع باقي الجيش وحشود هائلة من الأهالي عند الضفة الشرقية، يضجون بالأدعية والصلوات طالبين النصر لجيش السلطان!!!
أبدى مراد بك والمماليك بطولات هائلة، وظلوا يهاجمون خطوط الفرنسيين بكل شجاعة غير مكترثين بالموت، ولكن كانت نيران البنادق الحديثة تحصدهم حصدا، انتهت المعركة في ساعات قليلة، وأفاق الناس على الحقيقة المرة؛ لم يستطع جنود السلطان أو الخليفة المقدس أن تدافع عنهم ولا أن تغني عنهم شيئا، تركوهم وفروا إلى الشام أو إلى أقصى الصعيد.
جمع أهالي القاهرة كل ما استطاعوا حمله وهربوا منها ليتلقفهم الأعراب، فنهبوا كل ما حملوه معهم، حتى أنهم نهبوا ملابسهم التي يستترون بها!!! اضطروا إلى العودة إلى القاهرة ليفاجئوا بأنه لم يتم حرقها ولا تدميرها ولا نهبها كما كان يفعل الغزاة من قبل، وجدوا الأمن مستتبا وأن الجنود الفرنسيين يتوددون إليهم، كما وجدوا أن نابليون قد استقبل المشايخ والأعيان بالترحاب وطلب منهم أن يؤمِّنوا الشعب.
أدرك الناس لأول مرة حقيقة الفجوة الهائلة التي أصبحت تفصل بينهم وبين العالم المتحضر، ليس من ناحية التقدم العلمي والتكنولوجي والإداري فقط بل من النواحي الثقافية والأخلاقية أيضا. 
ومنذ أن اكتشف المحسوبون على الإسلام مدى ما وصلوا إليه من جهل وتخلف وانحطاط عام بسبب تشبثهم بما يظنون أنه الإسلام فإنهم انقسموا إلى عدة فرق:
1.            فرقة رأت أنه لابد من الاستفادة مما وصل إليه الغرب من تفوق علمي وتكنولوجي هائل فشرع على الفور في الاستعانة ببعض الغربيين لتحديث بلاده والنهوض بها، ومن رواد ذلك كان محمد علي في مصر وأسرته من بعده الذين جعلوا شغلهم الشاغل جعل مصر قطعة من أوروبا، وقد حققوا نجاحات جزئية ولكنهم فشلوا في النهاية لعدم وجود صيغة دينية إسلامية تصلح لصناعة النهضة والتقدم، كما تصدى لهم المشايخ وحراس وسدنة المذاهب الجهلوتية الفاسدة المحسوبة على الناس باسم الدين، والتي تستند إلى قوى الجهل والتخلف والتعصب الديني العاتية، وكذلك بسبب خسة أكثر الغربيين وعدائهم المتوارث لشعوب الشرق بسبب ذكريات تاريخية ومخاوف قديمة.
2.            فرقة أخذت من الفرقة الأولى إعجابها بالغرب وغلت فيه، ولكنها لم تأخذ منه ما ينفع وإنما المظاهر الفارغة، واتخذ قادتها من الغرب ربا أعلى ومن العواصم الغربية أماكن تقليدية للحج، ولم تقصر في التدله والتذلل للغرب ومحاولة خدمة أغراضه ومقاصده، ولكنها لم تنل منه في النهاية إلا الخزي والعار أو الاغتيال.
3.            فرقت رأت أن الحل هو في الهروب إلى الخلف؛ فرأوا أنه لابد من التشبث بالمذاهب الجهلوتية الشركية وأنها هي الحل الناجع لكل المشاكل التي خطرت أو يمكن أن تخطر ببال إنسان، فرفعوا شعارات تستهوي الدهماء والغوغاء مثل: "العودة إلى الدين هي الحل"، "لابد من اتباع السلف الصالح"، "الإسلام هو الحل"، "الإسلام دين ودولة"، وقد أعل هؤلاء الحرب على كل الآخرين، وقد تشعبوا إلى فرق متعددة متناحرة أحيانا، ولكنها تشترك جميعا في آثارها وهي تكريس الجهل والتخلف والاستبداد والفساد باسم الدين وفي محاولات عقيمة للاستيلاء على السلطة والتمكين لأنفسهم، أو لنصب أنفسهم محاكم تفتيش تضمن استمرار مذاهبهم الجهلوتية والاغتيال المادي أو المعنوي لكل من حاول الإصلاح.
4.            فرقة حاولت استثمار النزعات الوطنية التي ظهرت في كل بلد محسوب على الإسلام للنهوض بالشعوب ماديا ومعنويا والأخذ بالجوانب الحضارية الحقيقية في الحضارة الغربية مع جعل الولاء مكرسا للأوطان وليس للغرب، ودون الشعور بالنقص تجاه هذا الغرب.
5.            فرقة رأت أن الدين هو سبب كل المشاكل وأن الحل هو التخلص منه كليا أو جزئيا.
6.            فرقة، وهي الأصغر، وربما كانت في كل عصر مجرد أفراد معدودين، رأت أنه لا حل إلا الإصلاح الديني الشامل والتطهر من المذاهب وآثارها الوبيلة.

*******