الثلاثاء، 28 مارس 2017

مروية الجارية الأعجمية

مروية الجارية الأعجمية

السلفية يؤمنون بأخبار الآحاد ويأخذون بها في العقيدة ويرفضون التأويل رفضًا باتا، وهم يقولون بوجوب استتابة من لم يؤمن بمثل ما آمنوا أو قتله، وقد تشبث السلفية بما يسمونه بحديث الجارية، وجعلوه قدس أقداس دينهم وقضوا به على كتاب الله وعلى أقوال الرسول، وألفوا فيه الكتب والرسائل وأجروا عليه أبحاثًا مكثفة، وقضوا به على كتاب الله بل على المرويات الأخرى رغم تقديسهم المهول والمعلوم للمرويات الظنية.
ومروية الجارية رواها مالك في " الموطأ " من حديث هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم، ولفظها: ( فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله؟ فقالت في السماء، فقال من أنا؟ فقالت أنت رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها) هكذا قال الإمام مالك : عمر بن الحكم، وهو وهم .
ورواها أحمد بن حنبل من حديث يزيد أخبرنا المسعودي عن عون عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية، فقال يا رسول الله، إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها من أنا؟ فأشارت بإصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، أي أنت رسول الله فقال أعتقها.
ورواها أبو داود الطيالسي من حديث يحي عن هلال عن عطاء عن معاوية به ولفظها: (فقال لها: أين الله ؟، قالت: في السماء، قال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله).
ورواها مسلم في (صحيحه) من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي، ولفظها: (.. وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة).
ورواها أبو داود في " سننه " من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي، ولفظها: (فقال أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة).
ورواها أبو داود: من حديث يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة، ولفظها: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول الله: إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: من أنا فأشارت بإصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال: أعتقها.
ورواها النسائي في " السنن " من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة قال حدثني عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي، ولفظها: (فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله عز وجل؟ قالت: في السماء قال فمن أنا؟ قالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها مؤمنة فاعتقها).
وقال ابن قدامة: هذا حديث صحيح، رواه مسلم في (صحيحه) ومالك في (موطئه) وأبو داود والنسائي وأبو داود الطيالسي.
هذه هي المروية التي جعلها الأثرية الحشوية السلفية قدس أقداس دينهم، وبمضاهاة المرويات -بافتراض أن فيها شيئا من الصحة- يتضح أنه كان المطلوب بالتحديد عتق رقبة مؤمنة، فكان المقصد إذًا التأكد من أن الجارية البسيطة الأعجمية (التي لا تفقه اللسان العربي) مؤمنة بأبسط سبيل ممكن، وبذلك يمكن إدراك مغزى إشارتها بإصبعها إلى السماء، فهي تبين أنها لا تعبد أصنام الأرض، وبالطبع لم يكن المقام ليسمح بأن يدخل الرسول في جدل لاهوتي مع الجارية البسيطة ولا لأن يتلو عليها آيات القرءان ولا أن يحاججها به، ولكن السلفية اتخذوا من سكوته إقرارًا لها على عقيدتها البسيطة، ومن المروية نصًّا قطعي الثبوت والدلالة على عقيدتهم التلمودية التجسيمية القائلة بأن الله تعالى يقيم في السماء كما يقيم الرجل في بيته، وأنه يمكن الإشارة إليه بالأصابع كما فعلت الجارية، فالمرويات عند السلفية قاضية على القرءان وحاكمة عليه!
فالرسول الحكيم كان يعامل الناس على قدر عقولهم، وكان يسألهم السؤال الذي في وسعهم أن يفقهوه وأن يجيبوا عليه إجابة تبين المقصود، ولم يكن مطلوبًا منه أن يبين للجارية العلوّ الإلهي المطلق على المكان والزمان أو أن يبين لها أنه يطوي السماوات بيمينه أو أنه هو الذي خلق السماوات بكل ما هو فيها.
ولقد بيَّن الرسول لقومه أن كل المطلوب منهم هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأنهم بذلك كما يقول القرءان يصبحون إخوانا لمن سبقوهم إلى الإسلام في الدين، بل ثمة مرويات تقصر المطلوب منهم على الشهادة فقط، وهو لم يلزمهم بالإيمان بأن الله تعالى مقيم في مكان مادي اسمه السماء يُشار إليه فيه بالأصابع، ولم يطالبهم بالتبحر في دلالات آيات القرءان ولا في فحاواها.
وفي كل الأحوال لا يحق للسلفية إلزام الناس بالقول بأن الله في السماء بالمعنى الحسي الدارج الذي يقولون به، وبالأحرى لا يحق لهم الغلو في أمر (حديث الجارية) وجعله الفيصل بين الكفر وبين الإيمان، ولقد جاء في كتاب الله العزيز: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون}[الأنعام:3]، فلماذا لا يقضون على المروية بهذا النص القطعي الثبوت والدلالة؟
وإذا كانوا لا يقيمون لكتاب الله وزنًا فلماذا لا يأخذون بمروية أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي عن أبي هريرة والتي قال فيها: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء"؟
هذا علمًا بأنهم يرفضون التأويل.
هذا مع أنه جاء في رواية مالك وأحمد كما يلي: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن عليَّ رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتقها).
والمروية بهذه الصورة تصبح متسقة مع القرءان الكريم وما يصدقه من أقوال الرسول، فجوهر العقيدة الإسلاميةThe core tenet of Islâm  هو شهادة أنه لا إله إلا الله، وليس شهادة أن الله في السماء، فالرسل لا يدعون الناس إلى المتشابهات، والرسول نفسه هو الذي قال لقومه عندما كانوا يدعون الله بأصوات عالية: "أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعًا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"، كما قال لهم: "إن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
وقد وردت مروية أخرى رواها أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان، ونصها: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال: (من ربك؟ قالت الله، قال: من أنا ؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة )
وهذه المروية أيضًا تتسق مع مقاصد الرسالة، وهي التعريف بالله وبنبوة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ.
ومن المرويات التي تبين ما هو المطلوب ليكون المرء مسلمًا ما رواه مسلم في صحيحه عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ.
فلم يرد في أية مروية إلزام للناس بأن يؤمنوا بأن الله تعالى في السماء بالمعنى الحسي المادي الدارج.

*******

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق