الخميس، 5 نوفمبر 2015

مروية "ما يُكتب للإنسان وهو في بطن أمه"

مروية "ما يُكتب للإنسان وهو في بطن أمه"

ورد في صحيح البخاري:
[ 7016 ] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الأعمش سمعت زيد بن وهب سمعت عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه يقول حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وأربعين ليلة ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكن بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها
وجاء في صحيح مسلم:
12 - (112) حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا يعقوب (يعني ابن عبدالرحمن القاري) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛
 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة".
7 - (2647) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأبو سعيد الأشج. قالوا: حدثنا وكيع. ح وحدثنا ابن نمير. حدثنا أبي. حدثنا الأعمش. ح وحدثنا أبو كريب (واللفظ له). حدثنا أبو معاوية. حدثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي. قال:
 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به. فرفع رأسه فقال "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار". قالوا: يا رسول الله! فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال "لا. اعملوا. فكل ميسر لما خلق له". ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* إلى قوله فسنيسره للعسرى} [92 /الليل /5 -10].

ولقد ردّ هذه المروية أناس كثيرون قديما وحديثا حتى قال أحدهم: لو سمعت رسول الله يقول هذا لرددته، وذلك لظنهم أن المروية نص في الجبر، ومع ذلك فالمروية تشير إلي أصل حقيقي قاله الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، والذي دفعهم إلى سوء التأويل ورد المروية هو جهلهم بالإطار العام لدين الحق والذي يتضمن أيضا مهام الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بالنسبة إلي قومه، فالحديث الأصلي كان يقصد إلي تزكية الناس وهي من مهامه وذلك حتى لا يأمنوا مكر أنفسهم ولا مكر الشيطان بهم ولا يركنوا إلي أعمالهم وإنجازاتهم.
وسبق الكتاب علي الإنسان لا يعني جبرا أو إكراها ولكنه يعبر عن صدق التقدير المدوَّن في كتابه المعلوم أي صدق العلم الأولي السابق المترتب علي إدراك تام لحقيقة الكيان الأصلي الجوهري وعلي مدي تأثره بالشروط المبدئية والحدية أي بالظروف المحيطة به والتي يحيط بها العلم أيضا هذا فضلا عن الإحاطة التامة بالقوانين والسنن التي قدرها الله تعالي أصلا، لكل ذلك فإن العلم الذي لدى الحق سبحانه عن أمر ما هو الحق مهما كانت الظواهر التي يراها الناس، والحديث لا ينص على أنه لا جدوى من العمل ولكنه يبين أنه غير كافٍ وأنه لا يجوز الانخداع به أو الاكتفاء به، والنصوص الأخرى من الآيات والأحاديث الحقيقية تبين لماذا هو كذلك، ولكن الذي حدث هو أن أهل الجبرية الصريحة والمقنعة مثل أهل السنة أساءوا تأويل الأحاديث لتتفق مع عقيدتهم الجبرية وعقيدتهم في نفي السببية مما دفع أهل المذاهب الأخرى إلي رد المروية وهذا يتضمن أيضا تسليمهم بصحة تأويل أهل السنة للمروية.
ومن الواضح أن مروية البخاري لم تورد عبارة "فيما يبدو للناس" فضاعفت من حجم الإشكال واللبس، وبتصحيح الأمر يستقيم المعنى، فليس لدى الناس معرفة بحقائق الأمور، ولذلك أعلن الله تعالى أنه هو الذي سيكون له الحكم البات والفصل بين الناس، فعلى الإنسان أن يضع ثقته في الله تعالى الذي هو الحق المبين وخير الحاكمين.
والتحليل السابق يبين أنه لا يجوز المبادرة برد مروية ما، فمن وجد أنها تناقض أمراً دينياً ثابتاً عنده فهو غير ملزم باتخاذ موقف تجاهها ولكن عليه ألا يبادر بردها وليتركها للمتخصصين إلا إذا كانت تعارض مفردة من مفردات الدين أو عنصرا من عناصره بطريقة قطعية فعليه عندها أن يعتصم بكتاب الله تعالي؛ فذلك الاعتصام هو ركن من أركان الدين.
ويجب مع كل ذلك إدراك أن العديد من المرويات المتعلقة بالمصير الإنساني قد تم تحريفها عمدا لتجعل العقيدة الجبرية هي عقيدة الإسلام.
-------
إن المروية المتعلقة بما يكتبه الملَك للإنسان وهو في بطن أمه من رزق وأجل وعمل ومصير وأنه قد يعمل بعمل أهل النار أكثر حياته ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها هي مروية لها اصل صحيح صدر عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وهى ليست نصا في الجبر أو الإكراه كما يظن الذين أنكروها، وإنما هي تبين طبيعة التقدير، فالتقدير المنسوب إلى الله تعالى هو حق وصدق ولابد من تحققه، وهو يدوَّن أو يكتب إجمالا بمجرد اكتمال البنيان الأولىّ للإنسان، فهذا التقدير من مقتضيات ولوازم الكمال الإلهي، ومن لوازم هذا الكمال أن الإنسان رغم تضمن ماهيته جانبا عشوائيا Random وجانبا شواشيا Chaotic، ورغم أنه أعطى الاختيار والإرادة الحرة لابد أن يصدق عليه ما سبق أن علمه الله عنه وتوقعه له أو قدره له، فالحق سبحانه لن يسوق الإنسان إلى ما قدره له أو عليه وإنما سيعطيه المجال والفرصة ليعمل ويختار ويمارس مقتضيات إرادته الحرة فيصدق عليه كل ما سبق العلم به، وهذا أبلغ في الدلالة على كمال السمات الإلهية.
كما تبين المروية حقيقة فعل الكتابة المنسوب إلى الله تعالى، فالأمر المكتوب المنسوب إلى الله له أنواع عديدة منها:
1.     الأمر الذي وجب تحققه ولا يمكن دفعه أو تغييره، والأمور المكتوبة هي مقتضيات تحقق المقاصد الوجودية وسريان القوانين والسنن الإلهية وتحقق الكلمات الإلهية، ومن ذلك وجود إنسان معين وحتمية موته وبعثه، وهذه أمور لا يحاسب الإنسان عليها.
2.     الأمر الذي وجب تحققه في الدنيا أو في الآخرة نتيجة أعمال الكيان الإنساني السابقة، ومن ذلك مثلا ما كُتِب على أبي لهب بعد موقفه من الرسول أو ما كُتِب على أقوام الرسل نتيجة رفضهم الرسالات وتماديهم في الكفر والإجرام.
3.     الشرائع الملزمة التي يجب على الإنسان العمل بمقتضاها لتحقيق المقاصد الدينية، ومنها السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
والمروية تبين للناس أن التقدير الإلهي حق مهما بدا خلاف ذلك للناس، والذي عاش يعمل بعمل أهل النار ربما كان قد نشأ في بيئة خبيثة فتبنَّى معتقداتهم وآراءهم وأسلوبهم في الحياة ولكنه كان بالأصالة طيب المعدن نقى السريرة فظل شيءٌ ما في باطنه يؤرقه وينفره من حياته وأخذت توسلاته الباطنية للخلاص مما هو فيه تتعالى وتتصاعد فاقتضت السنن أن تدبَّر له وسيلة لمعرفة الحق وللتوبة النصوح فقبلت توبته فقبلها منه من وسع كل شيء رحمة وعلما فعمل بعمل أهل الجنة فنجا وفاز، فالحديث الأصلي هو نص في صدق التقدير وكمال العلم وهو يبين للناس أن أبواب الرحمة مفتوحة للناس كافة وأنه يجب أن لا يصد الإنسان عنها خجله مما كان عليه من المعاصي، والجزء الباقي من الحديث يحذر الناس من شر أنفسهم وكيدها ومكرها ويبين للناس أيضا صدق التقدير الإلهي الأولى، والحالة الأخرى المذكورة تعنى أنه ربما ينشأ إنسان في بيئة طيبة فعاش يعمل عملاً صالحا فيما يبدو للناس ولكن كان ثمة نقص خفي في ذاته أورثه كبراً وغروراً وعجبا وظل هذا النقص يستفحل ويتغذى بآثار الأعمال المترتبة عليه إلى أن ران على قلب الإنسان تلك الآثار حتى حرمته تماماً من الانتفاع بعمله وعندها ستصير أعمال الإنسان محض رياء سيدفع الإنسان إلى الشرك من فرط إعجابه بنفسه أو طلبه لرضا الناس، ولقد ضل إبليس الذي كان يعيش مع الملائكة ويعمل بعملهم لفرط افتتانه بنفسه.
ومصير الإنسان يظل منظورا فيه إلى أن يُكتب، واللحظة التي تتحقق فيها هذه الكتابة هي عادة قبل بدء احتضاره واشتداد إحساسه بالعالم الآخر، وهناك بالطبع من يتحدد مصيره قبل ذلك فيُكتب، أما العلم الإلهي فله الإحاطة التامة بكل شيء دخل في مجاله، وهو يتعلق بالأمر على ما هو عليه، والإنسان يُحاسب على المعلومة الظاهرة المتحققة وليس المعلومة المقدرة، ومما يسبب اللبس في هذه القضية:
1.     أن كلمة "علم" تُستعمل للإشارة إلى السمة الإلهية كما تُستعمل أيضا للدلالة على المعلومة.
2.     أن الناس لا تفقه نسبية الزمان وتحاول تقييد الله تعالى بزمان هذا العالم المخلوق.
ولذلك يجب العلم بأن الله تعالى يدبر أمر كل عالم ويصرف آياته فيه وفق نسق السنن الإلهية الكونية الذي أوحاه فيه، وباستعمال ما خلقه من الكائنات، ومن حيث هذه الكائنات، ومنهم الملائكة والجنود بكافة أنواعهم.

*******


الأحد، 1 نوفمبر 2015

إنَّ شانِئَـك هُوَ الأبْـترُ

إنَّ شانِئَـك هُوَ الأبْـترُ

إن قوله تعالى: {إنَّ شانِئَـك هُوَ الأبْـترُ} يتضمن قانونا صارما وسنة كونية لا محيص عنها ولا مفر منها، فما من أحد قد أبغض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ وكرهه وناصبه العداء إلا ولا بد من فناء ذريته وانقطاع عقبه من بعده مهما علا في الأرض أو دانت له الأمور لفترة من الزمن، وتلك السنة الكونية نافذة على كل البشرية مهما اختلفت الملل والنحل بل هي متحققة بصورة أكثر بروزا وشدة في تلك الأمة المحسوبة على الإسلام، ذلك لأنها أكثر الأمم علما به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ودراية بمآثره كما أنها اهتدت بما جاء به من هدى ونعمت بما قدم من عمل وجهاد، لذلك كان من الأولى لها أن تعرف الفضل لأهله وأن تصلِّى وتسلم على هذا النبي وآله اعترافا بعظيم فضله وقياما بواجب حقه والتزاما بما أمر الله به.

وكذلك كان لزاما عليها العمل بما أمرها الرسول به في الحديث الشريف المتواتر معنويا: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما)، فماذا فعلت الأمة بتلك الوصية المشددة؟ إنها لم تعرف لنبيها عظيم قدره وأساءت إلى النبي ممثلاً في عترته وأهل بيته بل وكذب بعضهم عليه ووضع الروايات التي تقلل من شأنه وضرب معظمهم بوصيته بعترته عرض الجدار وعملوا بعكسها تماما أو حاولوا تحريفها عن موضعها وتأويلها بما يتفق مع أهوائهم فأوقعوا أنفسهم تحت طائلة القانون المشار إليه، بل إنهم لتمكن الشيطان من نفوسهم ترصدوا لمن حاول إنصاف أهل بيت الرسول وأعدوا له ما استطاعوا من الاتهامات والأكاذيب والأباطيل.

ولقد بالغ الأمويون ومن بعدهم العباسيون في التنكيل بآل البيت واضطهادهم، فماذا كان مصيرهم؟ إن كل من ساهم في ذلك قد قُتِـل شر قتلة؛ فقُتِـل يزيد ولم يمكث في الحكم إلا أقل من أربع سنوات ارتكب فيها من الجرائم ما يندى له جبين البشرية، وبذلك خسر الدنيا والآخرة هو وكل من اتبعه أو أشرب في قلبه حبه، كما أبيد قتلة الإمام الحسين على يد المختار الثقفي ثم أبيد معظم الأمويين على يد السفاح العباسي الذي لم يتورع جنوده عن نبش قبورهم وجلد ما تبقى من جثثهم، أما ذرية من فروا إلى الأندلس فقد أبيدت في الصراعات التي اشتعلت هناك ثم أبيدت نهائيا على يد الأسبان.

أما الخلفاء العباسيون فلقد تلقوا من المهانة ما لم تنله سلالة من الحكام علي مدي التاريخ وذلك على أيدي الترك والغز الذين كانوا يتلهون بإذلالهم والتمثيل بهم وسمل أعينهم حتى انتهى الأمر بآخرهم إلى أن قتل ركلا بأقدام الهمج الرعاع من المغول وأبيدت سلالتهم تماما حتى أن بيبرس لما أراد إحياء الخلاف العباسية في مصر لم يجد إلا رجلا مشكوكا في نسبه ليعينه خليفة، أما الخلفاء العباسيون في مصر فلم يكن لهم من الأمر شيء وكان وجودهم فيها من أسباب تجريد الحملة العثمانية المدمرة عليها والتي تسببت في إنزالها من عليائها وتفردها، كما تسببت في عزلها هي ودول الشرق الأوسط عن ركب الحضارة والتقدم.

إن اضطهاد آل بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ كان من الجرائم الكبرى التي اقترفتها هذه الأمة أو سكتت عن مقترفيها ذلك لأن آل بيته كانوا منه كنفسه، فمنهم السيدة فاطمة بضعته ومنهم الإمام علي الذي أعلن أن الله يحبه وأنه ولى كل مؤمن ومنهم الإمام الحسن الذي شهد له بالسيادة ومنهم الإمام الحسين الذي شهد له أنه منه وأعلن أنه يحبه، فأمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ بالتمسك بهم يعنى بالضرورة أنه في كل صراع فُرض عليهم كان الحق معهم وأنه كان على الأمة أن تناصرهم وأن تنحاز إليهم، فذلك أمر من أصول الممارسة العملية للإسلام ولو التزم المسلمون بذلك الأمر لهزموا الفئة الباغية والداعين إلى النار؛ فئة معاوية ومن اتبعه، ولما عادت عصبية الجاهلية ولظل للإسلام وجهه العالمي المشرق الباهر، ولقد ظل النواصب لعنة على هذه الأمة وسوط عذاب يُضربون به ثم يأكل نفسه.

إنه يجب على الناس والأمة معرفة أسباب الداء القديم والعمل علي تدارك تبعاته وعلاجه، وهذه ليست بدعوة إلى أي مذهب من المذاهب التي مزقت شمل الأمة وذهبت بسببها ريحها، ذلك لأن التمسك بآل البيت لا يعني أبدا إنكار فضل أحد من السابقين الأولين العظام الذين هم فخر للبشرية ولأمة الإسلام، إن مجرد وجود مذاهب متناحرة في الإسلام هو من كبائر الإثم إذ هو مخالفة صريحة للمقصد الإلهي بأن تكون تلك الأمة أمة واحدة، إن تفرق المسلمين إلي سنة وشيعة وخوارج كان من أسباب انهيار الأمة وتفريق الدين.

ويجب العلم بأن الخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن اتبعهم وزين لهم سوء أعمالهم لا يملكون  لأنفسهم فضلا عن غيرهم نفعا، وقد أصبحوا الآن رهائن أعمالهم ولا يملكون شفاعة لأحد وإنما الشفاعة لله تعالى ولمن أذن له من عباده المصطفين الأخيار وعلى رأسهم الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، والتمسك بأهل بيته الحقيقيين يعني التمسك بأهل الله أي أهل القرءان، أما كل من تمسك بما يقلل من قدر النبي أو يسيء الأدب معه أو يتطاول على أهل بيته أو يمجد قتلتهم ومضطهديهم والباغين عليهم أو من يدافع عن أولئك الظلمة بالباطل فإن مصيره البوار وانقطاع العقب في الدنيا وسوء العاقبة فى الآخرة، ولذا فعلي تلك الأمة ألا تلزم نفسها إلا بما ألزمها بها ربها وكما بينه لها نبيها وعليها أن تتوب عن أخطائها وإلا فستستمر في دفع ثمنها، إن ما سبق بيانه هو من باب النصح للأمة حتى تواجه بشجاعة أخطاءها وحتى تـنبذ أسباب الفرقة والخلاف فتعود إليها وحدتها التي أرادها لها ربها، إنه علي تلك الأمة أن تدرك أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قد تحمل ما لا قبل لبشر بتحمله وابتلى بما لم يبتل نبي آخر بمثله وخاض معارك ضارية فرَّ في بعضها من شدة هولها معظم صحابته وتركوه وحده مع نفر من أهل بيته وخاصة صحابته، ولقد أصيب في بعضها وشُجَّت رأسه وكسرت رباعيته وسال دمه، وافتدى الناس بأهل بيته، وكان أصحابه يتـقون البأس به، وذلك ليظهر للناس فضله حتى يتأسَّوا به، قال تعالى: {لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً} (الأحزاب: 21) ، فكل من يرجو الله واليوم الآخر وكل ذاكر لله وكل مجاهد في سبيل الله وكل قاضٍ عادل وكل ولي لأمر وكل راعٍ صالح وكل قائد فَذّ وكل عابد متبتِّل وكل أبٍ رحيم وكل إنسان كريم لابد وأن يجد في سنته وسيرته وهديه وحكمته الأسوة الحسنة، ولا غرو فلقد كان آية الله الكبرى والقرءان الحيّ يسعى، إنه علي تلك الأمة أن تجتمع علي حب هذا النبي الكريم كما أحبه خالقه العظيم واتخذه حبيباً وخليلا وكان له ولياً ونصيرا.

ويجب التأكيد علي أن وجود أي مذهب من المذاهب هو أمر مضاد لمقاصد الدين العظمي ويتضمن شركا بالله تعالي وعلي أن المذهب الشيعي هو كالمذهب السني من المذاهب التي تفرق إليها الدين، بيد أن إسهام المذهب السني في تمزيق الأمة وانهيارها وسفك دماء أبنائها كان أكبر وأخطر، كما أنه مازال يحول بين الناس وبين متطلبات الرقي والتقدم، ولكن يجب التأكيد أيضا علي أنه لا يوجد مذهب إسلامي إلا وهو يتضمن حقا ممزوجا ومختلطا بباطل، ويجب علي كل فرد أن يعقد العزم علي أن يحاول معرفة الحق وعلي أن يتبعه عندما يتبين له حتى يتحقق بالكمال ويفوز بالسعادة وإلا فإن الله تعالي قد توعد بالعذاب المهين من يتبعون ما ألفوا عليه آباءهم دون تبصر كاف ودون أن يكون لديهم برهان مبين.

ويجب القول بأنه لا يجوز لأحد الاتجار بقرابة مزعومة أو حقيقية إلي الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، أما كون المرء ينتمي إلى ذرية أهل بيته فقد يوفر له شروطاً ابتدائية أفضل على المستوى الجوهري ولكنه لن ينتفع بها إلا إذا عقد العزم علي السير في درب الكمال.
إن الكتاب العزيز قد أكد مرارا على بشرية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ولكنه أكد أيضا على مكانته الخاصة التي لا يدانيه فيها أحد، وتلك المكانة كما جاءت في القرءان تعلو على أسمى ما يمكن أن يتصوره إنسان، فلقد عظَّم الله قدر نبيه وشهد له بالخلق العظيم وأنه أرسله رحمة للعالمين ووصفه بأنه النور والشاهد والمبشر والنذير والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، ولقد أعلن أنه آتاه سبعا من المثاني والقرءان العظيم وأعطاه الكوثر، ولقد جعل من أركان الدين الكبرى الإيمان به وبأنه خاتم النبيين وجعل من لوازم ذلك الصلاة عليه والتسليم وأمر المؤمنين جميعا بذلك أسوة بربهم الكريم وملائكته المبجلين، لذلك فإن إجلال المؤمنين لنبيهم وتوقيرهم له وصلاتهم عليه والتسليم ليس من المحدثات في الدين بل هو من صميم الدين، وركن من أركان الدين.
*******
كان الأمويون حربا على الإسلام والمسلمين، في البداية ككفار مشركين، وفي النهاية كمنافقين مجرمين، وقد حاول معاوية القضاء على أي ذكر للرسول ولأهل بيته، فهل أفلح في ذلك؟ كلا، بعد كل جرائمه لم يتول ابنه يزيد الملك إلا ثلاث سنوات وثمانية أشهر اقترف خلالها أبشع الجرائم التي فرقت الدين ومزقت الأمة، ثم هلك فرفض ابنه أن يخلفه وتبرأ من أبيه وجده، ثم قتله الأمويون ليذهب الملك إلى مضروب القفا مروان الذي تزوج امرأة يزيد ليلقى مصرعه على يديها بسبب سفالته وإجرامه ونقضه للعهد.
ولما ثار المسلمون واستأثر العباسيون بالسلطة بعد أن استعملوا ما يلزم من الغدر والخديعة قَتل الخليفة العباسي السفاح كل من تبقى من نسل بني أمية من أولاد الخلفاء، فلم يبق منهم إلا من كان رضيعا أو هرب للأندلس، ثم أعطى أوامره لجنوده بنبش قبور بنى أمية في "دمشق" فنبش قبر معاوية بن أبى سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطا، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاما كالرماد، ونبش قبر هشام بن عبد الملك فوجده صحيحا لم يتلف منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط، وصلبه، وحرقه، وذراه في الريح.
أما العباسيون فاستأصلهم التتار والمغول من بعد، وعندما قرر الظاهر بيبرس إحياء الخلافة العباسية في مصر لم يجدوا إلا رجلا مشكوكا في نسبه شهد بعض الأعراب أنه من سلالة العباسيين.
*******

السبت، 17 أكتوبر 2015

لا يُفتَى وابنُ سمكة في البحر

لا يُفتَى وابنُ سمكة في البحر

كان الشيخ ابن سمكة فلتة زمانه، كان قد ملَّ البقاء في البحر، وكان البحر نفسه قد ضاق به ولم يعد يصلح لإشباع طموحاته غير المتناهية.
قرر ابن سمكة أن يهاجر إلى البر، استدعى ذلك إجراء عملية جراحية دقيقة في المستشفى المركزي للبحر لإجراء ما يلزم من تعديل في جهازه التنفسي.
لم يضيع ابن سمكة وقتا، بمجرد خروجه من البحر صحب الشيخ ابن ضفدع فأخذ منه شيئا من فنِّ النقيق، ثم صحب الشيخ ابن قطة فأخذ عنه فنّ المواء، كانت رائحة الشيخ ابن سمكة تثير دائما الشيخ ابن قطة، وقد حاول افتراسه كثيرا، ولكنه كان ينجو منه دائما بأعجوبة، كان مازال محتفظا بمهاراته التي اكتسبها في البحر، والتي ورثها من أجداده الأسماك كابرا عن كابر.
ثم صحب الشيخ ابن ثعبان وقرأ عليه كتابا في الفحيح، وقد حاول الشيخ ابتلاعه كثيرا ولكنه صبر عليه حتى حصَّل كل ما عنده.
ثم صحب الشيخ ابن جرو وأخذ منه شيئا من النباح، ثم ضرب أكباد الإبل بحثا عن الشيخ ابن بومة فوجده في خرابة عند حدود الصين وتعلم منه فن النعيق، أما النعيب فقد تعلمه من الشيخ الغراب الذي كان يسكن في خرابة أخرى في أقصى الغرب، أما الشيخ الجمل فقد قرأ عليه شيئا من الرغاء، ثم رحل إلى الربع الخالي طلبا للشيخ ابن ماعز ليأخذ عنه فن الثغاء، ثم صحب الشيخ ابن ثور، وكان يسكن ريف مصر، وقد أعجب به خاصة من حيث الحجم، وعلمه كل ما لديه، وهو الذي أذن له بالخوار، وقد أسعده الحظ هناك أيضا بالأخذ عن الشيخ جحش بن أتان فتعلم منه فن النهيق، وقد أذن له بأن يلقن الناس كل ما تعلمه منه.
ثم تصدر للإفتاء ولاقت فتاويه قبولا كبيرا حيث كان يجد حلا لكل المعضلات التي تواجه الأثرياء والأعيان، وبلغ صيته الأسد، فقصده ذات مرة طلبا للفتوى في مسألة شائكة، فقد اصطاد هو معاونوه ثلاثة ثيران أولها أبيض والثاني أصفر والثالث أحمر فاختلفوا بشأن توزيعها، وعلى الفور بادره ابن سمكة بالقول: "أما الأبيض فلإفطارك، أما الأصفر فلغذائك أما الأحمر فلعشائك، وليس لهم أن يأكلوا إلا من فتاتك"!
وهكذا أعطى للأسد ما يفوق كل توقعاته وأحلامه، وتم تعيينه بعد أن أثبت براعته مفتيا رسميا للغابة وأطبقت شهرته الآفاق وطلبه المترفون والأعيان من كل مكان، لشدة الطلب عليه أنشأ دارا للفتوى أعد فيها حشدا من المشايخ الذين هم على شاكلته وتربوا على يديه، وفي أثناء ذلك أخذ ينمو بسرعة حتى أصبح حوتا هائلا، وكلما تضخم كلما اشتدت حاجته إلى ما يملأ بطنه، ولذلك كانت فتاويه دائما لصالح المترفين على حساب الكادحين، وللأقوياء على حساب الضعفاء.
إلا أن السخط بدأ يشتد ضده من البهائم الكادحة، وذات مرة أجمعوا أمرهم ودبروا مكيدتهم وأحكموا التدبير، تقاسموا فيما بينهم ليعيدنَّه إلى البحر الذي أتى منه.
درسوا تصرفاته وسلوكياته بدقة، استعانوا على ذلك بكل ما تيسر من طيور وحشرات، قرروا أن يتربصوا به أثناء عودته ثملا من أحد قصور أعيان الغابة.
وتمكنوا فعلا من اصطياده والتغلب على أية مقاومة له، سحبوه بسرعة إلى شاطئ البحر ومزقوه إربا ثم ألقوه هناك، ما إن سقطت أشلاؤه في البحر إلا وتزاحم عليها السمك وأخذ يتبارى لالتهامها.
أشاعوا بين الناس أن الشيخ ابن سمكة قد زهد الدنيا وأنه عاد إلى البحر ليعتكف فيه، انتاب دار الإفتاء حزن عارم، امتنعوا عن الفتوى، كانوا يقولون لكل من يستفتيهم: "لا يُفتَى وابن سمكة في البحر"، فصارت مثلا.
إلا أن أحوال الغابة وأحوال بطونهم لم تترك لهم فرصة للتمادي في الحزن، لذلك سرعان ما عادوا إلى العمل بل وعلى وتيرة أشد، وأثبتوا لأهل الغابة أن العكوف على التراث قادر على إعادة إنتاج مثل ابن سمكة وابن سبع البحر وابن كلب البحر وابن خنزير البحر وابن حوتٍ أيضا. 

*******

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2015

الْعَلِيُّ الْكَبِيـرُ

الْعَلِيُّ الْكَبِيـرُ


قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} الحج62، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }لقمان30، {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}سبأ23، {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} غافر12، {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}النساء34. 

فهذا المثنى هو اسم من أسماء النسق الأول من الأسماء الحسنى.

والاسم "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" يشير إلى سمة واحدة تفصيلها العلو والكبرياء، وتلك السمة هي أمر واحد ذاتي مطلق عُبِّـر عنه بلفظين، وهي لله سبحانه، ذلك لأن له الوجود الواجب الذاتي المطلق، فمن حيث هذا الاسم هو الحق المطلق وما عداه هو الباطل، أي أن ما عداه هو عدم من حيث ذاته، فلا يملك كل من هم دونه من حيث ذواتهم إلا الباطل، أما ما ظهروا به من كمالات فإنما أوتوها بقدر ما يحقق الظهور التـفصيلي لكمالاته، فلقد خلق الأشياء لذاته ليطالع فيها تفاصيل حسنه وكمالاته، وهو يمدهم بها دون أن يفقد شيئا منها، ولذا خضع الكل لمشيئته.
وذلك العلو والكبرياء أمر منزه عن التقيد بالزمان أو المكان، ومن حيث هذا الاسم كان له مدد وإفاضة ورحمة وشفاعة منه هو، ولذا لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له؛ أي إلا إذا وافقت تلك الشفاعة قوانينه وسننه وحكمه، فلا شفاعة عنده إلا بالحق، فمن حيث هذا الاسم كان قوله الحق وحكمه الحق وشريعته الحق ودينه الحق وأمره الحق، وكلمة الحق تـنوب عن كل ما أوحى به إلى ملائكته ذلك الوحي الذي يتلقَّـونه بالفزع والإذعان والأدب اللائق اللازم.
والاسم "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" يعبر عن المرتبة التي هي حق لله على كل ما هو من دونه، ومقتضيات هذا الاسم إنما هي من حيث المرتبة، لذلك، كان لابد له من مقتضيات على مستوى الشرائع والأحكام، فله المرتبة الإلهية العليا، وبالتالي فالحكم له والتأثير المطلق له والأمر له، وكل ما يدعون من دونه هو الباطل، فهذا الاسم دامغ بذاته لكل شرك لأن صفته تمحق بذاتها أي شريك، ولهذا الاسم الهيمنة علي عالم الأمر كما للاسم "العليّ العظيم" الهيمنة علي عالم الخلق، وهذا الاسم من الأسماء التي اقتضت المراتب والدرجات والتي اقتضت الأمور التراتبية في الكون ومنها تراتب أنساق القوانين والسنن.
فمن حيث هذا الاسم كان له الحكم، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، فالحكم له بكل معنى من معاني الحكم، فله الأمر، وله حق إصدار الأحكام والتشريعات، وله حق سنّ السنن، وله حق الحكم على الفعل الإنساني وتقديره.
فهو سبحانه العليّ بما له من الدرجات والمراتب، وهو العالي الشامخ فوق كل شيء علو ارتفاعه، فله العلو المطلق في كل المجالات أو الأبعاد، فكما له العلو المطلق بحضوره الذاتي مع كل مخلوقاته فله العلو المطلق في عين قربه منهم بكنه ذاته وعلوّ درجاته.
والسمة المشار إليها بالعلو والكبرياء هي أمر منزَّه عن التـقيد بالزمان أو بالمكان، فلقد كان سبحانه ولا زمان ولا مكان، فليس ثمة ركن بارز في الكون يتربع فيه الإله، إذ أن كل الأزمنة والأمكنة من إبداعاته، ولو افترض جدلاً أن إنساناً ما قد أوتى القدرة على الطواف بكل أرجاء الكون لما وجد هنالك إلا ما وجده هنا بل ربما كانت آيات الله تعالى في هذه الأرض المحدودة أعظم مما سواها في أرجاء الكون الأخرى، ولذا أراح الله تعالى عباده وأخبرهم بأنه مع علوه وتعاليه قريب منهم، وأن آياته الدالة على سماته كما هي في الآفاق هي أيضا في أنفسهم.
فالعلو الذي يشير إليه هذا الاسم هو علو الدرجات والمرتبة، لذلك كانت له المرتبة الأعلى التي تقتضي بذاتها ألا يعبد سواه وألا يتخذوا من دونه شريكاً مختلقا في ملكه.
فالسمة المعبر عنها بالعلو والكبرياء تشير إلى جمعه سبحانه لكل الكمال المطلق وانفراده به، فهو الأعلى لتقدُّم الكمال الأصلي وتفوقه على كافة مقتضياته وتفاصيله وآثاره، ولما كان كماله لا يتناهى كان لابد من ألا تتناهى مخلوقاته، ولما كان الكمال ذاتيا له كان هو أصله ومصدره، فهو يفيضه على من هم دونه دون أن يفقده، ولا يمكن أن يظهر كمال في الوجود لا يستند إليه، كما لا يمكن أن يظهر الكمال إلا بتفاوت مظاهره أي بوجود النقص في طبائع المخلوقات، والذي به يظهر الكمال بتميزه عما يناقضه.
فهذا الاسم يشير إلى إن الكبرياء لله وحده، والكبرياء هي من السمات التي استأثر بها لنفسه، فهي له بالحق، وليست لمن هم دونه إلا بالباطل، ولذا فإنه كلما تكبَّر إنسان في ظاهره كلما تضاءل في جوهره وباطنه، حتى يصير كالذرِّ أو أصغر، وعلى هذا سيحشر، حتى ليطأه الناس يوم القيامة، فلن ينال أحدٌ بتكبره إلا الحسرة والندامة.
وهذا الاسم من الأسماء التي اقتضت سنن التراتب في الوجود ونظمت أمر الكائنات فيه وعلاقاتها فيما بينها.
وهذا الاسم من:
منظومة أسماء السنن الكونية الخاصة بالمخيرين المكلفين
منظومة أسماء العلو
حلقة من النوع الثالث:
الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ-الْكَبِيرُ-الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ-الْمُتَعَالِ

*******

الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

أفضلية النبي الخاتم على سائر الأنبياء والمرسلين

أفضلية النبي الخاتم على سائر الأنبياء والمرسلين

من دلائل أفضلية النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ على سائر الأنبياء والمرسلين:
1.    قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء فمن هو رحمة للعالمين على إطلاقهم يكون خيرا منهم كلهم، وقال تعالى: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)} الدخان، فهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ عين الرحمة وإرساله رحمة.
2.         قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} الأحزاب40، ومن كان خاتم النبيين بكل معنى من المعاني هو تاجهم وسيدهم وزينتهم والمهيمن عليهم.
3.         من أُرسل إلى الناس كافة وإلى يوم الدين هو خير ممن أرسلوا إلى أقوامهم المحدودين.
4.         من تلقى كلمة الله التامة والكتاب المهيمن والدين الكامل الخاتم والناسخ لبعض ما كان قبله والباقي إلى يوم الدين هو خير ممن كانت رسالاتهم وقتية.
5.         من تعهد الله تعالى بحفظ الرسالة التي تلقاها أفضل ممن تلقوا رسالات اُستحفظ عليها الأحبار والرهبان.
6.         من تلقى الرسالة التي تعهد الله تعالى بحفظها أفضل مم تلقوا رسالات نُسِخ بعضها أو تُرك ليندثر.
7.         قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} الفتح10، {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} النساء80، هذا هو أعظم تكريم ناله إنسان، ولمن قيلت في حقه الأفضلية المطلقة على سائر المخلوقات، فلقد جعله الله بمثابة نفسه.
8.         قال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الحشر21، وفي ذلك إشارة إلى أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ تحمل بإنزال القرءان عليه ما لا قبل للجبال بتحمله.
9.         إن من تلقى القرءان من لدن حكيم عليم ومن أوتي السبع المثاني والقرءان العظيم ومن جاء بالرسالة الكاملة التامة الخاتمة هو الأفضل على الإطلاق.
10.      القرءان يبين بكل وضوح أنه النبي المطلق والرسول المطلق والعبد الطلق، وهذه مرتبة لا تكون إلا لواحد هو السيد والأفضل.
11.      هو الرسول النبي الذي حقق مقاصده كاملة كما شهد له بذلك كل منصف.
12.      ما كان يطلبه الرسل والأنبياء من قبله كان الله تعالى يذكر أنه أعطاه له في بدايته.
13.      وأمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ باتباع ملة إبراهيم عليه السلام هو من حيث أن هذه الملة هي البداية الرسمية للإسلام، والله سبحانه لم يأمره باتباع أحد من خلقه، وإنما أمره باتباع ملة إبراهيم التي أوحيت إليه من الله تعالى رأسا، ورسالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ هي تتويج لعمل كل من سبقه، فهي الدين التام الكامل، والإنسان بحكم طبيعته الإنسانية يولد طفلا ثم يبدأ في النمو والتعلم والترقي، ففي بدايته قد يُأمر بالتعلم ممن سبقه أو ممن هو أكبر منه سنا بينما هو مُقدَّر له بحكم إمكاناته واستعداداته أن يسبقهم، وهذه حقيقة ثابتة ومعلومة، وهذا ما تحقق للرسول بالفعل، وهذا ما يشير إليه المعراج.
والإقرار بأفضلية النبي الخاتم هو من مقتضى وفحوى الإيمان بالقرءان، ولقد ذكر الله تعالى أنه فضَّل بعض النبيين على بعض، ولا يتعارض هذا مع النهي عن التفريق بينهم في أمر الإيمان، فيجب على المسلم الإيمان بهم كلهم، والذين رفضوا ذلك هم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي الخاتم ولا برسالته، ورغم كفر أهل الكتاب بخاتم النبيين ورسالته فهناك الكثير من الضالين الذين يصرون على أنهم مسلمون!!!!!
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) } النساء
هذه الآيات تبين بكل وضوح معنى التفريق بين الرسل، التفريق بين الرسل هو أن تؤمن ببعض الرسل وتكفر ببعض، وهذا لا يعطيك الحق في أن تنكر أفضلية خاتم النبيين على الأنبياء والمرسلين، فالتفاضل بين الرسل ثابت بنص القرءان، وهو حق لله تعالى، وليس من حقوق الناس، وليس لطائفة أن تزعم أن نبيها إلها أو ربا.
وكذلك ليس من حق أحد أن ينكر أفضلية خاتم النبيين على النبيين، فالنص على أنه خاتم النبيين وأنه رحمة للعالمين كافٍ تماما لإثبات أفضليته عليهم أجمعين.
ومن العجب أن يشترك مع السلفية في مسلكهم الخاطئ هذا ألد أعدائهم ممن يحاول الإصلاح مثل من يسمون بالقرءانيين وغيرهم، وكلهم يتخذون من النهي عن التفريق بين الرسل في الإيمان حجة وسببا لإنكار أفضلية الرسول على سائر الأنبياء والمرسلين، إن النهي المشار إليه لا يعني إلا أنه لا يجوز الكفر ببعض الرسل المذكورين في القرءان ولكنه لا ينفي التفاضل بين الرسل المنصوص عليه في القرءان.
وتشير الآية: {وَإِنّ رَبّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (الحجر: 25) إلى مقام عظيم للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ في ذلك اليوم المشهود، فهو هناك صاحب لواء الحمد والشفاعة العظمى والقضاء النافذ عن أمر الله تعالى، وإلى هذا المقام أشارت الآيات: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} النجم42، {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} العلق8، {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} الفجر22، وكل هذه الآيات المكية تبين أن نقطة ابتدائه على المستوى الجوهري تتفوق على نقطة انتهاء سعي غيره.

*******

الأحد، 4 أكتوبر 2015

التسبيح

التسبيح

إن التسبيح أو التسبيح بالحمد من حيث أنه ذكر لله لا يعنى مجرد ترديد صيغ التسبيح، ولكن الإنسان يتفعل ليتحقق بالفعل، فهو يسبح بلسانه مع حضور قلبه مع معاني هذا التسبيح حتى ترسخ تلك المعاني والحالة الوجدانية المترتبة عليها في قلبه ويكتسب بذلك استعدادات جديدة تؤهله لاكتساب المزيد من المعلومات والمشاعر التي يرقي بها كيانه الجوهري، والإنسان إذ يسبح ربه فهو ينزهه عن تصورات الناس فيرقي بذلك التصور الذي لديه عن ربه، ورقي هذا التصور هو أفضل ما يمكن أن يلقي به الإنسان ربه، وبالتسبيح بحمد الله يتوافق الإنسان مع أنغام الوجود وسننه بل مع نبضات قلبه فيعمل كل شيء لما فيه صالحه، فكل شيء يسبح بحمد الله، ولما كان للإنسان النطق باختياره كان عليه أن يسبح بحمد ربه باختياره وبوعيه وبإدراكه كما تسبحه بطريقة آلية كل ذرة من جسمه والماء الذي يشربه والهواء الذي يستنشقه

التسبيح بالحمد
قال تعالى:
{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً }النصر3، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً }الفرقان58، {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ }السجدة15، {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}غافر55، {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}ق39، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ }الطور48.
وبالنسبة لقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} فإن مجرَّد وجود أي كائن وسيره وفق قوانين الله وسننه هو تسبيح بحمد ربه، فذلك التسبيح والذي يعني سعي كل كائن طوعا إلى ربه هو الذي يحفظ على هذا الكائن وجوده، ويُظهر أيضا من كمالات الله ما ينطق الألسنة بالثناء عليه، فإذا نظرنا مثلاً إلى أبسط الأشياء المادية وألطفها وهو الضوء فإن الجسيمات المكونة له وهي الفوتونات لابد أن تكون سابحة بسرعة الضوء وإلا لما كان هنالك ضوء أصلاً، فتلك الحركة هي عين تسبيحها بحمد ربها ولولاها لزالت، وبالنسبة للإلكترون مثلاً فإن مظاهر تسبيحه بحمد ربه هي حركته الغامضة والمعقدة في الذرة فهي التي تحفظ عليه وجوده، ولولاها لهوى على النواة واتَّحد بمكون من مكوناتها ولما كانت هنالك ذرة أصلاً ولزال العالم المادي، وكذلك تغيرات الكيانات النووية في عالمها الخاص، وكذلك حركة الأرض المعقدة، وهي التي تحفظ عليها وعلى كل من يحيا في كنفها بقاءه ووجوده، والهرة التي هي مبرمجة بحيث تسعى في مصالح صغارها وتتحمل في سبيل ذلك الظروف المعيشية الصعبة والعدوان المستمر من الكائنات الأخرى ولكنها تقاتل بشراسة من أجل بقائها وبقاء نوعها، فهي بسعيها هذا مسبحة بحمد ربها، فتسبيح الكائنات بحمد ربها هو من مقتضيات هذا الاسم وذلك التسبيح بحمده هو الصلاة التي ترفعها كل الكائنات إليه.
وعلى الإنسان من حيث أنه كائن مخير أن يسبح بحمد ربه بقوله وعمله، فعليه أن يجعل من حياته تسبيحا بحمد ربه، فينزه الله تعالى بها ويظهر تفاصيل كماله وحسنه.
-------
التسبيح بالاسم
قال تعالى:
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} الواقعة74
فالاسم الْعَظِيمِ من الأسماء التي تشير إلى حقيقة الذات الإلهية؛ أي الكيان الإلهي الذي تستند إليه السمات، لذلك فالإنسان وكل الكائنات لا يمكنهم الحياة إلا به، وسر الحياة هو التسبيح، وهو سبحانه قيوم السماوات والأرض وما فيهن، وجسد الإنسان يسبح مثل سائر المخلوقات بمقتضى حقيقته، وهو مأمور أن يسبح من حيث نفسه التي هي كيانه الجوهري بمحض اختياره وإرادته، وبذلك يتوافق مع الكون كله، ويعمل الكل على تحقيق المقصد من سعيه وإصلاح أمره.
-------
تسبيح الاسم
قال تعالى:
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى1
الاسم الأعلى يشير إلى علو الذات مع علو المرتبة على كل التصورات والمفاهيم والمدارك علوا مطلقا، لذلك على الإنسان أن يتحقق بهذه الحقيقة وألا يقيد ربه بما لديه بما لديه من تصور عنه وأن ينزهه عن كل أفكار أو مفاهيم عنه لديه، ليس بمعنى نفيها نفيا تاما، وإنما بمعنى اليقين بأنه سبحانه يتعالى فوقها علوا كبيرا.
وآيات تسبيح أسماء الله تعالى عديدة.
-------
التسبيح لله
قال تعالى:
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }الجمعة1، {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }التغابن1، {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}الحديد1، {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ...(37) (النور)
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} الإنسان26، {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} الفتح9، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ }ق40،  {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ }الطور49، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً{41} وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً{42}} الأحزاب42، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44]
إنه بثبوت أنه لا يوجد مرجع مادي ثابت يمكن نسبة الحركات والتغيرات إليه وعدم وجود ساعة كونية يمكن حساب الحركات والتغيرات بالنسبة إليها وأن زمان ومكان هذا العالم نشآ معه وأن كل الحركات نسبية، فقد ثبت بالضرورة أن الله تعالى هو المرجع الأوحد للحركات والسند الأوحد لوجود الأشياء، فهي بحركاتها الذاتية والخارجية تسعى إليه في مسارات هو الذي رسمها لها في العالم الحقيقي ذي الأبعاد العديدة المتنوعة.
والإنسان يجب أن يسبح ربه بلساني المقال والحال كما تسبحه كل الكائنات بلسان الحال، فيجب أن يجعل الإنسان تسبيحه الذاتي المؤدي إلى بقائه وحياته وسعيه في هذا العالم على كافة المستويات لله رب العالمين مدركا أن ذلك مما يؤدي إلى ظهور سمات الحسن والكمال الإلهية، والتسبيح اللساني مع الحضور والتركيز من وسائل التحقق بهذه الحالة.


*******


الخميس، 3 سبتمبر 2015

جهاد مقدس جدا

جهاد مقدس جدا



جمع زعيم إحدى العصابات رجاله، كانوا قد تمرسوا بالقتال من حروبهم مع العصابات الأخرى، انتهزوا فرصة الفوضى التي سادت البلاد بعد الثورة المجيدة، أعدوا العدة للهجوم على القرية ذات الخير الكثير، ولما أكملوا استعداداتهم أرسلوا الإنذار التالي لعمدتها:
"اسمع أيها العمدة، لقد ثبت لدينا أن أهل هذه القرية لا يتبعون المذهب الصحيح الذي نتبعه، وبالتالي فأنتم هدف مشروع لنا، أنتم ضالون مشركون، لذلك فإما أن تتبعوا مذهبنا وإما أن نقاتلكم وإما أن نفرض عليكم جزية تؤدونها لنا وأنتم أذلة صاغرون، وفي كل الأحوال سنقيم معكم في قريتكم نأكل مما تنبت الأرض مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا فضلا عن لحوام الأنعام التي تربونها".
قال لهم العمدة: "وما هو مذهبكم؟"
قال قائدهم: إنه المذهب الذي ظللنا نكيد له ونحاربه ونضطهد أتباعه سنين طويلة إلى أن غُلبنا على أمرنا فاعتنقناه!
العمدة: ولماذا لا تعطوننا الفرصة لندرسه في مدة مماثلة؟
القائد: ماذا تقول؟! انتهى زمن السماح أيها الضال المستكبر، ولقد قمنا بهذا الواجب عنكم ودرسنا وعارضنا بما فيه الكفاية، وكل ما يمكن أن يخطر ببالك من اعتراضات قد قلناها قبلكم، وإذا كان هذا المذهب قد هزمنا –نحن- ونحن أضل وأشرس القبائل والعصابات فهل ستقوون أنتم عليه أيها العلوج؟ لقد قمنا بواجب التصدي له نيابة عنكم، قُضِي الأمر وانتهى وقت التهريج!
العمدة: لا أطلب إلا أن ترسلوا لنا بعض المتمكنين من هذا المذهب ليشرحوه للناس.
القائد: متمكن؟ اتضع العقدة في المنشار أيها العلج؟ ليس فينا متمكن! كل هؤلاء حديثو عهد بالمذهب! أما المتمكنون فقد حاولوا الاستيلاء على السلطة فقمنا بالواجب تجاههم!
العمدة يهمهم: يا له من منطق دامغ!
القائد: بماذا تهمهم أيها العلج، ألا تخشى بأسنا؟ اعلم أننا جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة!!
العمدة: وماذا في ذلك؟ كل الكائنات الحية تحب الحياة، نعم، نحن نحب الحياة لنا ولكم ولكل الناس، وإذا كنتم أنتم تحبون الموت فما هو ذنبنا نحن؟ ولماذا لا تذهبون لتموتوا بعيدا عن قريتنا المسالمة التي لم تخطئ في حقكم؟
قالوا: ما هذا؟ عمدة وفيلسوف؟! وهل بعد الكفر بالمذهب الصحيح خطأ أيها الضال النجس؟ تأهب للقتال!
نظر العمدة إلى الحشد الماثل أمامه، إنهم قتلة متمرسون محترفون، ينقدح الشر من أعينهم، وكل واحد منهم مسلح حتى أسنانه، تذكر أهل قريته الذين نشئوا لا يجيدون إلا أعمال الزراعة والسهر على راحة بهائمهم التي تنام بجانبهم والقيام ببعض الصناعات البسيطة وأقصى ما يمكن أن يفعلوه عند الاختلاف رفع الصوت قليلا ثم ينصرف كل واحد منهم إلى حال سبيله، ثم يتصافون بعد ذلك.
لم يجد العمدة بدًا من القبول بشروطهم، أرسل رجاله ليجمعوا لهم الأموال التي طلبوها، أخذ العويل والصراخ يتصاعد من بيوت القرية، أفهمهم رجال العمدة أن ذلك خير لهم من أن يفقدوا حياتهم.
تقدم العمدة بالأموال إلى زعيم العصابة، قال له انتظر قليلا، يجب أن تؤديها وأنت ذليل صاغر، سأجلس مكانك أولا واضعا قدمي في اتجاهك، وعليك أن تظهر لي أقصى درجات الذل والصغار، وإياك ثم إياك أن تقصر في شيء من ذلك!
هرول العمدة إلى أهل قريته، أخذ يسأل اليتامى عما يفعلون مقابل ما تفعله بهم زوجات آبائهم والمملق ماذا يفعل إذا ما عضَّه الجوع القاسي وأراد أن يستعطف الناس لكي يعطوه ما يسد رمقه والزوج الذليل كيف يقابل نشوز زوجته المتغطرسة والزوجة مكسورة الجناح عما تفعله مع أهل زوجها المتكبرين والمسكين العاجز عن التكسب كيف يتذلل للناس ليجد ما يقيم أوده، بل أخذ يسأل نفسه عما كان يفعله الفلاحون المساكين معه هو ويحاول أن يتذكر كلامهم وما أظهروه له من ألوان الذل والمسكنة، جمع هذه الثروة المعلوماتية الهائلة وذهب إلى زعيم العصابة وأخذ يتفانى في استعراض وإظهار كل ما تعلمه من ضروب الذل والهوان.
قال الزعيم: لم تظهر لي ما يجب من الذلة والصغار! على العموم سأقبل هذا منك الآن حتى ننتقل إلى الخطوة التالية، فقد داهمنا الوقت كما يقول مذيع قناة الجزيرة، لقد قررت أن أقيم هنا في بيتك! ابحث لك عن بيت آخر! وعليك لتوِّك أن ترسل لنا أهل القرية ليبنوا لرجالي بيوتا حول بيتي هذا، يجب أن تنتهوا من ذلك بسرعة، لا تنس إحضار الطعام والشراب أيضا، رجالي تعبوا من الجهاد في هذا اليوم أيها الكفرة الأنذال!!.
لم يعجب الاستسلام المهين الذي أبداه العمدة بعض سكان بضعة أزقة من أزقة القرية، تسلح سكانها بكل ما استطاعوا، وأعدوا خطة سريعة للدفاع عن أنفسهم، أخذوا يتصايحون منددين بالظلم والعدوان، وصلت أصواتهم إلى مسامع القائد الهمام، انتقي أشرس فرسانه، وضعهم تحت إمرة أشرس قواده وأرسلهم لمعالجة الأمر.
تمكن الفلاحون وهم مشاة من كسر أول موجة هجوم لفرسان العصابة وكبدوهم عدة قتلى، عاود الفرسان الهجوم بعد أن تلقوا مددا إضافيا، واجتاحوا خطوط الدفاع، ولكن انهالت عليهم الحجارة والمياه الساخنة من أسطح البيوت فلاذوا بالفرار.
قرر المهاجمون ضرب حصار محكم على الأزقة الثائرة، طال الحصار، قتلوا بدون رحمة كل من حاول أن يمدهم بالطعام وحملوا رأسه وطافوا بها في الأزقة المستسلمة لزيادة إرهابهم.
بدأ المحاصرون يتساقطون من الجوع والإعياء، ولكنهم شدوا من أزر بعضهم البعض، وقرروا الخروج للقتال، قاتلوا قتال اليائس المستميت، ولكنهم هُزموا في النهاية، قُطعت رؤوسهم وعلقت بطول الأزقة رأسًا بعد رأس، صُلِب بعضهم الآخر على جانبي الأزقة وعند مداخلها، أما نساؤهم وأطفالهم فأخذ رجال العصابة لأنفسهم منهم ما أخذوا وأرسلوا البعض ليباع في قريتهم الأصلية، قام الخبراء بفحصهن جيدا، كانت النتيجة إيجابية، واشتد الطلب على هذه النوعية.
تم فرض جزية ثقيلة على كل علج من العلوج يؤديها وهو ذليل صاغر ويتلقى أثناء تأديتها شتى ضروب الإهانة والإذلال، ثم يُختم على قفاه في النهاية.
وبذلك اطمأن أهل القرية لعدالة العصابة وقرروا التفاني في خدمتهم والإشادة بمآثرهم! وألفوا القصائد للإشادة بهم.

وإلى الآن مازال أهل القرية يسبحون بحمد العصابة التي قتلت أسلافهم واستحيت نساءهم!! أما مقابر من قتلوهم منهم فقد تحولت إلى مزارات مقدسة يتمسحون بها ويقبلون عتباتها بل ويسجد بعضهم لها.

*******