الاثنين، 29 ديسمبر 2025

معركة آسك، عندما تمكن 40 من الخوارج الضالين من هزيمة جيش أموي عدده 2000 من الفاسقين

 

معركة آسك، عندما تمكن 40 من الخوارج الضالين من هزيمة جيش أموي عدده 2000 من الفاسقين

 

معركة آسك (أو يوم آسك) هي واحدة من أغرب المعارك في تاريخ المحسوبين على الإسلام من حيث التفاوت العددي، وقد وقعت في عهد الدولة الأموية (حوالي عام 65 هـ / 684 م) بين طائفة من الخوارج الأزارقة وجيش والي البصرة عبيد الله بن زياد. ًا ًا

تُعد هذه المعركة مثالًا تاريخيًا حيًا على قوة العقيدة القتالية والاندفاع الانتحاري الذي ميز الخوارج، مقابل ضعف الروح المعنوية والارتباك في صفوف الجيوش النظامية حينها.

 

تفاصيل المعركة وسياقها

1. الأطراف المتحاربة

  • الخوارج: مجموعة صغيرة جدًا قوامها 40 فارسًا فقط، بقيادة عبيدة بن هلال اليشكري (وقيل كان معه نافع بن الأزرق).
  • الجيش الأموي: جيش نظامي ضخم يضم 2000 جندي، بقيادة مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة.

2. موقع المعركة

وقعت المعركة في منطقة تسمى "آسك"، وهي بلدة تاريخية كانت تقع بين إقليمي الأهواز وفارس (إيران الحالية).

3. أحداث الموقعة

عندما التقى الجمعان، استخفّ قائد الجيش الأموي بعدد الخوارج القليل، لكن الخوارج اعتمدوا استراتيجية "الهجوم الصاعق". شنّ الأربعون فارسًا حملة واحدة رجل واحد وهم يقرأون القرآن وينادون بشعارهم "لا حكم إلا لله"، مما أحدث رعبًا هائلًا في صفوف الجيش الأموي.

تقول الروايات التاريخية (مثل ما ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ):

"حمل الخوارج حملة واحدة، فما ولى أحد منهم وجهه حتى هزموا الألفين وقتلوا أميرهم مسلم بن عبيس."

4. النتيجة الصادمة

  • هزيمة ساحقة: فرّ بقية الجيش الأموي (2000 جندي) أمام صمود وشدة بأس الأربعين فارسًا.
  • مقتل القادة: قُتل قائد الجيش الأموي مسلم بن عبيس، ومعه عدد من الأشراف والقادة.
  • أثر المعركة: كانت هذه المعركة سببًا في تعاظم شوكة الأزارقة (أشد فرق الخوارج) وبداية لسلسلة حروب طويلة استنزفت الدولة الأموية في العراق وفارس لسنوات طويلة، ولم يكسر شوكتهم تمامًا إلا المهلب بن أبي صفرة لاحقًا.

 

لماذا انتصر الـ 40 على الـ 2000؟

يرجع المؤرخون هذا النصر غير المنطقي إلى عدة أسباب:

1.   الاستماتة: كان الخوارج يقاتلون لطلب "الشهادة" (بزعمهم) ولا يفكرون في التراجع، مما جعل ضرباتهم قاتلة ومؤثرة.

2.   عنصر المفاجأة والرهبة: الصدمة النفسية برؤية مجموعة صغيرة تهاجم جيشًا جرارًا جعلت الجنود يظنون أن هؤلاء "مستبسلون لا يمكن قهرهم".

3.   ضعف القيادة: أدى مقتل القائد الأموي في بداية الاشتباك إلى انهيار التشكيل العسكري وفرار الجنود.

 

ومن أشهر ما قيل في تلك الوقعة، وهو يمثل ذروة التهكم والسخرية من الهزيمة المنكرة التي لحقت بالجيش الأموي:

أألفا مؤمنٍ فيما زعمتمْ ... يقتلُهم بآسكَ أربعونا؟

كذبتم ليس ذاك كما زعمتمْ ... ولكنّ الخوارجَ مؤمنونا

 

هذان البيتان قالهما المجرم السافل عمران بن حِطّان، وهو أحد كبار شعراء الخوارج وخطبائهم، وكان لسان حالهم الذي يفاخر ببطولاتهم.

 

تحليل الأبيات ودلالتها

1.   التشكيك في "الإيمان": الشاعر هنا يستخدم سلاح "التكفير" والمقابلة؛ فإذا كان الجيش الأموي يزعم أنه على إيمان، فكيف يهزمه 40 رجلًا فقط؟ هو يرى أن النصر دليل على "تأييد إلهي" للخوارج، وأن الهزيمة دليل على بطلان عقيدة الجيش المقابل.

2.   الحرب النفسية: كانت مثل هذه القصائد تنتشر في الأمصار أسرع من البريد، مما تسبب في إحراج كبير للدولة الأموية، وزاد من رعب الجنود في الكوفة والبصرة من مواجهة الخوارج، لأنهم أصبحوا يُنظر إليهم كقوة "غير بشرية" في القتال.


الإسلام والديانة المصرية القديمة أكثر منظومتين دينيّتين اتساقًا مع منظومة القيم الإنسانية فيما يتعلّق بـ اليوم الآخر

 

الإسلام والديانة المصرية القديمة أكثر منظومتين دينيّتين اتساقًا مع منظومة القيم الإنسانية فيما يتعلّق بـ اليوم الآخر

الإسلام والديانة المصرية القديمة أكثر منظومتين دينيّتين اتساقًا مع منظومة القيم الإنسانية فيما يتعلّق بـ اليوم الآخر (Eschatology)، من حيث المسؤولية الأخلاقية، والعدالة، والميزان، ومعنى الجزاء.

 

اليوم الآخر ومنظومة القيم الإنسانية

مقارنة تحليلية بين الإسلام والديانة المصرية القديمة

Eschatology, Moral Accountability, and Human Values

 

تمهيد إشكالي

يُعدّ اليوم الآخر (Al-Yawm Al-Âir / Eschatology) الاختبار الأصدق لأي منظومة دينية تدّعي الارتباط بالقيم الإنسانية العليا، لأن هذا المفهوم هو النقطة التي يلتقي فيها:

1.   العدل (Justice)

  1. المسؤولية الأخلاقية (Moral Responsibility)
  2. معنى الخير والشر (Good and Evil)
  3. كرامة الإنسان (Human Dignity)

فالدين الذي يعجز عن تقديم تصور أخروي منسجم مع هذه القيم، مهما بلغت بلاغته اللاهوتية، يبقى قاصرًا عن إغلاق السؤال الأخلاقي الكوني.

ومن خلال هذا المعيار تحديدًا، يبرز الإسلام والديانة المصرية القديمة بوصفهما أكثر منظومتين دينيّتين قديمتين وحديثتين اقتربتا من بناء أخروي يتّسق مع الضمير الإنساني العام.

 

أولًا: معيار الاتساق مع القيم الإنسانية

Criteria of Human-Value Consistency

يمكن تلخيص القيم الإنسانية الجوهرية التي يجب أن يحققها أي تصور أخروي في خمس نقاط:

1.   المسؤولية الفردية (Individual Accountability)

2.   العدالة الاستيفائية (Retributive / Exhaustive Justice)

3.   ربط المصير بالفعل الأخلاقي (Action–Outcome Coherence)

4.   رفض الخلاص بالانتماء أو الوساطة (Rejection of Arbitrary Salvation)

5.   كونية الميزان (Universal Moral Balance)

وسيُقاس الإسلام والديانة المصرية القديمة على هذه المعايير.

 

ثانيًا: الديانة المصرية القديمة – البذرة الأولى للعدالة الأخروية

Ancient Egyptian Religion: The First Moral Eschatology

1.   مركزية الحساب والميزان

في الديانة المصرية القديمة، لا يُترك مصير الإنسان:

أ‌.      للانتماء القومي

ب‌.  ولا للطقس وحده

ت‌.  ولا لرضا إلهي اعتباطي

بل يُحسم في محكمة الموتى (Judgment of the Dead)، عبر:

وزن القلب  (Weighing of the Heart) مقابل ماعت (Maʿat)، أي الحق والعدل والنظام الكوني

وهذا يُعدّ:

أول تصور ديني معروف يربط الخلود بـ القيمة الأخلاقية للفعل الإنساني.

 

2.   المسؤولية الفردية الصارمة

لا يُسأل الإنسان المصري القديم:

عن نسبه، ولا عن طبقته، ولا عن قربانه

بل عن:

الصدق، عدم الظلم، عدم الكذب، عدم الاعتداء

فيما يُعرف بـ الاعتراف السلبي (Negative Confession).

وهذا يضع الديانة المصرية في انسجام واضح مع مبدأ:
Individual Moral Accountability.

 

3.   حدود التصور المصري

مع ذلك، يبقى التصور المصري:

أ‌.      رمزيًا–طقسيًا

ب‌.  مرتبطًا بالجسد والتحنيط

ت‌.  يخلو من مفهوم الرحمة والفضل (Grace / Mercy)

ومع هذا، فإن جوهره العدلي يظل:

أكثر اتساقًا مع القيم الإنسانية
من التصورات التي ألغت الميزان أو عطّلته.

 

ثالثًا: الإسلام – اكتمال الميزان الأخلاقي الكوني

Islâm: The Completion of Moral Eschatology

1.   اليوم الآخر كضرورة أخلاقية كونية

في الإسلام، اليوم الآخر ليس:

فكرة وعظية، ولا وعدًا تعزيًا نفسيًا

بل:

ضرورة عقلية وأخلاقية (Moral and Rational Necessity)

بدونه:

لا يستقيم معنى التكليف، ولا يصدق العدل، ولا تُفهم الحكمة الإلهية

 

2.   الميزان: قلب المنظومة الأخروية

الميزان – Al-Mīzân – The Moral Balance

الميزان في الإسلام:

كوني، شامل، دقيق

يَزن:

الأفعال، النيات، السياقات

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} سورة الزلزلة

وهذا يحقق أعلى درجات:
Action–Outcome Coherence.

 

3.   لا خلاص بلا عدل

يرفض الإسلام:

أ‌.      الخطيئة الموروثة

ب‌.  الفداء الاستبدالي

ت‌.  الخلاص بالانتماء

ويؤسس بدلًا من ذلك:

أ‌.      عدالة استيفائية (Exhaustive Justice)

ب‌.  مسؤولية فردية كاملة

{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير} [فاطر:18]

 

4.   إدخال الرحمة دون نقض العدل

ما يميّز الإسلام عن الديانة المصرية القديمة هو:

إدخال الرحمة (Mercy)والفضل (Grace / Fal)

لكن:

دون تعطيل الميزان، ودون إلغاء المسؤولية

فالرحمة:

زيادة في الخير
لا إبطال للعدل.

وهذا يمثّل أعلى درجة من الاتساق الأخلاقي.

 

رابعًا: لماذا يختلفان عن غيرهما؟

Why They Stand Apart

بالمقارنة مع اليهودية والمسيحية:

  • اليهودية:

ركّزت على التاريخ والعهد، فضعف البعد الأخروي الكوني

  • المسيحية:

ركّزت على الخلاص والنعمة، فعُطِّل الميزان العدلي

أما:

  • مصر القديمة:
    وضعت الميزان أولًا
  • الإسلام:
    أكمل الميزان وحرّره من الطقس

 

الخلاصة النهائية

يمكن القول ـ بمنهج علمي لا إنشائي ـ إن:

الديانة المصرية القديمة
قدّمت أول تصور أخلاقي حقيقي لليوم الآخر،

والإسلام
قدّم اكتماله النهائي الكوني.

كلاهما:

1- ربط المصير بالفعل

2- وأعلى قيمة العدل

3- واحترم كرامة الإنسان بوصفه مسؤولًا

لكن الإسلام:

1- عمّم الميزان

2- وأدخَل الرحمة دون كسر العدالة

3- وجعل اليوم الآخر شرطًا لصدق الألوهية نفسها.

ولهذا:

فإن أكثر تصورين دينيين انسجما مع منظومة القيم الإنسانية في الآخرة
هما:
مصر القديمة بوصفها البذرة، والإسلام بوصفه الاكتمال.

 

*******

*******

*******

الخميس، 25 ديسمبر 2025

من أوزير إلى الكريسماس: رحلة رمز عبر الحضارات


من أوزير إلى الكريسماس: رحلة رمز عبر الحضارات

شجرة الحياة والانقلاب الشتوي

تمهيد

ليست الأعياد الكبرى في تاريخ الإنسانية مجرد تواريخ عابرة أو طقوس دينية منعزلة، بل هي تجليات رمزية كبرى (Symbolic Manifestations) لعلاقة الإنسان بالزمن، والطبيعة، والموت، والبعث، والمعنى. ومن بين هذه اللحظات الكونية المفصلية، تحتل ظاهرة الانقلاب الشتوي (Winter Solstice – الانقلاب الشتوي) موقعًا مركزيًا، إذ تمثل اللحظة التي يبلغ فيها الليل أقصى مداه، ثم يبدأ النور في العودة من جديد.

هذه اللحظة، بما تحمله من دلالة الانتصار الرمزي للحياة على الموت، شكّلت أساسًا لعدد هائل من الأعياد الدينية والطقوس الاحتفالية في حضارات شرق البحر المتوسط وبلاد الرافدين وفارس ومصر القديمة، قبل أن تنتقل — بأشكال مختلفة — إلى الثقافة الرومانية ثم المسيحية.

 

الانقلاب الشتوي: عيد كوني مشترك

عرفت شعوب الشرق القديم الانقلاب الشتوي بوصفه عيدًا كونيًا للبعث والتجدد، لا مجرد ظاهرة فلكية. ففي بلاد الرافدين ارتبط بمواسم الخصوبة وعودة الإله تموز، وفي فارس ارتبط بعيد يلدا (Yalda Night – ليلة يلدا) المرتبط بميلاد الإله ميثرا، رمز النور الذي يولد من أحشاء الظلمة.

أما في العالم الهيليني والروماني، فقد ارتبط الانقلاب الشتوي بأعياد الشمس التي لا تُقهر (Sol Invictus)، وكان يوم 25 ديسمبر يُحتفل به بوصفه ميلاد النور الجديد، قبل أن يُعاد توظيف هذا التاريخ لاحقًا في السياق المسيحي.

غير أن أقدم وأعمق تجلٍّ رمزي لهذه الظاهرة نجده في مصر القديمة، ضمن الديانة الأوزيرية–الأمونية، حيث بلغ الرمز ذروة نضجه الفلسفي والطقسي.

 

أوزير: الموت الذي صار حياة

في العقيدة المصرية القديمة، لم يكن أوزيريس مجرد إله، بل مبدأ كوني يجسّد دورة الحياة: الموت، التحلل، ثم البعث. فقد مثّل أوزير الأرض الخصبة، والنبات، والحبوب، وكل ما يموت ليحيا من جديد.

تشير مصادر علم المصريات، وعلى رأسها أعمال سليم حسن في موسوعة مصر القديمة، وجيمس هنري بريستد في فجر الضمير، إلى أن احتفالات أوزيريس بلغت ذروتها في منتصف شهر كيهك، وهو الشهر الرابع من فصل الفيضان (آخت)، الموافق تقريبًا 25 ديسمبر في التقويم الشمسي.

كان هذا التوقيت مرتبطًا بعقيدة راسخة مفادها أن:

أوزيريس يعود إلى الحياة متقمصًا جسد شجرة خضراء.

 

شجرة أوزير (بنور رع): رمز القيامة

كانت شجرة أوزير، المعروفة في النصوص باسم بنو رع أو بنور رع، تُنصب في ساحات الاحتفال، خصوصًا في أبيدوس، المركز الروحي الأهم لعبادة أوزيريس، حيث كان موسم الحج الأوزيري السنوي.

في هذا العيد:

  • تُختار أكثر الأشجار اخضرارًا.
  • تُغرس في ساحة الاحتفال الكبرى.
  • تُزيَّن بالشموع العطرية والرموز.
  • يجتمع حولها الرجال والنساء والأطفال والفقراء.
  • تُقدَّم العطايا والهدايا.
  • تُكتب الأمنيات على أوراق البردي وتُوضع أسفل الشجرة، في طقس رمزي يجمع بين الرجاء والوساطة الكهنوتية.

وقد كان يُعتقد، بحسب تقاليد أوزيرية راسخة، أن تابوت أوزيريس ظلّلته شجرة الجميز في النصف الأخير من شهر كيهك، وهو ما منح الشجرة مكانتها المقدسة بوصفها وعاء الحياة المتجددة.

يقول بريستد:

"عاد هذا الرب إلى الحياة مرة أخرى متقمصًا جسم شجرة خضراء، فأصبح رمزًا لرجوع الحياة التي تنبثق من الموت… ومن هنا نشأ عيد سنوي برفع شجرة مقتلعة وغرسها في الأرض في محفل عظيم".

ويؤكد وليم نظير في العادات المصرية بين الأمس واليوم:

"رمز المصريون للحياة المتجددة بشجرة خضراء، وكانوا يقيمون كل عام حفلًا كبيرًا ينصبون فيه شجرة يزينونها كما يفعل الناس اليوم بشجرة عيد الميلاد".

 

من مصر إلى العالم

انتقل هذا الرمز من مصر:

  • إلى بابل،
  • ثم إلى العالم الهيليني والروماني،
  • ثم عاد إلى الظهور في السياق المسيحي باسم شجرة عيد الميلاد.

ومن المهم هنا التمييز بين الرمز والعقيدة:
فالمسيحية لم تستقِ عقيدتها من مصر، لكنها ورثت رمزًا كونيًا قديمًا أُعيد تفسيره ضمن سياق لاهوتي جديد.

حتى الكنيسة الكاثوليكية ظلت لفترة طويلة ترفض شجرة الميلاد وتعدّها عادة وثنية، ولم تدخل رسميًا الفضاء الكنسي إلا في العصر الحديث، حيث نُصبت أول شجرة في ساحة الفاتيكان عام 1982.

 

شجرة الميلاد في العالم الحديث

في الولايات المتحدة، قوبلت شجرة الميلاد في البداية بالرفض، باعتبارها تقليدًا أوروبيًا دخيلًا، إلى أن أمر الرئيس فرانكلين بيرس بوضع أول شجرة في البيت الأبيض، ثم ثبّت الرئيس كالفين كوليدج هذا التقليد عام 1923 بإضاءة شجرة الميلاد في حديقة البيت الأبيض.

وهكذا، انتقل رمز مصري قديم، مرتبط بالبعث والقيامة والنور، عبر آلاف السنين، ليصبح أحد أكثر الرموز العالمية انتشارًا.

 

خاتمة: حين يُنسى الأصل ويبقى الرمز

إن الاعتراف بالجذور الحضارية ليس مطالبة بامتلاك العالم، ولا دعوة للتعالي، بل هو استعادة للوعي. فمصر لم تكن هامشًا في تاريخ الرموز الدينية، بل كانت أحد منابعه الكبرى.

وحين يُحتفل اليوم بشجرة الميلاد في أنحاء العالم، دون وعي بجذورها الأولى، فإن أقل ما يُقال — بلسان حضاري لا عدائي — هو:

شكرًا لمصر… التي علّمت الإنسانية كيف ترى الحياة وهي تولد من قلب الموت.

كل عام والإنسانية بخير،
وكل عام والنور يعود.

 

*******

*******

*******