الخميس، 4 ديسمبر 2025

من كتابنا "حقيقة الفعل الإنساني والحكم عليه" أسباب ترسيخ الإيمان بالجبرية في التاريخ الإسلامي المبكر

 

من كتابنا "حقيقة الفعل الإنساني والحكم عليه"

أسباب ترسيخ الإيمان بالجبرية في التاريخ الإسلامي المبكر

مقدّمة

يمثّل مفهوم الجبرية (Theological Determinism)  أحد أبرز الإشكالات الفكرية التي تسرّبت إلى الوعي الديني الإسلامي عبر حقب تاريخية معيّنة، حتى ترسّخت في التصوّر العام بوصفها عقيدة دينية راسخة، رغم أن بنيتها المفاهيمية تتعارض تعارضًا جوهريًا مع البنية القرءانية الأصيلة القائمة على المسؤولية (Moral Agency)  الإرادة الحرة (Free Will)   والتكليف (Accountability).

وتاريخ الجبرية ليس تاريخًا عقائديًا مجرّدًا، بل هو تاريخ سياسي بامتياز؛ لأنه ارتبط ارتباطًا وثيقًا بظروف السلطة، وآليات شرعنة الحكم، وأنماط السيطرة الاجتماعية والفكرية. وبذلك يصبح تحليل الجبرية ضرورة منهجية لفهم البنية العميقة للوعي الإسلامي، وكيف تشكّلت طبقات من التأويلات والمرويّات أسهمت في تكريس رؤية قدرية تسلب الإنسان حريته وكرامته وتُضفي قداسة على السلطان.

 

أولًا: المصالح السياسية وبناء العقيدة الجبرية

1.   السلطة القرشية والأموية والعباسية وصناعة “لاهوت الاستسلام

لقد كان لدى الأنظمة السلطانية الأولى— القرشية ثم الأموية ثم العباسية—مصلحة مؤكّدة في هندسة الدين بحيث يفضي بالناس إلى الإيمان بنمط من الجبرية المطلقة أو الجبرية المعدّلة التي تنتهي عمليًا إلى النتيجة نفسها:
الخضوع السياسي والرضا بالظلم، مع اعتبار ذلك طاعة لله وامتثالًا لإرادته.

كان هذا النمط من التفكير يُستخدم بوصفه أداة للضبط الاجتماعي (Social Control Mechanism)، حيث تُحوَّل السلطة الزمنية إلى قدر إلهي، ويُعاد تأويل كل مقاومة أو اعتراض بوصفه “مخالفة للمشيئة الإلهية”.

مثال تاريخي 1: تبرير تجاهل الوصايا النبوية واختيار أبي بكر لولاية الأمر.

مثال تاريخي 2: يزيد وتبرير مأساة كربلاء

من أبرز الأمثلة التاريخية الدالة على هذا التوظيف السياسي للجبرية:

  • استخدم يزيد بن معاوية خطابًا جبرِيًا لتبرير قتله للإمام الحسين وأهل بيته، متذرعًا بأن ما حدث هو “قضاء الله وقدره”، وأن انتصاره السياسي هو مظهر “اصطفاء” أو “تمكين قدري”.

كان هذا النمط من التبرير أيديولوجيا سلطانية لا علاقة لها بالقرءان، وإنما تمثّل محاولة لخلع معنى المقدّس على فعل سياسي إجرامي، وجعل الطاعة للطاغية سلوكًا دينيًا.

 

ثانيًا: آليات إنتاج الجبرية: التأويل، التحريف، وصناعة المرويات

2.   تنقية النصوص من الحرية

لما وجد المبطلون أن القرءان يقف شامخًا واضحًا في تأكيد حرية الإنسان ومسؤوليته كان لابد لهم من استراتيجية بديلة تقوم على:

1.   إعادة تأويل الآيات التي تهدم الجبرية، وصرفها عن دلالاتها البينة.

2.   وضع مرويات جديدة تتوافق مع أيديولوجيا السلطة.

3.   دسّ نصوص إسرائيلية (Judaeo-Christian lore) لإسناد خطاب القضاء والقدر المشوَّه.

هذا النمط من الاشتغال يعني إعادة كتابة الوعي الديني” (Religious Consciousness Engineering).

 

3.   صناعة صورة “الإله السلطاني

بلغ الأمر ببعضهم حدَّ نسبة الظلم إلى الله، بزعم أنه يجوز أن يُدخل الكافرَ الجنّة ويُلقي بالمطيع في النار، وأنه “لا يُسأل عما يفعل” بالمعنى السلطاني الاستبدادي، لا بالمعنى القرءاني الذي يثبت لله كل سمات الكمال، ومنها الحقانية والحكمة والعدل ويحمي القيم الأخلاقية.

إن هذا التصوّر لم يكن رؤية توحيدية، بل كان إسقاطًا لصورة المتسلط الأموي أو العباسي على مقام الألوهية.
فهم لم يعبدوا الإله الذي أنزل القرءان، بل عبدوا صورة مكبّرة للطاغية.

 

ثالثًا: العوامل الاجتماعية التي مهّدت لانتشار الجبرية

الجبرية ليست بنت السياسة وحدها، بل نتجت أيضًا عن عوامل اجتماعية–ثقافية.

1.   حياة الأعراب القاسية واللاعقلية القدرية

القبائل العربية قبل الإسلام كانت تعيش في بيئة قاسية مضطربة، تعتمد على الغزو والسلب، وتتعرّض لغارات مفاجئة لا يمكن التنبؤ بها.
هذا النمط من الحياة يولّد نزعة “قدرية عشوائية ” (Fatalistic Attitude)، تجعل الإنسان يشعر بأنه مساق بقوى لا يملك أمامها شيئًا.

ولذلك:

أ‌.      كان من السهل دمج هذا الموروث النفسي في الرؤية الدينية الجديدة.

ب‌.  ومع الوقت تحوّل إلى بنية فكرية تُسمّى “الجبرية”.

 

2.   الحكم الإرهابي الدموي كنظام لإنتاج الخضوع

عقب الفتن الكبرى، تَشكّل نظام حكم يقوم على:

أ‌.      القمع،

ب‌.  استعمال الدين كأيديولوجية للعدوان المستمر،

ت‌.  اعتبار كل فرد جنديا في جيش الأسرة الحاكمة،

ث‌.  تصفية الخصوم،

ج‌.   تحويل الخضوع السياسي إلى واجب ديني.

وهنا ظهرت الجبرية بوصفها لاهوثًا سياسيًا” (Political Theology)، يعمل على تطويع الناس وإقناعهم بأن السلطان—مهما ظلم—هو تجلٍّ لقدر الله وإرادته.

 

رابعًا: موقف القرن الإسلامي الأول: الإيمان الفاعل لا الجبرية

يخطئ من يظن أن المسلمين الأوائل كانوا جبريين.
إنما الحقيقة أن:

أ‌.      المسلمين في القرن الأول كانوا يتحركون بدافع إيمان قرءاني محض،

ب‌.  وثقة مطلقة بصدق الوعود الإلهية،

ت‌.  وإيقان بأن النصر يتنزل على من يقوم بالحق،

ث‌.  وأن المسؤولية فردية، وأن التكليف قائم على الاختيار.

لقد كان الوعي الأول وعيًا ديناميًّا (Dynamic Faith) قائمًا على الحركة والفعل والنهضة، لا على السكون والاستسلام.

 

خامسًا: المذاهب التي ولدت في البيئة المتوترة

في ظل الظروف القاسية—سياسية واجتماعية—نشأت لاحقًا مدارس كلامية تعاطت مع الجبرية بطرق مختلفة:

1.   مذاهب كرّست الجبرية ونظَّرت لها
مثل الأثرية وبعض التيارات الأشعرية المتأخرة التي فسّرت “القدرة” الإلهية بطريقة تُهمّش فعل الإنسان.

2.   مذاهب خفّفت من الجبرية
مثل الماتريدية التي حاولت الجمع بين الجبر والاختيار، لكنها بقيت أقرب للجبرية المنقّحة.

3.   مذاهب ثارت عليها جذريًا
وعلى رأسها المعتزلة: الذين أكدوا العدل والاختيار والمسؤولية.

 

خاتمة: ضرورة التحرّر من الجبرية لإحياء الوعي

إن الجبرية ليست مجرد مشكلة فكرية، بل هي أزمة وعي حضاري.
وقد أدت إلى:

أ‌.      شلل الأمة،

ب‌.  قتل روح المبادرة،

ت‌.  تحويل الدين إلى أداة تبرير للظلم،

ث‌.  وإخضاع الأخلاق لمنطق القوة.

ولا يمكن للأمة أن تنهض ما لم تتحرّر من جميع أشكال الجبرية، ليس فقط لأثرها المدمر على الوعي والعمل، بل لأنها باطلة ذاتيًا؛ إذ تتعارض مع القرءان، والعقل، والمنطق الأخلاقي، وبدهيات التكليف، وتجارب التاريخ.

 

الجبرية كإشكالية وجودية – معرفية

مشكلة الجبر والاختيار ليست مجرّد نزاع كلامي أو عقائدي داخلي ضمن المجتمع الإسلامي، بل هي إشكالية فلسفية مركزية ذات دلالات على:

أ‌.      طبيعة الإنسان، ما هي ذات الإنسان  human subject؟

ب‌.  طبيعة الفعل الأخلاقي (هل الفعل اختيار حرّ أم تنفيذ لِقضاء مُقدَّر؟)

ت‌.  مفهوم العدالة الإلهية (divine justice)  والتكليف الأخلاقي (moral accountability)

ث‌.  العلاقة بين السيادة الإلهية (divine sovereignty)  والحرية البشرية (human freedom/agency)

من هذا المنظور، الجبرية — عندما تُفهم كتصور مفترض بأن كل فعل إنساني خاضع لقدر محض أو لخلق مباشر من الله دون أثر للاختيار — تُلغي فكرة المسؤولية، وتُفرغ الفعل من كونه فعلًا أخلاقيًا، وتُقوّض مشروع التكليف والجزاء.

إنَّ التعامل معها يتطلب موازنة حقانية دقيقة: لا إنكار للقدرة والمعرفة الإلهية — وهي من لوازم التوحيد —، ولا تجريد صادر الإنسان من إرادته وعلمه ووعيه.

*******

*******

*******

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق