الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

أمريكا وازدواج الخطاب: كيف ظلمت نفسها بتناقضها مع ذاتها؟


أمريكا وازدواج الخطاب: كيف ظلمت نفسها بتناقضها مع ذاتها؟

أمريكا بين البراجماتية والدوجماتية: تناقض إستراتيجي بنيوي في سياستها الخارجية

تُقدَّم الولايات المتحدة في الأدبيات السياسية عادةً بوصفها التجسيد المؤسسي الأبرز للفلسفة البراجماتية؛ تلك الفلسفة التي تَعدّ الفعل السياسي حقلًا مفتوحًا للتجريب، وتقييم النتائج، وتعديل المسار بحسب ما تقتضيه المصلحة العملية. غير أنّ مسارها التاريخي في السياسة الخارجية يكشف، عند التحليل، عن مفارقة بنيوية: إذ سلكت الولايات المتحدة طريقًا نقيضًا لمرتكزاتها المعرفية، عندما تبنّت سياسة خارجية دوجماتية يقوم مركز ثقلها على عقيدة أيديولوجية مضادة للشيوعية، لا على حسابات براغماتية خالصة.

هذا التناقض ليس حادثًا ظرفيًا، بل يمثل — وفق نظريات العقلانية المحدودة (Bounded Rationality) والارتهان المساري (Path Dependence) — نتيجة تشكّل "هوية استراتيجية" شبه عقائدية، قيّدت القدرة الأمريكية على اتخاذ قرارات قائمة على تقدير التكلفة–المنفعة، ودفعت بها إلى سلسلة من الالتزامات المكلفة غير المنسجمة مع فلسفتها الأصلية.

 

1.   الدوجماتية المناهضة للشيوعية وتأسيس التوسع الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية

بعد الحرب العالمية الثانية، كان يمكن للولايات المتحدة — وفق منطق ثقافتها البراجماتية — أن تعتمد مقاربة مرنة لحماية مصالحها. لكنها بدلاً من ذلك اختارت صياغة سياستها الخارجية ضمن إطار أيديولوجي عقائدي حادّ (Anti-Communist Doctrine) جعل محاربة الشيوعية هدفًا فوق–عملي، تجاوز في أحيان كثيرة المعايير الواقعية (Realism) ومبادئ الحساب العقلاني للمكاسب والخسائر.

وقد ترتبت على ذلك ثلاث نتائج مفصلية:

أولًا: مشروع مارشال بوصفه استثمارًا غير محسوب بالكامل

رغم النجاح الاقتصادي والسياسي لمشروع مارشال، فإنّ دوافعه لم تكن محض براجماتية اقتصادية، بل نتاج رهان أيديولوجي على إنقاذ أوروبا الغربية من الانجراف نحو اليسار.
لكن هذا القرار، برغم آثاره على استقرار أوروبا، مثّل التزامًا ماليًا هائلًا ساهَم — على المدى الطويل — في إعادة بناء منافسين اقتصاديين مباشرين لأمريكا: ألمانيا الغربية، فرنسا، وبريطانيا.

ثانيًا: خلق منظومة أمنية تُعفي الحلفاء من تكاليف الدفاع

تعهدت الولايات المتحدة بالدفاع عن أوروبا الغربية واليابان، وهو قرار دوجماتي في جوهره لأنه نابع من "عقيدة الاحتواء" (Containment Doctrine)، لا من حسابات اقتصادية بحتة.
وقد أدى هذا إلى:

إعفاء أوروبا واليابان من تكاليف التسلّح الباهظة،

تكبّد أمريكا الإنفاق على مئات القواعد العسكرية،

تعزيز النمو الصناعي الأوروبي–الآسيوي على حساب القدرة التنافسية الأمريكية.

هذه المفارقة تمثل نموذجًا كلاسيكيًا لما يسميه منظّرو Overextension: توسّع إمبراطوري يفوق القدرة المثلى.

ثالثًا: دعم الانقلابات والأنظمة الموالية دون اعتبار لجدوى الاستثمار السياسي

أدّت الدوجماتية المناهضة للشيوعية إلى:

أ‌.      تمويل انقلابات ضد حكومات يسارية حتى في دول غير مؤثرة استراتيجيًا،

ب‌.  دعم أنظمة بدعوى أنها "ديمقراطية" لمجرد عدائها للشيوعية،

ت‌.  تحمّل أعباء مالية وسياسية ضخمة لا تتوافق مع معايير البراجماتية.

 

2.   من كوريا إلى فيتنام: الحرب بوصفها خيارًا أيديولوجيًا

الحرب الكورية: عندما قُيّدت البراجماتية بحدود أخلاقية دوجماتية

كانت إدارة أيزنهاور قادرة، من الناحية العسكرية، على إنهاء الحرب بسرعة باستخدام الأسلحة النووية. لكن أيزنهاور — مدفوعًا بقناعة أخلاقية–أيديولوجية بأن السلاح النووي يجب ألا يُستعمل إلا ردًّا على ضربة مماثلة — فرض قيدًا صارمًا على السلوك العسكري الأمريكي.

بهذا القرار، تحوّلت رؤية أخلاقية مجردة إلى معيار دولي قيد يد أمريكا، وأنتجت — paradoxically — نتيجة لا تتفق مع البراجماتية: حرب طويلة، مكلفة، غير محسومة، انتهت إلى وضع يشبه نقطة البداية.

فيتنام: ذروة تورط عقائدي مضاد للبراجماتية

دخلت الولايات المتحدة حربًا لم تكن ضرورية استراتيجية، ولا محسوبة اقتصاديًا، بل كانت نتاج "متلازمة الدومينو" التي صنعتها هي نفسها.
وهكذا تحولت السياسة الخارجية الأمريكية إلى نموذج لـ Ideological Overstretch حيث تبتلع الأيديولوجيا القدرة على الحساب العقلاني.

 

3.   العدوان الثلاثي (1956): لحظة براجماتية نادرة في سياق دوجماتي

يمثل موقف الرئيس دوايت أيزنهاور من العدوان الثلاثي على مصر (بريطانيا–فرنسا–إسرائيل) حالة ذات دلالة عميقة، لأنها تكشف المفارقة العكسية:
في وقت اتّسمت فيه السياسات الأمريكية بدوجماتية مناهضة للشيوعية، اتخذت واشنطن هنا موقفًا براجماتيًا خالصًا، يخدم مصالحها دون انحياز عقائدي.

لماذا أوقف أيزنهاور العدوان؟

الحفاظ على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط
أدرك أيزنهاور أن السماح لفرنسا وبريطانيا بالانتصار سيُعيد الهيمنة الأوروبية التقليدية، ويقوّض مشروع أمريكا لوراثة النفوذ الاستعماري القديم.

منع انزلاق الدول العربية نحو الاتحاد السوفيتي
كان دعم مصر في الأزمة — أو على الأقل منع سقوطها أمام الإمبريالية القديمة — ضرورة جيوسياسية كي لا تستثمر موسكو الغضب العربي.

الحفاظ على استقرار السوق النفطي العالمي
رأى أيزنهاور أن استقرار قناة السويس ليس مصلحة أوروبية فقط بل أمريكية أيضًا.

إرغام إسرائيل على الانسحاب: ذروة البراجماتية ضد الحلفاء

مارست إدارة أيزنهاور ضغوطًا اقتصادية ودبلوماسية قاسية على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب من سيناء وغزة.
كان هذا قرارًا براجماتيًا واقعيًا خالصًا، تجاوز اللوبيات الداخلية وتحالفات الحرب الباردة، وركز على مصلحة كبرى محددة:
عدم السماح بإعادة تشكل نظام استعماري جديد يقوّض النفوذ الأمريكي الصاعد.

النتيجة المفارقة: براجماتية أمريكا تُترجَم إلى عداء شعبي ضدها

 

بالرغم من أن واشنطن كانت الطرف الأساسي الذي أوقف العدوان ومنع انهيار مصر، إلا أن:

جمال عبد الناصر استثمر موجة الكراهية العربية للغرب،

وصوّر موقفه على أنه انتصار ذاتي،

ثم حوّل الولايات المتحدة إلى خصم دعائي،

رغم أنها كانت — موضوعيًا — سببًا مباشرًا في إنقاذ النظام المصري.

هذا التحوّل يعبّر عن ما تسميه نظريات الخطاب السياسي القومي (Nationalist Rhetoric) بقدرة النخب على إعادة تفسير الأحداث لخدمة الشرعية الداخلية، بغض النظر عن الحقائق الموضوعية.

 

4.   خلاصة تركيبية: جذور التناقض البنيوي في الإستراتيجية الأمريكية

إنّ استقراء التجربة التاريخية يظهر أنّ تناقض السياسة الخارجية الأمريكية لم يكن اضطرابًا عابرًا، بل:

نتاج تفاعل معقد بين إرث براجماتي فلسفي
و"نزعة أيديولوجية" صلبتها الحرب الباردة؛

وضعية أفرزت قرارات براجماتية نادرة (كما في العدوان الثلاثي)
وسط نمط عام من الدوجماتية السياسية؛

وخلقت منظومة التزامات أرهقت الولايات المتحدة،
وأدت إلى إعادة بناء مراكز قوى منافسة،
وإلى تورط عسكري واقتصادي وسياسي طويل المدى.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الولايات المتحدة ظلمت نفسها عندما تناقضت — على المستوى العملي — مع تراثها الفلسفي البراجماتي، فخلقت لنفسها بنية استراتيجية من الالتزامات الأيديولوجية التي قيدت قدرتها على المناورة، وأرهقت اقتصادها، وأعادت تشكيل النظام العالمي بطريقة لم تكن دومًا في صالحها.

*******

*******

*******

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق