السبت، 6 ديسمبر 2025

من كتابنا "نظرات في المذاهب والأديان المحسوبة على الإسلام" جرائم معرفيّة صنعت الكارثة: تفكيك البنية الانحرافية في التاريخ الديني

 

جرائم معرفيّة صنعت الكارثة: تفكيك البنية الانحرافية في التاريخ الديني

 

إنّ أخطر ما أصاب العقل الإنساني، وأعمق ما دمّر البنية المعرفية للإسلام، هو سلسلة من الجرائم التأويلية Hermeneutical Crimes   التي جرى ترسيخها عبر قرون حتى صارت عقائد صلبة، مع أنّها في جوهرها انحرافات منهجية Systematic Deviations قامت عليها أنظمة موازية للدين.
لقد ولّدت هذه الانحرافات ما يمكن تسميته—دون أيّ تردّد—بـ الأديان المُزوَّرة Counterfeit Religions التي انتحلت اسم الإسلام، ونسفت جوهر رسالته، ولم تأخذ منه إلا القشور، وصادرت العقل البشري تحت شعارات زائفة.

 

أولًا: جريمة الادعاء بوجود آيات قرءانية منسوخة

إنّ الادعاء بوجود آيات قرءانية منسوخة هو اعتداء معرفي Cognitive Aggression على النص الإلهي، لأنه يفكّك وحدته البنيويّة Structural Unity ويحوّله إلى نصّ قابل للإلغاء وإعادة التشكيل وفق أهواء المؤوِّل.
بهذا الادّعاء تمّ عزل النصّ عن طبيعته كـ مرجعية نهائية Final Reference وجعله تابعًا لسدنة الدين لا مُهيمِنًا عليهم.

كما ترسخ بذلك الكفر بمنظومة سمات القرءان الثابتة بالقرءان.

 

ثانيًا: جريمة تحويل “الصحابة” إلى مصطلح ديني

إنّ تحويل كلمة صحابةوهي توصيف لغوي بشري—إلى مصطلح ديني Theological Construct يحمل قداسةً وشرعيةً واحتكارًا للحقيقة، هو فعلٌ كارثي أنتج طبقة دينية فوق الدين والمنطق والدليل وفوق المحاسبة.
ومن هذا الادّعاء انبثقت فكرة عدالة الصحابة  Collective Inerrancy، وهي فكرة غير عقلية وغير قرءانية؛ إذ جعلت البشر مصادر للحق بدل أن يكون الحقّ معيارًا للبشر، مفهوم عدالة الصحابة يتضمن شركًا خطيرا مهلكا، فهو يعني اتخاذ أرباب مشرعين في الدين بدون إذن من رب العالمين.

وكذلك تحولت أخطاء وجرائم من زعموا لهم الصحبة إلى جزء من الدين، بل إلى الجزء المهيمن من الدين، وأصبحت بيوت الله بيوتًا للتسبيح بحمد "الصحابة".

 

ثالثًا: جريمة تأليه المرويات كمصادر مستقلة للدين

إنّ تحويل الروايات إلى منظومة تشريع موازية Parallel Legislative System غير خاضعة للقرءان هو تفكيك جذري لمبدأ النقاء المعرفي Epistemic Purity الذي يفرض أن يكون الوحيُ وحدَه مصدر التكليف.


وبهذه الجريمة صار من الممكن صناعة دينٍ كامل بروايات مجهولة، وتبديل الشريعة بتبدّل الرواة، لا بتبدّل الوحي.

إن تسمية المرويات باسم السمة تضمنت أيضًا الاعتداء على مصطلح قرءاني وصرف الناس عن العمل بمقتضى دلالاته الحقيقية.

 

رابعًا: جريمة تقديس أقوال السلف

إنّ اعتبار آراء رجالٍ عاشوا في عصور الظلمات Intellectual Dark Ages مصادرَ تشريعية هو اغتيال للمنهج العلمي Methodological Assassination.
فالإنسان يُحاكم إلى الدليل، لا إلى هويته التاريخية.
لكن هذه الجريمة جعلت الأقوال البشرية شريكة للنصّ الإلهي، بل حاكمة عليه أحيانًا.

 

النتائج الكارثية لهذه الانحرافات

هذه الانحرافات الأربع أنتجت سلسلة من الأزمات التي شكّلت انهيارًا معرفيًا وعمرانيًا ممتدًا:

 

1. ظهور أديان بديلة انتحلت اسم الإسلام

نشأت Religious Mimicries—نُسخ مشوّهة من الإسلام—تقوم على المرويات والفقه السلطاني، لا على الوحي.
هذه النسخ دمّرت العقل، وألغت الحرية، وربطت الدين بالعنف لا بالهداية، وبالبشر لا بالله.

 

2. نشوء كيانات استبدادية إجرامية باسم الدين

تأسست عبر التاريخ سلطانيات مقدسة Sacralized Tyrannies استخدمت تلك الانحرافات لإضفاء الشرعية على القتل والقمع وإسكات المعارضين، لقد لوّثت هذه الكيانات تاريخ المسلمين بالدماء، وعوّقت تقدّم الإنسانية عصورًا طويلة.

 

3. ظهور التنظيمات الإرهابية الحديثة

الإرهاب الحديث ليس انحرافًا طارئًا، بل نتيجة حتمية Predictable Outcome للجرائم المعرفية السابقة.
كل تنظيم إرهابي يستند إلى نفس البنية:

أ‌.      اعتماد قولهم بالنسخ لتهميش القرءان واتخاذه مهجورا

ب‌.  تقديس المرويات، واتخاذها المصدر الأعلى الحقيقي للدين.

ت‌.  تحويل "الصحابة" إلى مرجعية فوق النقد

ث‌.  تجميد النصوص التاريخية كتشريع أبدي

إنّ الإرهاب ابنٌ شرعي للتراث المشوّه، لا دخيلٌ عليه.

 

4. تكوين جماهير همجية معادية للعقل والحضارة

لقد أُنتجت حشود من Anti-Intellectual Masses   ترفض التفكير، وتمجّد الاتّباع الأعمى، وتحارب العلم والحرية والبحث النقدي.
هذه الجموع—المنسوبة زورًا إلى الدين—صارت أعدى أعداء الحضارة والتقدم، وأشدّ عناصر الهدم في مجتمعاتها.

 

5. تحوّل “المحسوبين على الإسلام” إلى أدوات صدّ عن الرسالة

نتيجةً لظهور تلك الأديان المُزوَّرة، نشأت جموع واسعة تُحسب على الإسلام اسمًا لكنها تتدين بتلك النُّسَخ المشوهة لا بالقرءان.
هؤلاء، دون أن يشعروا، أصبحوا Instruments of Repulsion—  أدوات طرد ونفور—يقدّمون للعالم أسوأ صورة عن الدين، ويحولون بين البشرية وبين الهدي القرءاني النقي.

لقد أدّى ذلك إلى حرمان الإنسانية من الانتفاع بالرسالة الخاتمة التامة؛ الرسالة التي كان من المفترض أن تكون ذروة الهداية ومصدرًا عالميًا للتحرّر والوعي والرشد.

إنّ الجريمة هنا ليست فقط تزييف الدين، بل تعتيم الطريق إليه، وصد الناس عن سبيله.

*******

لن تُستعاد شجرة الوعي، ولن تنهض الحضارة، إلا بتحطيم هذه الأصنام الأربع، وتحويل القرءان إلى المصدر الحصري للمعيارية Exclusive Source of Normativity  كما أراده الله.
فإمّا دين الله كما أنزله، أو فوضى البشر التي تلد الاستبداد، والتطرّف، والظلام، وانهيار العقل.

إن من مسلمات دين الحق أن القرءان هو المصدر الأوحد لأمور الدين الكبرى، والأعلى للأمور الثانوية، والميزان من الأمور الكبرى، فهو في القرءان.

*******

لم تكن الجريمة الأولى كلمةً في كتاب، بل طعنةً في قلب النور: حين تجرّأ الإنسان على الوحي، وقال إن آياتٍ من كلام الله قد أُبطلت، وكأنّ يدًا بشرية تستطيع أن تمحو نقشًا كتبه المطلق بمداد الأبد.
ومن تلك اللحظة انكسر التوازن، إذ أصبح النصّ الإلهي عند بعضهم مجلّدًا متنازع السيادة بين إرادة الله وأهواء البشر، فغامت الحقيقة تحت ركام الادّعاء.

ثم جاءت الجريمة الثانية، حين اختُرعت "الصحبة" مصطلحًا مقدّسًا، لا توصيفًا بشريًا.
هكذا صعدت جماعة من الناس إلى مقامٍ لم ينله أحد بنصّ، فصار التاريخُ إلهًا صغيرًا، وصار البشرُ شُرَكاء في صناعة المقدّس.
ومن تلك العتبة وُلدت سلطة لا تُسأل، وشرعيةٌ لا تُراجع، وأقداسٌ تتحرك فوق الأرض بأجساد بشرية.

وتجلّت الجريمة الثالثة في تقديس المرويات؛
فمن بين آلاف الحكايات، قفزت إلى موقع التشريع رواياتٌ بلا نسبٍ إلى الله، فصار الدينُ شبكةً هائلة من الأصوات المتضاربة، يُختار منها ما يشاء السلطان، ويُهمل منها ما يشاء الفقيه، ويُعاد تشكيل العالم وفق منطق لا يعرف يقينًا ولا نورًا.

ثم جاءت الجريمة الرابعة:
حين جعلوا أقوال السلف—أقوال رجالٍ محاصرين بحدود زمانهم—مصابيح تتجاوز ضوء الوحي ذاته.
تراكم غبار القرون على صفحات القلب، حتى صار الجهلُ تراثًا، وصار الظلامُ حُجّة، وصار التاريخُ غابةً من الأصوات التي تطغى على صوت الله.

 

ومن رحم هذه الجرائم، خرجت الكوارث كأمواجٍ متتابعة:

خرجت أديانٌ مُستنسخة تُشبه الإسلام ولا تمتّ إليه بصلة، بل هي عادات وتقاليد أعرابية مغلفة بقشرة إسلامية
وظهرت سلطانيّاتٌ مقيتة لبست عباءة الدين لتسفك الدماء وتُخرس العقول.
وتكاثرت التنظيماتُ الإرهابية التي رُبّيت بالتراث المسموم، فتكلمت لغة النار بدل لغة الرحمة.
وتشكّلت جماهير همجية تخشى النور وتقاتل الحكمة وتعبد الطقوس التي لم يُنزِل الله بها سلطانًا.

ثم حدث أخطر ما في الأمر:
ظهر جيلٌ واسع يُحسَب على الإسلام، ولكنه يتدين بالأديان التي حلّت محله.
فصاروا—دون أن يعلمواحُجابًا كثيفًا يحول بين العالم وبين الهداية الخاتمة.
صاروا سدودًا من دخانٍ وعنفٍ وجهلٍ، تُطفئ الضوء الذي أنزله الله ليكون للعالمين.
وبذلك حُرِمت البشرية من الرسالة التي كان ينبغي أن تكون ذروة الوعي، وكلمة النور، وطريق الإنسان نحو نفسه.

 

ولن ينهض القلب من رماده إلا حين نعيد للوحي سلطانه؛
حين نُسكت كل الأصوات التي تزاحم صوت الله؛
حين يكون القرءان وحده مركز الثقل، ومرجع الوجود، ومفتاح الفهم.

عندها فقط
يعود الضوء إلى مساره، وتستعيد الروح صلتها بالمبدأ الأول، ويستقيم الكون في داخل الإنسان كما يستقيم في الآفاق.


*******

*******

*******

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق