الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

من أعلام دواب همجستان

من أعلام دواب همجستان

أما جهلوت بن كفروت بن إرهاب الدموي فهو من خيرة دواب همجستان، وما زالت سيرته النتنة تُلقى على أسماع دواب همجستان فتثير في أنفسهم أحط المشاعر وتحول كل دويبة منهم إلى شيء هو مزيج مرعب من شياطين وبهائم وحشرات ضارة.
ظهرت وميوله ومهاراته الجهادية منذ صغره، دخل حظيرة الدجاج ذات مرة على حين غفلة من أمة واقترف مجزرة مروعة في حق الدجاج والكتاكيت، عندما اكتشفت أمه الأمر أخذت تلطم لمدة ساعة كاملة ثم انهالت عليه بالضرب حتى كلَّت وسقطت من الإعياء، لاحظت أنه كان يستمتع بالضرب ويحملق فيها ببلاهة.
عندما كبر قليلا أصبح ينزل إلى الشارع ليصطاد القطط الضالة، وكان يستمتع بخنقها، حاول بعد ذلك أن يقتل ما هو أكبر، فكان يترصد للكلاب في الطرقات ويبادر برجمها بالحجارة كلما ظهرت، وكان يطربه صرخات الألم التي تصدرها.
أخذ من بعد ذلك يتطلع إلى تحقيق هدفه الأكبر؛ أن يستمتع بقتل البشر، ذات مرة انتهز فرصة خلو البيت وهجم على أخته الصغيرة وأطبق على عنقها بكل قوته، أنقذها الجيران منه بصعوبة بالغة.
رأوا أن يقتادوه إلى الشيخ الهمجستاني الشهير بهيم بن نكاح الحيواني، رأى فيه خامة جيدة وطاقة جبارة، أخذ على عاتقه أن يثقل قدراته وإمكاناته.
علمه أن من الأفضل له استثمار ميوله الجهادية هذه لخدمة قضية همجستان المقدسة، أعده إعدادا جيدا، علمه أصول الدين الهمجستاني السمح، قرأ عليه أمهات كتب الأثرية والسلفية والوهابية، تعلم جهلوت أصول الدين الهمجستاني السمح في نصف ساعة، كان على رأس ما تعلمه أن وجود أي شخص يقول إنه مسلم ولا يدين بالهمجستانية هو خطأ فادح يجب تصحيحه، كملا تعلم أن أفضل الطرق وأشدها فعالية وأقلها تكلفة لتصحيح هذا الخطأ هو المبادرة بقتل هذا المسلم هو وكل من هم على شاكلته، كما آمن تماما أن إبادة هؤلاء المسلمين مقدمة على أي عمل ديني آخر ومقدمة على قتل أهل الكتاب وغيرهم.  
وهكذا اكتسب جهلوت كراهية رهيبة لكل المسلمين غير الهمجستانيين، أصبح كل أمله أن يتحول إلى قنبلة ذرية تنفجر في بلادهم فلا تبقي منهم أحدا حتى يطهر الأرض منهم ويضم بلادهم رسميا إلى همجستان.
ولما افتُتِح أوكازيون الجهاد في أحد بلدان المشرق العربي، لم يصدق نفسه، ذهب إلى هناك لتوه، تعلم الوحشية والدموية والإفساد في الأرض على أسس راسخة، تولى ذلك خبراء متخصصون تم صناعتهم على عين الشيطان الأكبر، وهناك وجد فرصته كاملة وتعلم كيف يستغل طاقاته التي كانت مهدرة.
أخذ يتفنن في قتل المسلمين وتقطيع أعناقهم وأكل قلوبهم وأكبادهم والتمثيل بجثثهم، كانت صرخات الرعب والهلع هي موسيقاه المفضلة، كان يحب أن يلتقطوا له الصور وهو يقطع ويحمل رؤوس من قتلهم أسوة بالسلف المقدس، وإن كان قد تفوق عليهم في إحداثه لعبة كرة القدم مع استبدال الرأس بالقدم.
ثم أخيرا حقق حلم عمره الأكبر عندما كُلِّف بأن يفجِّر نفسه في المسلمين، كانت كل خلية من جسده تتوق شوقا إلى هذا المشهد، وكان هو يترقب لحظات وصال الحور العين.
 فجَّر نفسه في حشد كبير للمسلمين كانوا في طريقهم إلى أداء الصلاة في المسجد الجامع، وجد نفسه فورا في أحضان شياطين مرعبين، أخذوا يسومونه سوء العذاب.
وهكذا تخلصت الكرة الأرضية من شره، واستطاعت أمه أن تنام مطمئنة قريرة العين لأول مرة منذ أن ابتليت به.
أما أهالي همجستان فقد أصبح يُلقب عندهم بالمجاهد الشهيد، وأصبحوا يضربون به المثل لحشرات همجستان.

*******


الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

إخراج أمة للناس

إخراج أمة للناس


إخراج أمة للناس هو من السنن الكونية التي تحدث من حين لآخر لإحداث طفرات تقدمية أو لتنفيذ أحكام كونية صادرة ضد قوم من الأقوام، وهذه الطفرات التقدمية ليست بالضرورة في المجال الديني بل في أي مجال من مجالات الحضارة الإنسانية، وطوال كل القرون الماضية كان أكثر الإخراج يتم بوسائل عسكرية، وفي أحيان أخرى كان الله تعالى يدبر الأمر بحيث تخرج من بلدٍ متحضر فئة حاملة للحضارة إلى بلدان أخرى.
ومن الإخراج الذي كان تحقيقا لقضاء صدر على أمة من المفسدين في الأرض خروج الأشوريين للقضاء التام على مملكة إسرائيل الشمالية، وخروج البابليين للقضاء على مملكة يهوذا وتأديب بني إسرائيل وخروج المغول والتتار للقضاء على الخلافة العباسية الجهلوتية وخروج مصطفى كمال العلماني وحزبه للقضاء على الخلافة العثمانية.
ومن الإخراج الذي كان متعدد الأغراض إخراج الأمة التي علمها الرسول الأعظم وزكاها، هذه الأمة حافظت على القرءان وفتحت المجال لانتشار الإسلام وقضت على إمبراطورية الفرس وعلى سيطرة الرومان البيزنطيين على مقدرات الأمور في الشرق الأدنى، لذلك كانت هذه الأمة خير أمة أُخرجت للناس لاتساع نطاق مهامها وعظم شرفها.
ومن الأمم الأخرى التي أخرجت للناس على مدى التاريخ: المصريون القدماء، الإغريق، الرومان، الرهبان المسيحيون.
ومن الإخراج الذي حدث في العصر الحديث إخراج الأوروبيين للقضاء على عفن الخلافة العثمانية ولتعمير شتى أرجاء الأرض ولنشر الحضارة العالمية في أحدث صورها وتأسيس الدول القائمة الآن برسم الحدود بين القبائل والشعوب ولإدخال الشعوب التائهة المعزولة إلى التيار العام للتاريخ البشري، ولكن شاب هذا الإخراج جرائم بشعة ومجازر مروعة في حق السكان البدائيين فيما سُمِّى بقارات العالم الجديد فضلا عن سكان العالم القديم!
وقد تكون الأمة التي أخرجت للناس فردا واحدا فيكون سببا لانبعاث وظهور أمم، وممن تحقق فيه ذلك النبي إبراهيم عليه السلام، لذلك كان أمة!
*****
إن إخراج أمة جديدة للناس لا يمكن أن يتم إلا بتربية أفراد الأمة وتزكيتهم انطلاقا من النهج القرءاني الحقيقي الفعال والتزاما به، وهذا يقتضي معرفة مقاصد الدين العظمي والعمل علي تحقيقها وسيادة منظومة القيم الرحمانية والالتزام بالصياغة النقية الحقانية للدين، كما يلزم ألا يثقل الناس كاهلهم بما استحدثه وابتدعه السلف في أمر الدين من علوم مفتعلة لا تنفع تتضمن تفريعات لا حصر لها ولا تتناول إلا الأمور الشكلية، كذلك يجب الابتعاد عما استحدثوه من تأطير وتحنيط وتجفيف وتعليب للدين وصياغته الصياغة الأعرابية أو الصياغة المدرسية، فإن كل ما استحدثوه هو البدع التي نهوا عنها.
كذلك يجب ألا يثقلوا كاهل الناس بما استحدثه البعض أو نقلوه  عن غيرهم من وسائل للتزكية لا تتفق مع المنهج القرءاني، إنه لا يمكن للمكبل بالإصر والأغلال والمثقل بما تراكم عبر القرون من أوزار الانطلاق لإنقاذ غيره فضلا عن نفسه، ويجب القول بأن جلوس إنسان عند قدمي أحد المتمشيخين يلقي عليه ما يجود به ويلقنه ما يشاء ويوقفه على أقوال السلف أو يقلبه كما يقلب المغسل الميت هو بالضبط ما نهى الدين عنه وما جاء لإبطاله ونقضه وليحفظ للإنسان كرامته، إن الحق سبحانه لم يفعل مثل ذلك مع عباده الذين خلقهم والذي هو مليكهم وربهم وإنما جاءهم بالحجج وجادلهم بالبراهين وبين لهم الآيات وطلب منهم أن يأتوه طوعا، وأعلن في آيات بينات أن الإنسان مكرم ومفضل لأنه إنسان وأنه هو الذي حمل الأمانة وأن كل شيء مسخر له، لذلك فإن التربية السليمة هي التي تلتزم بالنهج القرءاني فتزكى نفس الإنسان وتنمي ملكاته القلبية الذهنية والوجدانية وهي التي تتضمن التدبر والتفكر والتفقه وإبداء الرأي والمناقشة والنقد البناء وتمحيص الأفكار والآراء وحب الإنسانية جمعاء والرغبة في نفع الناس وعدم قبول أي زعم إلا مقترنا بالبرهان والحجة.
ومن العجب أن من أحدثوا في الدين المذاهب الكلامية و(الفقهية) واختزلوا الدين وصاغوه تلك الصياغة الشكلية الصورية وكذلك من قلدوهم واتبعوا ما ألفوا عليه أسلافهم هم الذين حالوا بين الناس وبين الإفادة من الإنجازات العلمية التي كان على المسلمين أن يحققوها وكانوا أولى بذلك من غيرهم فصدوا الناس عن السبيل الحقيقي لربهم وعن الأخذ بأسباب التقدم وحالوا بينهم وبين إعداد القوة التي أُمر المسلمون بها فكان أن تغلبت عليهم شراذم صغيرة من حثالة الأوروبيين في كل مكان حتى أنه قد تمكن شعب صغير محدود الإمكانات كالبرتغاليين من حصار وتطويق العالم الإسلامي وتقطيع أوصاله وإفقاره وإلحاق هزائم مذلة بقوى عملاقة محسوبة على الإسلام.
ولقد تصدى المشايخ بكل قوة لكل اتجاهات التحديث في الدولة العثمانية وحالوا بينها وبين الأخذ بأسباب الحضارة ومنجزاتها مما أدى إلى تمزقها وانهيارها تحت ضربات أعدائها، ولقد حدث في مصر نفس الأمر حتى اضطر محمد علي إلى إرسال الجند إلى أسوان بعيدا عن رقابة المشايخ ليتدربوا وفق النمط الحديث، كما اضطر إلى استحداث تعليم موازٍ للتعليم الأزهري التقليدي مما أدى إلى تمزيق الأمة من بعد.
وفي حين أن مشايخ الدولة العثمانية كانوا يحاربون التحديث بسلاح الفتاوى فإنهم لم يتورعوا عن الإفتاء للسلطان سليم السفاح بشرعية مهاجمة مصر والشام (وكانتا على مذهبه السني) واحتلال أراضيهما وفرض الجزية عليهما بدلا من أن يتعاون مع الدولة المملوكية التي كانت دولة قوية لصد الهجمات الأوروبية، فكان ما فعله وبالا على الأمة الإسلامية مازالت تدفع ثمنه إلى الآن، كذلك سوَّلوا له مهاجمة الفرس بحجة أنهم شيعة فافتتح بذلك سلسلة من الحروب الطاحنة مع الفرس المسلمين استنفدت قوى الطرفين مما مكن الروس من اجتياح الممالك الإسلامية في آسيا الوسطى وإبادة ملايين المسلمين هناك والقضاء على منطقة من أخصب المناطق الإسلامية حضارة وازدهارا.
*****
إن إخراج أمة للناس هو اصطلاح قرءاني، فهذه الأمة تخرج من ديارها وتنتشر في الأرض حاملة رسالة معينة سواء بتكليف إلهي أو بدافع من طموحاتها الخاصة بمقتضى السنن الإلهية الكونية، ولذلك كان المصريون القدماء والفرس والأشوريون والإغريق والرومان والرهبان والعرب والمغول والترك والتتار والنورمان والفرنجة والأسبان والبرتغاليون والفرنسيون والإنجليز والألمان والأمريكان.....الخ أمما أخرجت للناس، وخيرهم بلا شك هي الأمة الإسلامية العربية التي علمها الرسول وزكاها بنفسه.
والتاريخ الحقيقي هو تاريخ بشر وليس تاريخ كيانات مقدسة ولا ملائكة، وكل كيان إنساني له أعماله الإيجابية وأعماله السلبية، ومن يوازن الأمور بحياد سيجد أن الأمة العربية الإسلامية التي رباها الرسول في عهدها الأول هي خير أمة أخرجت للناس!
وخير أمة أُخرجت للناس هم القرن الذي رباه وعلمه وزكاه الرسول بنفسه، وكان ذلك من مهامه، أما ما هو موجود الآن فهو –بصفة عامة- غثاء السيل وخدم أعداء الإسلام ونعال الشيطان! بهم يصد البشرية جمعاء عن سبيل الله تعالى وينفرهم من دينه، والآية القرءانية تقول:
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون} [آل عمران:110]
فالآية تتحدث بصيغة الماضي في العهد النبوي؛ فلا تنطبق إلا على الأمة التي علمها ورباها وزكاها الرسول من قبل، فهم خير أمة من أتباع المرسلين، خير من أتباع موسى وخير من أتباع عيسى عليهما السلام، أما من بعد الرسول فهذا أمر آخر، فالمجموعة التي تريد أن تكون خير أمة يجب أن تحقق في نفوس أفرادها وفي تكوينها ما يلزم لذلك، كما يجب أن تقوم بالمهام المنوطة بالأمة.
والمطلوب أولا من كل فرد أن يتحقق بما تحقق به الناس في العهد النبوي: تعلم آيات الكتاب، التزكي بالتطهر من الأخلاق والصفات الذميمة والتحلي بالصفات والأخلاق الكريمة، التحقق بالتقوى، تعلم كل ما يلزم.
أما جماعات الإجرام السياسي فهي تعلم أفرادها كيفية الذبح والقتل وإعداد الكمائن وقتل المسلمين الأبرياء على حين غرة، وهي لا تعبد في الحقيقة إلا السلطة.
*****
مفهوم "أمة خيِّرة أُخرجت للناس" مفهوم مختلف تماما عما يظنه الناس، و"أمة خيِّرة أخرجت للناس" هم مجموعة من الناس (وقد تكون فردا واحدا) يصطفيهم الله لنفسه لأسباب حقانية؛ أي وفقا لسننه التي هي من مقتضيات أسمائه الحسنى، ويتولى أمورهم ويصنعهم على عينه في فترة إعداد ثم يخرجهم للناس حاملين رسالة جديدة أو مجددين لرسالة قائمة.
أما غثاء السيل الموجودون الآن فأكثرهم لا يصلحون إلا أدوات للشيطان الرجيم ونعالا لأبالسة الجحيم!
والحق هو أن إعداد الأمة الخيِّرة الفائقة الداعية إلى الخير هو من مقاصد الدين العظمى، وأنه في سبيل تحقيق ذلك هناك أركان ملزمة لجماعة المسلمين ولكل مسلم على حدة.


*******

الأحد، 8 نوفمبر 2015

الاسم الإلهي الشهيـد

الاسم الإلهي الشهيـد 

قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }الحج17  *  {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً }النساء33  *  {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}فصلت53  *  {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً }الأحزاب55  *  {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقرءان لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }الأنعام19
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ }آل عمران98  *  {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ }يونس46  *  {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }سبأ47  *  {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }المجادلة6  *  {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }البروج9
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ }الرعد43  *  {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً}النساء79  *  {لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً}النساء166  *  {فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ }يونس29  *  {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً }الإسراء96  *  {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }العنكبوت52  *  {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الأحقاف8  *  {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً }الفتح28

فالاسم "الشَهِيد" هو من أسماء النسق الأول من الأسماء الحسنى.

الله تعالى هو الشهيد المطلق والحاضر المطلق لأنه مع كل شيء بذاته وبمنظومات أسمائه وسماته وبملائكته وجنوده وآلاته، لذلك فهو يرى كل شيء في كافة صوره وأطواره وتقلباته؛ فلا يعزب عنه مثقالُ ذرة في السماوات ولا في الأرض، فهو يرى ويطالع الكائنات والوقائع والأحداث وكل شيء من حيث منظومة أسمائه ومن حيث ما خلق من آلات وأدوات فكل ما لديهم من شهادات ماثل عنده حاضر بين يديه.

فهو سبحانه الشهيد لأنه الحاضر المطلق مع كل شيء، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)} (الحديد)، فكل شيء مشهود له من كافة حيثياته وكيفياته، فهو مشهود له سبحانه من حيث أسماؤه كما أنه مشهود له من حيث مخلوقاته الذين هم آلاته وأدواته، فكل ما يشهدونه في كل حين هو ماثل عنده حاضر لديه، وهو أولى بشهاداتهم منهم، فهو الشهيد لأن لديه الشهادة الحق عن كل أمر، ولذا فكفى به شهيدا على كل شيء، فهو يشهد لعباده المرسلين بالصدق فيما بلغوا عنه، وهو يشهد لكل عبد من عباده ضد من ادَّعوا عليه، وهو يشهد لهم أو  عليهم بما اطَّلع عليه منهم، فشهادته هي الأمر الحاسم في حق أيِّ شخص في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، فهو الشهيد على ما يدور في أعماق الإنسان من خواطر وأفكار ومشاعر ومن وساوس الشيطان.

وشهادته على صدق رسالة من أرسله تـقتضي أن يؤيدَه بالحجج الباهرة والبراهين الساطعة الكافية لهداية كل باحث عن الحقيقة وكل من أراد الهدى بإخلاص وصدق بحيث لا يضل إلا الجاحد المتعنِّت، وقبل كل هذا فهو الذي يشهد لنفسه بما لها من السمات والكمالات والأسماء الحسنى والانفراد بالألوهية، قال تعالى: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)} (آل عمران).

إن الله سبحانه هو سبحانه الشهيد المطلق، فله الإحاطة التامة بكل الكائنات في كل أطوارها، بينما يشهد كل كائن بقدر طاقته ووسعه وإمكاناته، ولذا كان الله سبحانه هو الأكبر شهادة فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو الشهيد الحاضر مع كل شيء، فهو حاضر مع المجرة كما هو حاضر مع الذرة، وكل ما هو شهيد عليه مسجلٌ لديه، فذلك الحضور هو ما يجب أن تخشاه النفوس وتنفطر منه القلوب، وهو أيضا الذي يوجب الأنس بالرب الحبيب، كذلك يوجب الحياء منه والتعلق به والإجلال له، ولأنه الشهيد المطلق فكفى به شهيدا ، بيد أنه اتخذ أيضا شهداء من عباده، فثمة عباد له هم الشهداء المعتمدون عنده، وله إذا شاء أن يتخذ من الشهداء ما يشاء حتى أنه ليستشهد بأعضاء الإنسان على الإنسان.

وتبين آيات القرءان أنه سبحانه قد اتخذ شهداء من الملائكة ومن خاصة بنى الإنسان، فهؤلاء هم مظاهر الاسم وآلاته، فالشهادة بالنسبة للإنسان هي مرتبة متميزة من مراتب الصلاح، فهي فوق الصلاح العام ودون الصديقيـة، وقد يجمع الله تعالى لعبد من عباده بين المراتب جميعا، وشهيد الشهداء هو الرسول الأعظم، فهو الشهيد على كل الأمم وعلى الشهداء من كل الأمم، وأمة الإسلام هي الأمة الشهيدة على كل الأمم بمن فيها ممن تحقق بتلك المرتبة إذ لا يمكن أن يكون ثمة شهيد بعد ظهور الإسلام إلا فيها، قال تعالي: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)} (الحج).
*****
إن المتحقق بمقتضيات الاسم الإلهي الشهيد تكون شهادته مقبولة عند ربه، فهو الذي يمكن أن يُرجع إليه بخصوص أمر ما ويمكن أن تعتمد شهادته ويترتب عليها فعل أو حكم أو قضاء، فالشهيد المذكور في الآية السابقة هو من ارتقى إلى مرتبة من مراتب من أنعم الله عليهم وهي الشهادة، قال تعالي:
{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا(69)} (النساء)، {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} (الحديد: 19).
والفوز بمرتبة الشهادة هو أمر في وسع كل مؤمن بل هو مأمور بأن يسعي إليها، قال تعالي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} (النساء: 135).
والشهادة كما أنها مرتبة هي أيضا وظيفة منوطة بالرسل والأنبياء والصديقين والصالحين، لابد لهم من العمل بمقتضياتها، وتمام ظهور ذلك وتحققه إنما هو في اليوم العظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال تعالى:
{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ(51)يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(52)} (غافر)، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(18)} (هود)، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17)} (الحج)، {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(89)} (النحل).
أما المقتول في سبيل الله تعالى فسيحظى لتوه بتلك المرتبة العالية؛ مرتبة الشهادة، حتى ولو لم تكن أعماله السابقة تجعله أهلاً لها، فهو يكون حيًّا عند ربه يُرزق، وهو يحظى بحياة حقيقية في عالم البرزخ، فلقد باع نفسه لله رب العالمين وقبل الله منه نفسه واشتراها منه، ولما كان هو الكريم المطلق فسيعطيه عوضا عنها حياة أبدية تكاد تكون حسية تسمح له بأن يكون من جند الله تعالى وبأن يشارك في كل ما يختص بنصرة دين الحق، فيقوم بتشجيع المجاهدين وبث الرعب في قلوب الكافرين، ويقوم بتثبيت أقدام المقاتلين في سبيل الله تعالى، ويلقى إليهم بالإشارات التي يتلقاها من لدية الاستعداد لقبولها ممن صلح منهم، إن الشهيد المقتول في سبيل الله تعالى يضحي بحياته في سبيل نصرة الحق، ويبيع نفسه لله تعالى، ويفضله بذلك على أهله الذين هم في أمسّ الحاجة إليه، ولذا يتولى الله أمرهم بمعنى أنه يشفعه فيهم، وهذا يعنى أنه يجعله صالحا لإفاضة الخيرات عليهم، والمفيض هو الله، والشهيد هو الأداة، يوصل إليهم ما ينفعهم من النصائح والأمور المعنوية بأي سبيل متاح، ولا تناقض بين ذلك وبين ما قاله سبحانه في الكتاب:
{وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(164)} (الأنعام)، {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(18)} (فاطر)، {أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(38)} (النجم).

فكما ينتفع المرء بما تركه له والده من الثروة المادية فإنه ينتفع بما تركه له من ثروة معنوية، ولذا ينتفع الأبناء بصلاح الآباء، قال تعال: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(82)} (الكهف)، فجعل من صلاح أبيهما سببا فى حفظ الكنز لهما حتى يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما، فليس ثمة من تـناقض بين الآيات، فإن الظروف المادية والمعنوية الأفضل التي يجد المرء نفسه فيها نتيجةً لسعى والده وعمله لن تنفعه إلا إذا كان هو أصلا مهـيئـاً للاستفادة من هذه الظروف ولديه الاستعداد لقبول آثارها، فالولد الذي لديه استعداد جيد مثلا سيستفيد من مال أبيه ويستثمره وينميه، أما من ليس لديه هذا الاستعداد فسيبدد تلك الثروة، فالأمر معلَّق باستعداد المرء وطبيعته وماهيته والتي يترتب عليها سعيه، ولذا فليس للإنسان إلا ما سعى، وما الظروف التي يجد نفسه فيها إلا شروطا  حدية مبدئية محايدة قد تكون في صالحه، وقد تكون وبالاً عليه بغض النظر عن طبيعتها، فرُبَّ إنسان أفسدته كثرة ما لديه من مال ورُبَّ إنسان أصلحه لذلك، فالأمر منوط بسعي الإنسان المترتِّـب على ما لديه من استعداد، والميراث المعنوي ليس كالميراث المادي الذي يقسم بين  الأبناء بنسب محددة ومعلومة، فلن يرث أخلاق الوالد واهتماماته وعلومه وصلاحه إلا من كان لديه الاستعداد لذلك، وربما ورث عنه ذلك من لا يعرفه، أما الآية القائلة: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ(21)} ( الطور)، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)} (المدثر)، فإنها تنص على قانون آخر من قوانين الوجود، وهو أن كل إنسان إنما هو رهين بآثار أعماله الاختيارية، فمصيره معلق بها ومترتِّـب عليها.

فالله سبحانه هو الشهيد المطلق الذي يشهد لكل مخلوق بما هو له وبما هو عليه, وهو يرتب علي ما شهد من عباده الآثار اللازمة وفقا لما لديه من القوانين والسنن, فهو الشهيد من حيث هذا الاسم ومن حيث آلاته وهم الشهداء ذوو الشهادة المعتمدة لديه والمقبولة بإذنه وعلي رأسهم الملائكة والرسل وأولو العلم, ويرتفع تواً إلي تلك المرتبة من قتل في سبيل الله تعالي مهما كان عمله قبل مقتله، ولا يشترط أن يكون ذلك في موقعة حربية فمن جهر بكلمة الحق مثلا لإعلاء كلمة الله تعالي أو لإقامة القسط أو لقول الحق أو لدرء الظلم في حضرة متسلط جائر فقتله فهو شهيد, ومن كان يحاول إنقاذ مستضعف يتعرض لعدوان فقتل فهو شهيد، فكل من قتل دفاعا عن حق إنسان أو كرامته فهو شهيد، وكذلك كل من قتل دفاعا عن شأن من شؤون الدين مثل أوامره أو أركانه أو سننه أو قيمه.

*******


حوار سريع ومثمر وبناء مع اللاشيء

حوار سريع ومثمر وبناء مع اللاشيء

اللاشيء: مدة حمل المرأة يمكن أن تصل إلى أربع سنوات، وهناك من الأئمة من أوصلها إلى أكثر من ذلك.
مسلم: هل إذا جاءت امرأة إلى زوجها الذي لم يمسسها طوال أربع سنوات بولد يكون ابنه؟
اللاشيء: أي نعم!
مسلم: كيف تقول بذلك؟
اللاشيء: لست أنا الذي أقول، الشرع هو الذي يقول.
مسلم: ولكن الله تعالى يقول: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا ....} [الأحقاف:15]، {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير} [لقمان:14]، {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ..... } [البقرة:233]، ألا تقوض كل هذه النصوص القرءانية مزاعمك؟
اللاشيء: ليست مزاعمي، بل هي أقوال الشرع!
مسلم: ألا تعترف بالقرءان كمصدر للشريعة؟!
اللاشيء: لا تقوِّلني ما لم أقل! نحن نؤمن بالقرءان كمصدر أول للشريعة.
مسلم: ألم تلاحظ تناقضا في كلامك؟
اللاشيء: المشكلة فيك أنت، فأنت لم تتلق العلم على شيخ يوقفك على القواعد والأصول
مسلم: إذًا فقل لي ما هو الأصل الذي جعلكم لا تأخذون بالقرءان هاهنا؟ هل هو سر أو طلسم؟!
اللاشيء: ألا تعلم أن السنة حاكمة على القرءان وقاضية عليه وموضحة لمشكله ومقيدة لمجمله ومبينه لمبهمه؟
مسلم: وما هو المشكل والمجمل والمبهم في الآيات الثلاثة المذكورة؟ إن أي طفل صغير لم يبلغ الحلم ولم يظهر على عورات النساء إذا علم أن الحمل + الرضاعة = 30 شهرا سيستنتج بالضرورة أن الحمل يجب أن يكون أقل من ثلاثين شهرا خاصة وأن مدة الرضاعة يمكن أن تصل إلى عامين، وأنت تقول إنه يمكن أن يصل الحمل وحده إلى 48 شهرا بل أكثر.
اللاشيء: ألا تدري شيئا عن إجماع الأمة وأقوال الجمهور؟ هل اطَّلعت على أقوال السلف؟
مسلم: وهل قرأت أنت هذه الآيات وتدبرتها وتفكرت فيها؟ هل قرأت شيئا للعلماء الحقيقيين المتخصصين في هذا المجال؟
اللاشيء: المشكلة أنك تستعمل عقلك.
مسلم: ولماذا لا تكون المشكلة أنك ترفض استعمال عقلك؟!
اللاشيء: النقل قبل العقل، وإذا حضر النصّ بطل الاجتهاد.
مسلم: الذي حضر هو نصوص القرءان، وهي تقوض مزاعمك.
اللاشيء: ليست مزاعمي، بل هي الشرع، بل هي الشرع، بل هي الشرع، بل هي الشرع، بل هي الشرع، ......
مسلم: إذًا قل لي ما هو الأصل الذي تستندون إليه حتى أقف عليه!
اللاشيء: أنت غير متخصص، أنت معول هدم، أنت نابتة، أنت رويبضة .....
مسلم: مهلا، رويدك
اللاشيء: لا تقاطعني أرجوك، حتى لا أنسى شيئا من القائمة المقررة فتسوء العاقبة، وأنت تارك للسنة، خالع للربقة، ومتبع لغير سبيل المؤمنين، ورافضي وصفوي، ومجوسي وعلماني، ما ترك الأوائل للأواخر شيئا، الخير في اتباع من سلف والشر في ابتداع من خلف، من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب ......
أخذ اللاشيء يهذي لمدة طويلة، لم يدرك أن مسلم كان قد تركه ومضى وهو مستغرق في هذيانه ذاهلا به عما حوله!

*******

الجمعة، 6 نوفمبر 2015

نجاة الملك المصري فرعون (أحد الرعامسة من الأسرة 20)

نجاة الملك المصري فرعون (أحد الرعامسة من الأسرة 20)

دعا موسى عليه السلام ربه بالدعاء الوارد في الآية من بعد إصرار فرعون وقومه على رفض رسالته، قال تعالى:
{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{88} قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ{89} يونس
وقد أجاب الله دعوته، فلم يؤمن فرعون إلا من بعد أن رأى بالفعل العذاب الأليم، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيا وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ{90} آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ{91} فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ{92}}يونس.
فإجابة دعوة موسى تعني أن فرعون -على الأقل- آمن بعد أن رأى العذاب الأليم، أما عن مصيره بعد ذلك فتلك مسألة أخرى، فالإيمان لا يحل الإنسان من كل تبعات أعماله وأخطائه في حق الآخرين.
والمعنى شديد الوضوح، ولكنهم أصروا على أن الله لم ينجِّ فرعون وإنما أهلكه وألقى جثته على الشاطئ، فأين النجاة هنا؟ هل من مات غريقا وألقى الماء جثته على الشاطئ يكون قد نجا؟؟! هناك فروق هائلة بين "نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ" وبين "ننجي بدنك" وبين "ننجيك" فقط!!!
وقال تعالى: {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103)} الإسراء
فيجب فقه الآيات على ضوء أنه لا اختلاف في القرءان، والمعنى الذي يحقق ذلك هو أن الغرق هو أن يغمر الماء الإنسان تماما، أما الموت فهو شيء آخر، فالغرق لا يعني بالضرورة الموت غرقا، ولا يمكن صرف النجاة عن معانيها القرءانية الواضحة الواردة في الآيات:
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) البقرة، قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) الأنعام، فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) يونس، ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) يونس، وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)} هود
فالفعل بصورته المستعملة مع الرسل والأنبياء هو نفسه المستعمل مع فرعون مع زيادة التأكيد بكلمة "ببدنك"، فلقد نجَّى الله تعالى فرعون ببدنه؛ لوحده من دون قومه، ولكنهم أصروا على أن الله لم ينجِّ فرعون وإنما أهلكه وألقى جثته على الشاطئ، فأين النجاة هنا؟ فالمعنى أنه لم يمت غرقا، ورآه الناس من خلفه بدون سلطانه وصولجانه في حالة يُرثى لها، بعد أن كان إلها يُعبد، وسيدخل النار مع قومه، ولكنه لن يُخلد فيها لإيمانه الذي شهد الله تعالى له به؛ فهو آية لمن خلفه، فقد عاش ملكا طاغية وإلها معبودا أو شبه إله ثم –مع ذلك- مات مؤمنا، فلا يجوز لأحد أن ييأس من روح الله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يظن أن من آمن وأعلن إيمانه سيُخلد في النار.
إنه يجب الالتزام باستعمال المعنى القرءاني للفعل "نجَّى" لشرح العبارات الثلاثة الآتية:
1.    نُنَجِّيكَ
2.    نُنَجِّي بَدَنَكَ
3.    نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
فلا يمكن أن يكون معناها جميعا واحدا، بل هي مختلفة بالضرورة من حيث المعنى، ومن لديه السليقة اللغوية يدرك بالضرورة أن العبارة "نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ" هي تأكيد شديد للنجاة، فكاف الخطاب لوحدها في " نُنَجِّيكَ" تكفي للدلالة على نجاة فرعون.
قال الله تعالى لفرعون بعد أن أعلن إيمانه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)} يونس.
إنه هناك فروق بين العبارات الآتية:
1.         فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، وهي التي وردت في الآية، وهي لا تعني إلا تأكيد نجاة فرعون ببدنه تماما كما تقتضيه اللغة؛ فهو لم يمت غرقا، فـ(كاف) الخطاب تعود على فرعون نفسه، وكلمة "نُنَجِّيكَ" وحدها كافية للدلالة على نجاة فرعون، فالله تعالى ينسب فعل تنجيته إلى نفسه بخطاب الجمع المتكلم؛ أي بكافة أسمائه وجنوده.
2.         فاليوم ننجيك، وهي تعني الإخبار البحت بنجاة فرعون.
3.         فاليوم ننجي بدنك، وتعني نجاة البدن من أن يناله أحد بسوء.
4.         فاليوم لا ننجي إلا بدنك، وتعني تأكيد نجاة البدن فقط، فيظل محفوظا من أن يناله أحد بسوء.
وكل الناس يؤمنون بالعبارة الرابعة إيمانا لا يتزعزع رغم أنها تتضمن تكذيبا بالآية قرءانية! ولو كان المقصود حفظ بدنه ليراه الناس من بعد في المتحف المصري لاستعملت عبارات أخرى!
ولكن سيظل الناس يكذبون ببعض آيات القرءان، وسيظلون يحاولون ضربها ببعضها، في سبيل مروية إسرائيلية.
ولذلك نقول دائما إن كلامنا هو للباحثين عن الحقائق بإخلاص وتجرد المؤمنين بأنه لا اختلاف في القرءان!
والآية تنص على أن فرعون سيكون لمن خلفه آية، وهذا لا يعني ضرورة بقاء جسده، ولكن كل قصة فرعون ستظل للناس أجمعين آية منذ أن أُنزل القرءان قصته إلى يوم الدين، ولا علاقة لذلك بموضوع جثته أبدا.
وقد شهد العصر الحديث أكثر من طاغية نجاه الله ببدنه من الطوفان الذي أغرق نظامه ليكون لمن خلفه آية؛ أي عبرة، منهم شاه إيران، وزين العابدين بن علي رئيس تونس السابق، وحسني مبارك رئيس مصر السابق، وقد عاش كل منهم بدون سلطانه القديم، ومصير كل واحد منهم بالطبع بيد ربه.

وهذا ما حدث مع فرعون، فمصيره بيد ربه، قد يعذبه في الدار الآخرة بالذنوب التي اقترفها ثم يخرجه من النار إذا كان قد قبل إيمانه، وقد تلحق به آثار أعماله بعد نجاته ببدنه فينقلب على عقبيه، وقد يكون الأمر غير ذلك، فالله تعالى يقضي بالحق، ويحكم ولا معقب لحكمه.
وقد وضعوا مروية تقول إن جبريل كان يحاول أن يدس الطين في فم فرعون حتى لا يجهر بإيمانه فينجو!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هذا مع أن الآية القرءانية تقول إنه رغم ذلك جهر بإيمانه ونجاه الله ببدنه!!!! فهم بذلك يقولون إن فرعون تغلب على جبريل!!!!!! هذا مع أن جبريل يمكنه حمل الكرة الأرضية على أحد أجنحته، وبالطبع فالمروية من وضع المنافقين والقصاصين الأفاقين تلاميذ أحبار اليهود.
إن فرعون بنص القرءان قد أعلن إيمانه بعبارة واضحة صريحة، وقد عاتبه الله تعالى على تأخر إيمانه وليس على عدم إيمانه، وسيظل الناس يكذِّبون بالآيات المذكورة، وسيظلون يحاولون ضرب الآيات ببعضها، فلا جدوى من أي حوار في هذا الموضوع، وكما قال الله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يوسف103، ولو آمن الناس بمحض آيات القرءان لكان خيرا لهم.
ولابد له من ورود النار مع قومه؛ {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} هود98، فالإيمان الفردي لا يجبُّ الجرائم التي اقترفت في حق الغير مثل تذبيح الأطفال واستحياء النساء.
وتوبة المحتضر لا تُقبل لأن المحتضر يبدأ في الاطلاع على أحوال العالم الآخر، ولم يكن فرعون يحتضر عندما أعلن إيمانه وإسلامه، والعبارة "أدركه الغرق" لا تعني أنه كان يحتضر، وإنما تعني أن الماء غمره تماما واستنفدت قواه، ولكنه لم يمت بعد بدليل أنه تكلم وأعلن إيمانه في عبارة قطعية الدلالة، فلقد قال فرعون كلمات الإيمان وهو في كامل وعيه كما هو واضح، وعاش بعدها، والمحتضر لا يعود إلى الحياة!!
*******
وقد أشاع بعض أكابر الجهلة أن فرعون هو رمسيس الثاني وأن الآية هي جسده المحنط الموجود في المتحف المصري!!!
ولا علاقة لرمسيس الثاني بفرعون موسى، ولقد كان فرعون بالفعل آية للناس، فقد عاش ملكا بالغ الثراء، وكان أحد أتباعه، وهو قارون، يملك مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ، فما بالك بثروته هو؟ وكان يملك مصر بمدائنها (كلمة المدائن هي صيغة منتهى الجموع لكلمة مدينة، مما يدل على العدد الهائل للمدن في زمنه)، وقد عاش إلها يُعبد، فالآية في فرعون هي في أن الله تعالى رحمه ونجاه من الموت غرقا رغم كل ذلك، وخاصة بعد هلاك آله، وكذلك ظهوره للناس على حقيقته مجردا من أسباب قوته وكبريائه وألوهيته المدعاة، وكذلك ظلت قصته آية حافلة بالعبر لكل من يقرأ القرءان مثلما كانت مريم وابنها آية وكانت سفينة نوح آية، قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:91]، {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِين}[العنكبوت:15]، فلا وجود الآن لسفينة نوح، فالآية هي في القصة بكاملها.
لقد كان فرعون بالفعل لمن خلفه آية، ولقد رآه من كانوا يعبدونه ويرتجفون من سطوته وقد تجرد من سلطانه وغرق جيشه الحديدي الرهيب فاستهانوا به، وبدأت عملية نهب وتدمير كل ممتلكاته وقصوره، وهرب ولي عهده إلى الجنوب ليحتمي بالكهنة الذين اشتد نفوذهم وأصبحوا هم الملوك الحقيقيين للجنوب، أما الشمال فقد استقل به أقوى رجاله، واستمرت البلاد منقسمة لفترة طويلة، أما فرعون فلم يعد مصيره يهم أحدا في شيء، فقد كان الناس يقدسون الانتصار والقوة، وعندما مات مغمورا لم يُدفن بالطبع في مقبرته، وحاول المصريون محو اسمه وفترة حكمه من تاريخهم، وكذلك حاولوا محو كل ذكر لبني إسرائيل في تاريخهم ولكنهم لم ينسوا أبداً ثأرهم معهم، خاصة وأنهم نهبوا أيضاً الكثير من كنوزهم، ولكنهم غرقوا طويلا في الفتن والانقسامات التي شغلتهم عن بني إسرائيل مما أتاح لهؤلاء فترة من الازدهار، وعندما عادت للبلاد وحدتها على يد شيشنق من الأسرة 22 جعل شغله الشاغل تأديب بني إسرائيل، فشجع يربعام من (قبيلة إفرايم بن يوسف) على الثورة على رحبعام ابن سليمان، فانقسمت المملكة انقساما دائما، ثم قاد حملات جرارة على مملكتي إسرائيل دمَّر فيها الكثير من مدنهم تدميرا، واستولى في أحدها على كل كنوز سليمان بما فيها عرشه.
ينص القرءان على أن فرعون أعلن إيمانه، وأن الله تعالى عاتبه على تأخير إعلان هذا الإيمان رغم أنه كان على يقين من أنه مخطئ وأن آيات موسى آيات حقيقية، ولقد نجَّاه الله تعالى ببدنه بسبب هذا الإيمان، فعاش مجردا من سلطانه وشهد تدمير ما بناه بعد أن أفلت زمام الأمور منه، وكان بذلك لمن خلفه آية، ولم نتحدث عن مصيره، وإعلان الإيمان لا يعني أن المرء سيكون في حلّ من المظالم التي أوقعها بالآخرين.
ويلزم التأكيد على أن المسألة هي أساسا الدفاع عن معاني العبارات القرءانية ضد التفاسير العشوائية التراثية المؤمنة إيمانا لا يتزعزع بأهواء اليهود والمقدِّسة لوجهات نظرهم، ولقد نجح اليهود في أن يضلوا السلف وأن يجعلوا من أتباع الدين الأعرابي الأموي أشد تعصبا لخرافاتهم منهم أنفسهم، ولقد صدروا لهم شرّ ما كان دينهم يكبلهم به من إصر وأغلال وضلالات.

*******

الخميس، 5 نوفمبر 2015

مروية "ما يُكتب للإنسان وهو في بطن أمه"

مروية "ما يُكتب للإنسان وهو في بطن أمه"

ورد في صحيح البخاري:
[ 7016 ] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الأعمش سمعت زيد بن وهب سمعت عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه يقول حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وأربعين ليلة ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكن بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها
وجاء في صحيح مسلم:
12 - (112) حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا يعقوب (يعني ابن عبدالرحمن القاري) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛
 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة".
7 - (2647) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأبو سعيد الأشج. قالوا: حدثنا وكيع. ح وحدثنا ابن نمير. حدثنا أبي. حدثنا الأعمش. ح وحدثنا أبو كريب (واللفظ له). حدثنا أبو معاوية. حدثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي. قال:
 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به. فرفع رأسه فقال "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار". قالوا: يا رسول الله! فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال "لا. اعملوا. فكل ميسر لما خلق له". ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* إلى قوله فسنيسره للعسرى} [92 /الليل /5 -10].

ولقد ردّ هذه المروية أناس كثيرون قديما وحديثا حتى قال أحدهم: لو سمعت رسول الله يقول هذا لرددته، وذلك لظنهم أن المروية نص في الجبر، ومع ذلك فالمروية تشير إلي أصل حقيقي قاله الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، والذي دفعهم إلى سوء التأويل ورد المروية هو جهلهم بالإطار العام لدين الحق والذي يتضمن أيضا مهام الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بالنسبة إلي قومه، فالحديث الأصلي كان يقصد إلي تزكية الناس وهي من مهامه وذلك حتى لا يأمنوا مكر أنفسهم ولا مكر الشيطان بهم ولا يركنوا إلي أعمالهم وإنجازاتهم.
وسبق الكتاب علي الإنسان لا يعني جبرا أو إكراها ولكنه يعبر عن صدق التقدير المدوَّن في كتابه المعلوم أي صدق العلم الأولي السابق المترتب علي إدراك تام لحقيقة الكيان الأصلي الجوهري وعلي مدي تأثره بالشروط المبدئية والحدية أي بالظروف المحيطة به والتي يحيط بها العلم أيضا هذا فضلا عن الإحاطة التامة بالقوانين والسنن التي قدرها الله تعالي أصلا، لكل ذلك فإن العلم الذي لدى الحق سبحانه عن أمر ما هو الحق مهما كانت الظواهر التي يراها الناس، والحديث لا ينص على أنه لا جدوى من العمل ولكنه يبين أنه غير كافٍ وأنه لا يجوز الانخداع به أو الاكتفاء به، والنصوص الأخرى من الآيات والأحاديث الحقيقية تبين لماذا هو كذلك، ولكن الذي حدث هو أن أهل الجبرية الصريحة والمقنعة مثل أهل السنة أساءوا تأويل الأحاديث لتتفق مع عقيدتهم الجبرية وعقيدتهم في نفي السببية مما دفع أهل المذاهب الأخرى إلي رد المروية وهذا يتضمن أيضا تسليمهم بصحة تأويل أهل السنة للمروية.
ومن الواضح أن مروية البخاري لم تورد عبارة "فيما يبدو للناس" فضاعفت من حجم الإشكال واللبس، وبتصحيح الأمر يستقيم المعنى، فليس لدى الناس معرفة بحقائق الأمور، ولذلك أعلن الله تعالى أنه هو الذي سيكون له الحكم البات والفصل بين الناس، فعلى الإنسان أن يضع ثقته في الله تعالى الذي هو الحق المبين وخير الحاكمين.
والتحليل السابق يبين أنه لا يجوز المبادرة برد مروية ما، فمن وجد أنها تناقض أمراً دينياً ثابتاً عنده فهو غير ملزم باتخاذ موقف تجاهها ولكن عليه ألا يبادر بردها وليتركها للمتخصصين إلا إذا كانت تعارض مفردة من مفردات الدين أو عنصرا من عناصره بطريقة قطعية فعليه عندها أن يعتصم بكتاب الله تعالي؛ فذلك الاعتصام هو ركن من أركان الدين.
ويجب مع كل ذلك إدراك أن العديد من المرويات المتعلقة بالمصير الإنساني قد تم تحريفها عمدا لتجعل العقيدة الجبرية هي عقيدة الإسلام.
-------
إن المروية المتعلقة بما يكتبه الملَك للإنسان وهو في بطن أمه من رزق وأجل وعمل ومصير وأنه قد يعمل بعمل أهل النار أكثر حياته ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها هي مروية لها اصل صحيح صدر عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وهى ليست نصا في الجبر أو الإكراه كما يظن الذين أنكروها، وإنما هي تبين طبيعة التقدير، فالتقدير المنسوب إلى الله تعالى هو حق وصدق ولابد من تحققه، وهو يدوَّن أو يكتب إجمالا بمجرد اكتمال البنيان الأولىّ للإنسان، فهذا التقدير من مقتضيات ولوازم الكمال الإلهي، ومن لوازم هذا الكمال أن الإنسان رغم تضمن ماهيته جانبا عشوائيا Random وجانبا شواشيا Chaotic، ورغم أنه أعطى الاختيار والإرادة الحرة لابد أن يصدق عليه ما سبق أن علمه الله عنه وتوقعه له أو قدره له، فالحق سبحانه لن يسوق الإنسان إلى ما قدره له أو عليه وإنما سيعطيه المجال والفرصة ليعمل ويختار ويمارس مقتضيات إرادته الحرة فيصدق عليه كل ما سبق العلم به، وهذا أبلغ في الدلالة على كمال السمات الإلهية.
كما تبين المروية حقيقة فعل الكتابة المنسوب إلى الله تعالى، فالأمر المكتوب المنسوب إلى الله له أنواع عديدة منها:
1.     الأمر الذي وجب تحققه ولا يمكن دفعه أو تغييره، والأمور المكتوبة هي مقتضيات تحقق المقاصد الوجودية وسريان القوانين والسنن الإلهية وتحقق الكلمات الإلهية، ومن ذلك وجود إنسان معين وحتمية موته وبعثه، وهذه أمور لا يحاسب الإنسان عليها.
2.     الأمر الذي وجب تحققه في الدنيا أو في الآخرة نتيجة أعمال الكيان الإنساني السابقة، ومن ذلك مثلا ما كُتِب على أبي لهب بعد موقفه من الرسول أو ما كُتِب على أقوام الرسل نتيجة رفضهم الرسالات وتماديهم في الكفر والإجرام.
3.     الشرائع الملزمة التي يجب على الإنسان العمل بمقتضاها لتحقيق المقاصد الدينية، ومنها السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
والمروية تبين للناس أن التقدير الإلهي حق مهما بدا خلاف ذلك للناس، والذي عاش يعمل بعمل أهل النار ربما كان قد نشأ في بيئة خبيثة فتبنَّى معتقداتهم وآراءهم وأسلوبهم في الحياة ولكنه كان بالأصالة طيب المعدن نقى السريرة فظل شيءٌ ما في باطنه يؤرقه وينفره من حياته وأخذت توسلاته الباطنية للخلاص مما هو فيه تتعالى وتتصاعد فاقتضت السنن أن تدبَّر له وسيلة لمعرفة الحق وللتوبة النصوح فقبلت توبته فقبلها منه من وسع كل شيء رحمة وعلما فعمل بعمل أهل الجنة فنجا وفاز، فالحديث الأصلي هو نص في صدق التقدير وكمال العلم وهو يبين للناس أن أبواب الرحمة مفتوحة للناس كافة وأنه يجب أن لا يصد الإنسان عنها خجله مما كان عليه من المعاصي، والجزء الباقي من الحديث يحذر الناس من شر أنفسهم وكيدها ومكرها ويبين للناس أيضا صدق التقدير الإلهي الأولى، والحالة الأخرى المذكورة تعنى أنه ربما ينشأ إنسان في بيئة طيبة فعاش يعمل عملاً صالحا فيما يبدو للناس ولكن كان ثمة نقص خفي في ذاته أورثه كبراً وغروراً وعجبا وظل هذا النقص يستفحل ويتغذى بآثار الأعمال المترتبة عليه إلى أن ران على قلب الإنسان تلك الآثار حتى حرمته تماماً من الانتفاع بعمله وعندها ستصير أعمال الإنسان محض رياء سيدفع الإنسان إلى الشرك من فرط إعجابه بنفسه أو طلبه لرضا الناس، ولقد ضل إبليس الذي كان يعيش مع الملائكة ويعمل بعملهم لفرط افتتانه بنفسه.
ومصير الإنسان يظل منظورا فيه إلى أن يُكتب، واللحظة التي تتحقق فيها هذه الكتابة هي عادة قبل بدء احتضاره واشتداد إحساسه بالعالم الآخر، وهناك بالطبع من يتحدد مصيره قبل ذلك فيُكتب، أما العلم الإلهي فله الإحاطة التامة بكل شيء دخل في مجاله، وهو يتعلق بالأمر على ما هو عليه، والإنسان يُحاسب على المعلومة الظاهرة المتحققة وليس المعلومة المقدرة، ومما يسبب اللبس في هذه القضية:
1.     أن كلمة "علم" تُستعمل للإشارة إلى السمة الإلهية كما تُستعمل أيضا للدلالة على المعلومة.
2.     أن الناس لا تفقه نسبية الزمان وتحاول تقييد الله تعالى بزمان هذا العالم المخلوق.
ولذلك يجب العلم بأن الله تعالى يدبر أمر كل عالم ويصرف آياته فيه وفق نسق السنن الإلهية الكونية الذي أوحاه فيه، وباستعمال ما خلقه من الكائنات، ومن حيث هذه الكائنات، ومنهم الملائكة والجنود بكافة أنواعهم.

*******