الأحد، 3 أبريل 2016

الرَّهْبَانِيَّة

الرَّهْبَانِيَّة

قال تعالى:
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) الحديد
إن الرهبانية مبتدعة، وهو سبحانه لم يكتبها عليهم لأنه أعلم بمن خلق، وهو لا يفرض على الناس ما ينافي حكمته وما يضاد مقاصده، فهو لم يخلق الإنسان ليكون ملَكا يمشى على الأرض ولن يستطيع الإنسان أبدا أن يكون ملكا، وهو سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وكان عليهم أن يعلموا أن ربهم قد كرَّم الإنسان وحمله في البر والبحر وأسجد له ملائكته واستخلفه في الأرض واستعمره فيها، ولكنهم انطلاقا من تصورات لديهم ورثوها ممن هم قبلهم ظنوا ألا سبيل إلى الله إلا بسلوك الرهبانية، فاقتضت الحكمة أن يعاملوا وفق تصوراتهم، ذلك لأنه قد تولد لديهم شعور جازم بأن أدنى تقصير منهم في القيام بمقتضيات الرهبنة هو خطأ في حق الإله، واقتضى ذلك أيضا أن تأتيهم علوم وأوامر مراعية لحالتهم تلك، واقتضى ذلك أيضا أن يُمدوا من عالم الغيب بما يزيدهم تمسكا بتلك الرهبانية مما ألقاه في هذا العالم من سبقهم على نفس الدرب بالإضافة إلى الإلقاءات الشيطانية الناتجة عن الكائنات المفسدة التي ترتع في هذا العالم.
فقوله تعالى {إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ} استثناء منقطع؛ وهذا يعني أننا ما كتبناها نحن عليهم أصلاً ولكنهم ابتدعوها ظنا منهم أن رضوان الله والدرجات الدينية الرفيعة لا تُنال إلا بها، وألزموا أنفسهم بها فألزمناهم بها وطالبناهم بمقتضياتها، فالحكمة تقتضي معاملة الناس وفق تصوراتهم وما رسخ في نفوسهم.
إن الدين الإسلامي يأبى الرهبانية إباءًا تاما بل ويستبدل بها نقيضها الفعال وهو الجهاد، فالرهبانية وهى جماع أمور سلبية استبدل بها أشد الأمور فعالية وإيجابية، ولقد حرص الرسول على تأكيد ذلك في كل مناسبة فنهى المؤمنين عن أن يشددوا على أنفسهم في أمر الشعائر وأرشدهم إلى طبيعة الإسلام السمحة وبيَّن لهم كيف أن الله سبحانه ما جعل عليهم في الدين من حرج وأعلن عليهم أنه حبب إليه الطيب والنساء وهما الأمران اللذان يعتبرهما الرهبان من أشد ما يناقض قواعد وأسس الرهبانية الحقة، كذلك أكد على أهمية النظافة والطهارة ولقد كان الرهبان يتباهون بأن الماء لم يمس أجسامهم لسنين طويلة، وكان الامتناع عن الاستحمام أمرا ينذره أهل الكتاب  ليتحقق لهم ما يريدون مثلما فعلت إيزابيلا ملكة إسبانيا حتى يتحقق لها هزيمة مسلمي الأندلس.
ومن الإعجاز القرءاني الإخبار بأن الرهبانية مبتدعة، فلم يكن العرب في ذلك العصر يدركون شيئا عن الأصيل أو المبتدع في أديان ومذاهب أهل الكتاب، ومن المعلوم الآن أن المصريين هم الذين ابتدعوا الرهبانية في الديانة المسيحية إحياءا اتباعا لتقاليد مصرية عريقة وهربا من ملاحقة الرومان وبطشهم وظلمهم، أما الأديان نفسها فبريئة منها.
وتبين الآية أن من ظن أنه لا يمكنه التقرب من ربه إلا باتباع تقاليد معينة كالرهبانية مثلا فإنها تكتب عليه ويطالب بالوفاء بمقتضياتها والتي أصبح على يقين بأن التقصير فيها هو تقصير في حق الله تعالى، فمن السنن المتعلقة بالفرعيات والطقوس أن من شدد على نفسه ولم يقبل عفو ربه شدد عليه.

هذا ولا يجوز لأحد أن يظن أنه يمكن أن يتقرب إلي ربه بتحريم ما أحله له، فمن أتقن صنع الغذاء يحب أن يستمتع عباده به ولن ينفعه امتناعهم عنه ولن يضره إقبالهم عليه، فمن ظن أنه يمكنه التقرب إلى الله بتحريم ما أحله فقد اقترف إثما مبينا إذ ما قدره حق قدره كما أنه لا يمكن التقرب إلى الله بمعصيته، والذي حرم شيئا فإنما شرَّع في الدين بدون إذن منه واختلس لنفسه سلطات ربه، وهو بذلك يظن أنه أعلم بما يصلح النفوس من الله تعالى وهذا من سوء الظن بالله وكفى به إثما مبينا، والله سبحانه أعظم قدرا من أن يحلل شيئا للعباد علنا ثم يحرِّمه عليهم سرا، لذلك فإن الخير كل الخير هو في اتباع ما أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه، وخير سبل تزكية النفس هي ما ورد في الكتاب العزيز واستعمله الرسول ليزكى به أنفس السابقين الأولين.

*******

السبت، 2 أبريل 2016

مسيح المرويات المنتظر الذي يؤمن به المحسوبون على الإسلام

مسيح المرويات المنتظر الذي يؤمن به المحسوبون على الإسلام

مسيح المرويات يجلس الآن على أحد المقاعد في أحد طوابق البناء المسمى بالسماء عند الله تعالى نفسه، ورغم ذلك فهو ربما لا يعلم أن أحدا قد اتخذه إلها من دون الله، لم يخبره الله سبحانه طوال آلاف السنين بذلك رغم أنه مقيم عنده كما يقولون، ولم يعاتبه بسبب ذلك، ولكنه سيفاجئه بالاستجواب أمام الخلائق أجمعين بسبب ذلك، وعندما يتقرر أن ينزل ليحل كل المشاكل الكونية التي لم يحلها خاتم النبيين نفسه فإنه سيخلع اليونيفورم الخاص بالنبوة ويتركه على مقعده حتى لا يُتَّهم بانتهاك عقيدة ختم النبوة، وسينزل كفرد عادي، ولكنه رغم ذلك سيفعل ما عجز عنه كل الأنبياء، سيبدل سنن الله تعالى التي لا تبديل لها ولا تحويل، لا تتعجب إنه مسيح المرويات! سيرغم الأسود على أكل التبن وسترعى الأسود مع الإبل والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان مع الحيّات، ولكنه سيكون أقل تسامحا مع اليهود والمسيحيين، لن يقبل منهم ما يسمى بالجزية مقابل إعطائهم حقهم الذي قرره الله لهم في آيات كتابه العزيز، لن يقيم أي وزن لآيات القرءان المحكمة التي تنص على حرية الإيمان وأنه لا إكراه في الدين، ولن يقيم أي وزن للإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد من الأمم المتحدة ولا للدستور المصري الذي يقرر حرية العقيدة في أحد بنوده ذرا للرماد في العيون، سيكون أشد عليهم من السلف ومن داعش، سيقوم بعمل إبادة جماعية Mass murdering لمن لا يعتنق الإسلام، ستكون مجزرة تفوق الخيال والوصف تجعل كل ما فعله الصليبيون والمغول والتتار والترك والإنجليز والألمان والأمريكان والإسبان كعبث أطفال، سيعطي لنفسه من السلطات ما لم يعطه الله لخاتم النبيين عندما قال له إنه ليس عليهم بوكيل أو حفيظ أو مسيطر أو جبار، بل سيعطي لنفسه من السلطات ما أبى الله تعالى أن يستعمله ضد الناس، لن يؤجل الحكم في أمرهم إلى يوم الفصل؛ يوم الدين كما سبقت كلمة رب العالمين، ولكن ما النتيجة بعد كل ذلك؟ سيظهر اليهود والنصارى من جديد، فهم باقون إلى يوم القيامة كما قال القرءان.

ولكن ما هي مقاصد من اختلقوا مثل هذه المرويات؟ المقاصد هي تقويض مقاصد الإسلام العظمى وتحريفه وتحويل المحسوبين عليه إلى كفار ومشركين من حيث لا يشعرون وجعلهم كغثاء السيل لا وزن ولا قيمة لهم! وإلقاء نيران العداوة والبغضاء في قلوب المحسوبين على الإسلام تجاه أقرب الناس إليهم؛ وهم أهل الكتاب!!!

*******

الاصطفاء

الاصطفاء

إن الاصطفاء هو فعل من الأفعال الإلهية، وهو يتم من حيث المنظومة الكلية للأسماء الحسنى، فهو يتم وفق نسق من السنن الإلهية الكونية.
والاصطفاء الإلهي يتعالى علوا كبيرا عما هو منسوب إلى الناس وعما يتصورونه بخصوصه، وهو لا يعني محاباة وإنما هو بالأحرى اختيار وتفضيل لأسباب حقيقية، فبسريان القوانين والسنن تتعين ماهيات وحقائق متفاوتة في درجات الكمال، وعندما تتحقق تلك الماهيات وتظهر النفوس وتنبثق الأنيات، فمن البديهي أن من كان ممثلا لحقيقة أو ماهية أسمي في عالم الأمر سيكون كذلك في عالم الخلق.
فالاصطفاء لا يعني اختيار أحد الناس بطريقة عشوائية ثم إكسابه أفضل السجايا والكمالات على سبيل المحاباة، ذلك لأن الماهية الأولية سابقة على الأنية.
إنه من سنة الله تعالى أنه يصطفي من الناس من يقوم بأمور معينة يقتضيها صلاح أمر النوع الإنساني، وهو غير ملزم بالأخذ بالمعايير البشرية ولا باتباع أساليب البشر ليتم هذا الاصطفاء، كما أنه لم يؤسس معاهد دينية خاصة لتخريج هؤلاء المصطفين، ولا يملك إنسانٌ ما أن يفرض عليه أي منهج لاصطفائهم ولا أي نمط من التعليم لإعدادهم فلديه قوانينه وسننه التي هي مقتضيات أسمائه الحسنى وخاصة المثنى "السميع البصير" الذي مجاله الذوات والكائنات، فهو الذي يصطفي من الناس من يشاء ويصنعهم على عينه ويربيهم بنفسه، وهو يستخدم عباده المصطفين فيما هو أصلح لهم ولتحقيق المهام التي ناطها بهم، فهو يصطفي من يشاء للدعوة إليه أو لإرشاد الناس أو لتعليمهم أو لتجديد أمور دينهم أو للتصرف في بعض الأمور عن أمره أو لتزكية النفوس بإذنه أو لإحداث طفرات عرفانية أو ثورات علمية أو تقنية، فالاصطفاء هو فعل إلهي يترتب عليه سنن كونية فعالة.
والاصطفاء المنسوب إلى الله تعالى لا يعني المحاباة أو الاختيار الاعتباطي، والكتاب العزيز يقدم دائما أسبابا لهذا الاختيار أو الاصطفاء، فالاصطفاء هو الاختيار الذي اقتضته منظومة الأسماء الحسنى التي هي لوازم وجود من له الكمال الذاتي المطلق، لذلك فإن المصطفى لأمرٍ ما هو أولى الناس به من كل حيثية، ومن أبرز الصفات الحاكمة على أمر الاصطفاء القسط والفضل، فالقسط يحكم بأن ينال الاصطفاء أصلح الناس له وأولاهم به وأعظمهم سعيا إلى التحقق بما يلزمه، أما الفضل فلأن الإنسان من حيث ذاته ليس له إلا نقصه؛ فكل ما يناله من ربه فمن باب الفضل إذ هو مصدر كل كمال ومانحه.
ولقد بيَّن الكتاب العزيز في نصوص قاطعة أنه سبحانه قد اصطفى بني إسرائيل وأورثهم الكتاب وفضَّلهم على العالمين، ومع ذلك فإنه أنذرهم وحذرهم وندد بسوء أفعالهم ولعن من كفر منهم وأعلن غضبه عليهم وشبههم بالحمير وجعل منهم القردة والخنازير عندما انحرفوا وتمادوا في الكفر والفسوق والعصيان، فدل كل ذلك على أن الاصطفاء إنما يكون لأسباب موضوعية حقانية لا لأسباب ذاتية وأنه ليس مرتبطا بالضرورة بسلالة عرقية، والكتاب ينص على أسباب تفضيلهم من قبل وعلى أسباب لعنهم من بعد، وكان يجب على المسلمين أن يتعظوا بغيرهم وأن يعلموا أن كونهم قد ولدوا مسلمين لا يعني بالضرورة أنهم أصبحوا شعب الله المختار أو أن الله سبحانه قد أصبح ربا خاصا بهم خاضعا لأهوائهم ولا همَّ له إلا قضاء مآربهم ونصرهم علي أعدائهم، وإنما هو يرتب عليهم أعباء إضافية ثقيلة ومسؤوليات جسيمة، فالأفضلية أمر محكوم بقوانين وسنن إلهية منصوص عليها في الكتاب، ولكنهم مع ذلك ارتدوا على أعقابهم فجعلوا معايير التفاضل هي الأنساب والأعراق أو مجرد رؤية النبي ولو للمحة من نهار أو الانتماء إلى قريش أو كنانة أو جرهم ......الخ.
-------
إن ما ينطبق على الإنسان الفرد من سنن الاصطفاء ينطبق على الكيان الأكبر كالأمة، فالأمة تصطفي وتفضل لأسباب موضوعية حقيقية منصوص عليها في الكتاب، ولقد فضِّل بنو إسرائيل علي آل فرعون لأنهم آمنوا وصبروا في حين استكبر آل فرعون وفسقوا وكفروا وأجرموا وأظهروا في الأرض الفساد.
 فلما عصى بنو إسرائيل ربهم وتمردوا على أوامره استحقوا اللعنة والغضب، والمقصود بآل فرعون هنا هم قومه أي أسرته، وكانوا هم الأسرة الحاكمة في مصر وكل من ارتبط بها.
فالاصطفاء يتم وفق قوانين وسنن إلهية حقانية لا تحابي أحدا، فهو من أسس الوجود وسننه، وهو من آليات التطور على كافة المستويات، فبمضي العالم وكائناته، وبسريان القوانين والسنن يظهر التفاوت في الإمكانات والقدرات بين الكائنات، فيتم اصطفاء ما هو الأصلح لتحقيق المقاصد الوجودية، كما يتم أيضا الحفاظ على ما ثبت أنه صالح، وآلات تنفيذ ذلك هم الملائكة الموكلة وجنود السماوات والأرض، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، فالتطور يتم بفعل الأسماء الإلهية بصفة عامة وبفعل الاسمين "العليم الحكيم" و"العزيز الحكيم" بصفة خاصة.


*******

الجمعة، 1 أبريل 2016

التوبة 29

التوبة 29
قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة29.
إن المنهج القرءاني الواجب اتباعه لاستخلاص القول القرءاني بخصوص أي أمر أنه يجب أن يؤخذ في الاعتبار كل الآيات التي ورد فيها ذكر لهذا الأمر وأن يؤخذ في الاعتبار ما تتضمنه كل آية من المعاني والأسماء والشئون الإلهية التي اقتضتها وأن يكون لكل آية حجيتها، فيجب معرفة الشأن الإلهي الذي يستند إليه الحكم الوارد في الآية.
ولا يجوز أبدا إهمال أية آية بحجة أنها منسوخة أو أنها كانت مرحلية.....الخ، فذلك القول يتضمن كفرا ببعض الكتاب وسوء أدب مع من القرءان كلامه، وبالطبع فقد عمل السلف قديما على القول بأن هذه الآية نسخت عشرات الآيات القرءانية ليشرعنوا للاعتداءات السافرة التي شنوها على الأمم المجاورة لنهب أموالهم واحتلال بلادهم وسبي نسائهم.
وآيات القرءان لا تتنافى ولا يوجد بينها أيّ تناقض أو اختلاف يوجب القول بالنسخ، بل هي متسقة اتساقا تاما Completely self-consistent يبيِّن بعضها بعضا ويلقي كل منها مزيدا من الضوء على المسألة المطلوب استخلاص القول القرءاني فيها.
وباتباع ذلك يتبين أن القتال ممنوع منعا باتا إلا إذا اجتمعت كل شروطه، ومنها ما جاء فيما يلي:
{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة190، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}البقرة193، {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }البقرة194، {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة244، {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرا} النساء75، {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً}النساء84، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}الأنفال39، {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)} الأنفال، {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)} الأنفال، {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}التوبة12، {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ}التوبة13، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }الحج39، {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}الممتحنة8، {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}الممتحنة9.
فكل آيات القتال محكومة بالسمات والشؤون الإلهية المذكورة في هذه الآيات بصفة خاصة وفي القرءان بصفة عامة، ومنها:
إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ.
كما أنها محكومة بالأسماء الإلهية المذكورة في القرءان، ومنها "الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ"، وهذا يوجب العمل بمقتضى هذه الأسماء، وهي تستلزم العمل على تحقيق الأمن والسلام في المملكة الإلهية، ولذلك فإن حالة السلام هي الحالة التي يجب أن تسود دائما، ولا يجوز الخروج منها إلا لأسباب قوية مشروعة مثل تلك المذكورة في الآيات، ويجب المبادرة بالعودة إليها، قال تعالى:
{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)} الأنفال، {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)} الممتحنة
فالقتال محرَّم إلا عندما تتوفر شروطه الشرعية، وأول شروطه هو أن يكون في سبيل الله حقاً وصدقا وليس للتوسع العسكري ولا للاستيلاء على بلاد الآخرين ومواردهم وليس لاستعباد الناس ولا لإكراههم على الإيمان، أي لا يجوز أن يكون طلبا بالأصالة لمغانم دنيوية، فإن لم تتوفر شروطه فهو عدوان إجرامي منهي عنه، إن الله تعالى أعلن بكل وضوح أنه لا يجوز قتال إلا من بدأ بالقتال وأعلن أنه لا يحب المعتدين، فهذه سمة من سماته لا تبديل لها ولا تحويل.
فهذه الآية تدخل في إطار كل الآيات الخاصة بالقتال، وهي تبين أنه في حالة قتال أهل الكتاب لاقترافهم ما يوجب قتالهم مثل الاعتداء السافر على المؤمنين بسبب إيمانهم فإنه يجب الاستمرار في القتال حتى يدفعوا جزاء عدوانهم؛ أي يدفعوا الجزية؛ فهي بمثابة غرامة حربية، وهذا الحكم نسخ الأحكام الواردة في كتب أهل الكتاب والتي كانت توجب اسئصالهم إن لم يؤمنوا.
ولكنه وفقا لعقيدة الناسخ والمنسوخ التي يعتنقها بعض المغضوب عليهم والضالين فإن هذه الآية التي لقبوها بآية السيف قد نسخت كل الآيات التي تبين الأساليب الشرعية للدعوة إلي الله، ولقد استعملوها (بالمرَّة) لنسخ كل الآيات التي تحض على التمسك بمكارم الأخلاق عند التعامل مع الناس، وكل هذا يعني أن يشن المسلمون حرباً عالمية علي كافة الشعوب التي لا تدين بدين الإسلام حتى يذعنوا ويعطوا الجزية للسلطات التي تقول إنها إسلامية، وطالما سيظل هناك دائماً من سيتمسك بدينه كما قال الله عز وجل في القرءان فهذا يعني أن يكون القتال هو القاعدة والسلام هو الاستثناء وأن المسلمين لن يكفوا عن القتال إلا مرغمين، وبافتراض أن السلام قد تحقق فما الذي يمنع أن تبرز جهة أخرى تدعي أنها تمثل الإسلام الصحيح وأن الآخرين كفار أو مشركون أو منافقون؟ أو تدعي أن السلطة القائمة لا شرعية لها لأي سبب من الأسباب مثلما حدث من قبل مع خير القرون؟ إن هذا يقتضي حروباً دموية لابد أن يستأصل فيها أحد الأطراف الطرف الآخر، فهل يعتقد أحد أنه من أجل ذلك نزل الإسلام؟
ومن الضلال المبين تصور أنه يوجد اختلاف في القرءان يوجب ضرب الآيات ببعضها البعض، فآيات القرءان تتكامل ويبين بعضها بعضا، والحكم القرءاني يؤخذ منها مجتمعة، فمثلها كمثل المصابيح الكهربية الموصلة على التوالي لو أبطلوا عمل أحدها لن يصلوا إلى الحكم القرءاني الحقيقي!
وفي الآية المذكورة ليس المقصود إبادة المشركين من العرب والأعراب، ولكن المقصود هو الأمر بقتالهم حتى يقبلوا بما هو مذكور في الآية، وهي علامات الإسلام الظاهري.
ويجب العلم بأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كان مكلفا بقتال قومه من العرب والأعراب حتى يسلموا من حيث أنه مرسل إليهم خاصة، فثمة أحكام خاصة بأقوام الرسل لا يجوز تعميمها على غيرهم، فلابد من الفصل بين من آمن بالرسول وبين من كفر به في هذه الحياة الدنيا، وتلك هي السنة التي بينها القرءان بأجلى بيان، إنه يجب أن يعلم الناس ما يلي:
1.           أن الرسول كان مرسلا للناس كافة ولكنه كان أيضًا مرسلاً لقومه بصفة خاصة.
2.           قدم لقومه كل ما يلزم من البينات والبراهين، وكل رسول ملزم بذلك، فمن لم يؤمن من قوم الرسل بعدما رأى ما يكفي من البينات والبراهين هو مجرم عات يشكل خطرا على البشرية ويجب التخلص منه لصالح تطور وتقدم البشرية كأي مجرم ميئوس منه.
3.           كان القضاء على الكفار المجرمين يتم من قبل باستعمال آية كونية وقد نُسخ ذلك في الإسلام ومع خاتم النبيين.
4.           أعلن القرءان أن الخلاص من الكفار المجرمين سيتم بأيدي من آمن من قوم الرسول.
5.           لذلك وجب على المؤمنين تحطيم أصنام الكفار التي كانت في الكعبة وأينما وجدوها، وكانت البعثات تُرسل لذلك كما هو معلوم.
6.           لا يجوز تعميم أحكام قوم الرسول على غيرهم، وهذا ما بينه القرءان بأجلى بيان عندما نص على سبل الدعوة والتعامل مع الآخرين، وهذا هو عين العدل فهم لم يروا رسولاً يقدم لهم ما يكفي من الأدلة والبراهين لإثبات صحة الإسلام وإنما رأوا أناساً يسمون أنفسهم بالمسلمين يعتنقون مذاهب مضادة للإسلام ويكفي سلوكهم لصد كافة الأمم عن سبيل الله تعالى، إنه يجب تماماً العلم بأن الحكم النهائي والفصل التام بين أتباع كافة الأديان والمذاهب لن يكون إلا في يوم الفصل.
إن القرءان بيَّن تماما الأحكام الخاصة بالتعامل مع متبعي الأديان الأخرى بعد ظهور الإسلام، فرغم ما تتضمنه أديانهم من ضلالات فلم يبح الإسلام إكراههم على الإيمان، ولقد أعلن أنه هو الذي جعل لكل طائفة شرعة ومنهاجا، ولقد أعلن أنهم باقون إلى يوم القيامة وأن الفصل والحكم بين شتى الطوائف سيكون في هذا اليوم الذي سمي لذلك بيوم الفصل، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الحج17.
ومن المعلوم أن 99.99% من المحسوبين على الإسلام يتبعون مذاهب شركية حلت محل دين الحق وأخفت وجهه العالمي الكامل التام، ولقد أعلن الله تعالى أن من فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم مشركون، والحق هو أنه ما من مذهب حل محل الإسلام إلا وهو يتضمن ألوانا من الشرك بالله لكون متبعي هذا المذهب اتخذوا من سدنته أربابا شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ.
فلو كان من الواجب قتال كل من أشرك ولا يدين دين الحق لوجب قتال المحسوبين ظلما على الإسلام قبل غيرهم، ولما كان الأقربون أولى بالمعروف فعلى كل محسوبٍ ظلما على الإسلام أن يبادر بقتل نفسه وإراحة البشرية من شره!
أما الأحكام الخاصة بأقوام الرسل فتبينها الآيات:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}يونس47، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ{110}} يوسف،  {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ{58} وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ{59} وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ{60}هود،  {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ{66} وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ{67} كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ{68}}، هود، قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ{81} فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ{82} مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ{83} هود، وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ{94} كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ{95} هود، ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ{100} وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ{101} وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ{102} هود،  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ{171} إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ{172} وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ{173}، الصافات، {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ }غافر5.
إن القتال علي المستوى الأممي لا يكون إلا لرد العدوان ولاسترداد الديار ولكفّ بأس الذين كفروا ولمنعهم من اضطهاد المسلمين وفتنتهم في دينهم، وهو لا يكون أبدا للاستيلاء علي أراضي المسالمين واستعبادهم.
أما المعارك التي نشبت مع الفرس والروم فكانت لحماية دولة الإسلام الوليدة والتي لم يكن الفرس والروم ليتركوها وشأنها، ولو هاجم جيش كثيف من أيهما الحجاز لما صمد كما أثبتت الأحداث من بعد، فقد تمكن مجرم ابن عقبة والحصين بن نمير والحجاج من بعده من الاستيلاء علي المدينة ثم مكة وهدمت الكعبة أثناء ذلك مرتين بجيش لم يتجاوز في كل مرة بضعة آلاف، ولقد حتمت العوامل الاستراتيجية استكمال الهجوم للقضاء علي الإمبراطورية الفارسية شرقاً وطرد الروم من مصر غرباً، ولو لم يفعل العرب ذلك لأمكن للرومان مثلا شن هجوم بحري قوي من مصر للقضاء علي الدولة الوليدة، ولقد تمكنوا من قبل بتفوقهم البحري الكاسح من تحويل هزيمتهم الهائلة أمام الفرس المذكورة في القرءان إلى انتصار ساحق، إن الروم كانوا سيحاصرون المدينة بجيش هائل جيد التجهيز والتسليح، وعندها كان المسلمون سيبدون شتى ضروب البطولة ولكنهم كانوا سيتعرضون في النهاية للإبادة بدون رحمة، وهذا ما حدث عندما ثار محمد النفس الزكية علي الطاغية العباسي أبي جعفر، إن متابعة المعركة مع الفرس إلي نهايتها الحاسمة ومتابعة الزحف للاستيلاء علي مصر هما من علامات التفوق في التفكير الاستراتيجي الذي كان يتميز به الفاروق عمر، وبالطبع فقد شابت تلك المعارك مخالفات شرعية جسيمة أملتها طبيعة العصور الوسطى وجهل معظم الجنود بقيم الإسلام ومُثُله واستمرار تسلط منظومة الأخلاق الجاهلية عليهم، فالإسلام بريء من كل تلك المخالفات ولا يجوز أن تحسب عليه.
***
حقيقة مصطلح الجزية
إن الجزية هي من الجزاء، فهي الغرامة الحربية التي يفرضها جيش المؤمنين على من اضطروه إلى القتال من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من أهل الكتاب، وهي مفروضة لوضع حدٍ للقتال، فهي البديل عن التطهير العرقي أو العقائدي أو الاستئصال الذي كان غايةَ الحروب العقائدية الدينية، ولذلك فمن الظلم والبغي أن تُفرَض الجزيةُ على طائفة مسلمة أو على المسالمين غيرِ المحاربين، ولا يجوزُ أن تؤخذ من إنسان مقابل تركه يمارس حقاً من حقوقه الإنسانية مثل حقه في اختيار دينه أو مذهبه.
والجزية مرتبطة أساسا بالقتال والذي ينبغي أن يكون مشروعا وليس طلباً لغلبةٍ أو توسعٍ أو مغانم دنيوية، والقتال الشرعي له شروطه المعلومة؛ فهو لا يكون إلا لردع العدوان أو للتصدي لأهل البغي أو لدرء الفتنة أو لضمان حرية الدين أو للدفاع عن دور العبادة وعن المستضعفين في الأرض، فإذا ما اعتدت طائفة من أهل الكتاب على المؤمنين وجب على الأمة قتالهم ليس بهدف إبادتهم أو لإكراههم على اعتناق الإسلام وإنما لكف بأسهم وحتى يذعنوا للأمة المسلمة ويدخلوا في السلم كافة ويتكفلوا بدفع تكاليف الحرب التي  تكبَّدتها الأمة مع غرامة عادلة وتلك هي الجزية؛ فهي جزاء لهم على بغيهم وعدوانهم يدفعونه دون قيد أو شرط.
وحرية الإيمان هي قيمة كبرى من أركان منظومة القيم الإسلامية وحق من حقوق الإنسان المقدسة في دين الحق، فلا يجوز أخذ جزية من إنسان مقابل تركه على دينه، بل إن الدفاع عن كل مكان يُذكر فيه اسم الله تعالى هو من القتال في سبيل الله؛ أي هو من القتال المشروع، وكون السلف الصالح قد أخطئوا في إدراك مفهومها السليم لا يجوز أن يُتخذ حجة ضد الإسلام والإنسانية، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل! وكم أخطأ السلف في إدراك مفاهيم قرءانية غاية في الخطورة!! وقد حدث ذلك في أحيانٍ عديدةٍ عمداً مع سبق الإصرار!
لذلك لم يكن من حق السلف أن يُسموا الأموال التي كانت تُفرض على العراقيين والشوام والمصريين باسم الجزية، فلم يكن لهم أن يعتدوا على مصطلح قرءاني، وهذه الشعوب كانت أصلا شعوبا مسالمة تدفع ضريبة من مواردها للمتغلب على بلادها، فقد كانت مصر مثلا تدفع ضريبة للبيزنطيين، والذي حدث أنها استمرت في دفع مثلها ثم أكثر منها للمتغلبين الجدد، وهذا أمر لا شأن للإسلام به، فالجزية بالمصطلح القرءاني كان يجب أن تؤخذ من الروم المحاربين المهزومين وليس من سكان البلاد المسالمين، أما هذه الأموال التي أرغم العرب سكان البلاد التي استوطنوها على دفعها سنويا فكان يجب البحث لها عن أي اسم آخر يناظر الاسم الروماني لها!
والإسلام لم يأمر أحدا بمقاتلة المسالمين والاستيلاء على أموالهم واستيطان بلادهم، وكون السلف قد فعلوا ذلك أو كانوا يتبارون فيه فهذا كان من مقتضيات عصرهم ولا يعني الإسلام الآن في شيء، ولا يلزم المسلمين الآن في شيء، ولا يجوز القول بأنهم عندما كانوا يفعلون ذلك كانوا ينفذون أوامر إلهية! فلمبادئ الإسلام وقيمه الأصلية والكلية العلو عل سلوك وتفسيرات البشر، ذلك لأنها من مقتضيات الأسماء والشئون الإلهية، فالعدوان هو إثم خطير مبين، ذلك لأنه يتضمن اقتراف ما لا يحبه الله تعالى، وهو لن يثيب من اقترف ما لا يحبه، وإنما يلقيه في جهنم إن لم يتب! قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} البقرة، ولا يجوز القول بأن هذه الآية منسوخة لما يلي:
1.     حقيقةُ أن الله تعالى لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ هي سمة إلهية لا تتغير أبدا، فالله سبحانه لا يتغير عما هو عليه أبدا، فلا يجوز القول بأن الله تعالى كان لا يحب المعتدين ثم أصبح يحبهم، هذا القول هو خطأ جسيم وتجديف خطير في حق الله تعالى.
2.     لا وجود أصلاً لآيات قرءانية منسوخة، والقول بأن في القرءان آيات منسوخة بمعنى أن الحكم المذكور فيها قد أُلغي هو من الكفر الفاجر.
وبعد هذا البيان لا يجوز لعبد من عبيد السلف أن يقول لنا: "أتقصد أن فلانا وفلانا وعلانا كانوا مخطئين"؟
ولا يوجد كيان الآن يتحمل مسئولية ما اقترفه السلف من أخطاء في حق الإسلام وفي حق البشرية، وإلا لوجب عليه الاعتذار عما اقترفه أسلافه، أما من يعلن مسئوليته عن هذه الاعتداءات والأخطاء ويعد بإحيائها وتكرارها فيجب على المسلمين قبل غيرهم التصدي له، ومن يقر جرائم أسلافه ويؤمن بها ويحاول إلزام الناس بها يتحمل مع سلفه المسؤولية عنها مثلما يتحمل اليهود المسؤولية عما اقترفه سلفه من قتل الأنبياء.
والأموال التي أخذها السلف من الناس تحت مسمى الجزية لم تكن تحل لهم، فلا تحل أموال كهذه لأولئك الذين فرضوها واستباحوا لأنصارهم وأعوانهم ومداحيهم نهبَها والاستمتاعَ بها، وكان عليهم أن يسموها بأي اسمٍ آخر وألا يعتدوا على مصطلح قرءاني،  وكذلك لا تحل  لهم أموال الزكاة التي لم يوجهوها إلى مصارفها الشرعية المعلومة، ومن المعلوم الآن أن كل تلك الأموال التي نزحت إلى المدينة ومن بعدها إلي العواصم الأخرى كانت في الأغلب  نقمة على الأمة وأدت إلى فتنة الكثيرين وإلى الاختلاف  والتناحر والتنازع والتنافس وإلى تقوية جانب المنافقين ورقيقي الدين من الطلقاء على حساب المؤمنين الصادقين، ولم تستخدم تلك الأموال لإقامة أو تمويل مشاريع إنتاجية أو لزيادة تحصين مكة والمدينة مثلاً، وكان لابد من الصدام الدامي الذي فرضه الطلقاء والمنافقون على الأمة التي لم تأخذهم بها رأفة ولا رحمة.
فالجزية تُفرض على من قاتل وهو معتدٍ مثل الفرس أو الروم ومن ظاهرهم ولكنها لا تفرض على المسالمين غير المقاتلين وإن كان من الممكن أن يدفعوا ضريبة عادلة لتمويل نفقات الدفاع وإقرار الأمن وتسيير أمور الدولة، وما كان ينبغي أن تُسمَّى تلك الضريبة بالجزية، فالجزية لا تفرض إلا على من قاتل من أهل الكتاب بغيا وعدوانا فهُزِم، ولا تُفرض إلا مرة واحدة، أي أنها لا تفرض إلا على المقاتل المحارب بعد هزيمته، وفي ذلك ردع له ولغيره، وهذا يوفر البديل عن استعباده أو قتله.
أما الضريبة التي فرضت على الشعوب المفتوحة في مقابل الدفاع عنها وكمساهمة في تمويل مؤسسات الدولة فلقد سُميت خطأ بالجزية، والحق هو أن ما سموه بالجزية هو في الحقيقة نظام منقول عن الروم الذي نقلوه عمن سبقهم من الشعوب، وكان هذا خطأ تاريخيا أوقع الناس في لبس وجنى على الإسلام والمسلمين بل على البشرية جمعاء خاصة بعد استيلاء الأمويين على مقدرات الأمور وإعادتهم أحكام الجاهلية إلى مركز السيطرة والصدارة.
***
إن الجزية هي غرامة حربية يدفعها أهل الكتاب الذين اعتدوا على المسلمين وقاتلوهم في الدين، وكانوا هم المعتدين البادئين بالقتال، يدفعونها وهم صاغرون، وهم يدفعونها مقابل إنهاء القتال، لذلك يجب أن يدفعوها مرة واحدة، ولا يجوز أن تؤخذ من أحد مقابل تركه على دينه، فلا إكراه في الدين، والقرءان يقرر حرية الدين، فهي حق طبيعي للإنسان فلا يجوز أن يؤخذ منه مالٌ مقابل ممارسةِ حق من حقوقه كما لا يجوز أن يؤخذ منه مالٌ لقاء تركه يعيش.
أما من لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم فمن كبائر الإثم الاعتداءُ عليهم، بل إن المسلمين مأمورون ببرهم والإقساط إليهم! أما من خالف عن ذلك من سلف أو خلف فهو –وليس الإسلام- الذي يتحمل وزر عمله!! ولن تنقلبَ الجرائم والآثام فضائلَ واجتهاداتٍ إذا كان الذي اقترفها بعض السلف، فللقرءان الحجةُ على الجميع، وليس للناس عليه حجة!
وبناء على ما سبق لم يكن يهود المدينة مثلا يدفعون جزية للمسلمين، بل كانوا يتعايشون معهم وفق عهد وميثاق.
أما القتال فهو مقيد بشروطه المعلومة فإذا ما نشب فإنهاؤه له أيضاً شروطه المعلومة!
***
إن الجزية المذكورةَ في النص القرآني هي بمثابةِ غرامةٍ حربية يلتزم بدفعها المعتدون من أهل الكتاب كوسيلة لإنهاء القتال مع بقائهم على دينهم وضمان كافة حقوقهم، وهي تُدفع مرةً واحدة، وهي غير الأنواعِ الأخرى من الضرائب التي التزم بدفعها المغلوبون على أمرهم من شعوب الشرق المسالمين الذين انضموا بحكم الأمر الواقع إلي الدولة الإسلامية فصار لزاماً عليها الدفاعُ عنهم وكفالةُ كافة حقوقهم والقيام بأمورهم، ولقد سميت تلك الضريبةُ خطأ أو عرضاً بالجزية، ولا يلزم بالضرورة بعد إلحاق الهزيمة بالمعتدين احتلالُ أو استيطان بلادهم.
وكل أنواع المظالم التي ألحقها العرب بالشعوب المفتوحة يتحملون هم مسئوليتَها وأوزارَها ولم يأمر الإسلام بها، ولا يجوز أن تكون موضع فخر، بل موضع عارٍ وخجل! ويجب العلم بأن العرب الفاتحين -ورغم كل شيء-كانوا أرحم من غيرهم، وأنه لم يكن لديهم نظام للدعوة والتبشير بل لم يكن يعنيهم أمرُ الدعوة إلى الإسلام كثيرا، وإنما كانوا أميلَ إلى اتباع سنن بني إسرائيل بالاحتفاظ بالدين لأنفسهم، فهم لم يحاولوا أبدا فرض دينهم على الآخرين أو إبادة من خالفهم في الدين، ولم يكن ذلك لتحليهم بفضيلة التسامح بصفة عامة أو لعملهم بأوامر دينهم وإنما حرصاً على مواردهم!
وبقيام الدولة الأموية تحول الأمر بشدة إلى احتلال واستيطان لا هم له إلا استنزاف ونزح خيرات الشعوب المقهورة، ولم يُظهر الأمويون باستثناء عمر بن عبد العزيز أية رغبة في نشر الإسلام بين هذه الشعوب حرصا على مكاسبهم المادية وإنما انتشر الإسلام رغم أنوفهم.
ولم يحدث أن حاول أحد القائمين على الأمر بمصر مثلا حمل الناس على اعتناق الإسلام وإنما الذي حدث أن كثيرا منهم قد انحازوا إلى صف أهل الكتاب ضد أهل مصر المسلمين، ومن هؤلاء كثير من الأيوبيين والفاطميين وبعض المماليك، ولقد ثبت أن أكثر من استقلوا بأمور مصر كانوا يفضلون الاستعانة بأهل الكتاب في الوظائف والأمور الإدارية.
***
 ولا يجوز فرض الجزية أصلا على المسالمين، الجزية غرامة حربية تُفرض على من اعتدى على المسلمين مقابل إنهاء القتال فقط، فالجنوح للسلم أمر قرءاني راسخ.
وقد قرر الله تعالى حرية العقيدة والإيمان لكافة بني الإنسان في القرءان بأجلى بيان، وهو لم يأمر أحدا بأخذ أموال من الناس مقابل ما قرره هو لهم كحق من حقوقهم، ومن يستغل اسمه وكلامه لتحصيل شيء من حطام الدنيا هو أسوأ من اللص العادي.
إن الله تعالى مطلع على أعماق الإنسان وعلى سريرته، فعلى الإنسان ألا يحاول أن يخادعه، ولا يجوز أن يكون حياؤه من الناس أشد من حيائه من ربه.
أما إذا كان المسلمون يتعايشون مع غيرهم في وطن واحد، وكان النظام الإسلامي هو المتبع بمعنى أن الزكاة تؤدي دور الضريبة الآن فإنه على غير المسلمين أن يؤدوا ما يقابل هذه الزكاة، ولا يجوز تسمية ذلك بالجزية.
***
إنه يجب التخلص والتبرؤ من المفهوم الخاطئ للجزية، وأن يعلن المسلمون ذلك على رؤوس الأشهاد، فمصلحة الإسلام والحقيقة والإنسانية مقدمةٌ على كل اعتبار آخر!
***
إن العدوان محرم تحريما باتا في القرءان، والقتال المشروع هو الذي يكون ردا لعدوان، والجزية لها المفاهيم التالية:
1.     الجزية بالمفهوم القرءاني، وهي تؤخذ من المعتدي مقابل إيقاف القتال، فهي بمثابة الغرامة الحربية، ويجب أن يدفعها المعتدي وهو صاغر حتى يكون عبرة لنفسه ولغيره فلا يفكر من بعد في تكرار العدوان.
2.     الجزية التي يفرضها الشعب الغالب على الشعب المغلوب دون أن يحتل بالضرورة أرضه، وكان توقف الشعب المغلوب عن دفعها بمثابة إعلان حرب على الشعب الغالب، وسميت بالجزية خطأ، أو لعدم وجود مقابل لغوي، ولا يجوز لأحد فرض هذا المفهوم على القرءان.
3.     الجزية التي يدفعها أفراد الشعب المغلوب للسلطة المتغلبة مقابل بقائهم على دينهم أو مذهبهم، وكان يمكن أن يُستبدل بها نوع من الضرائب يؤخذ من الناس بالحسنى والتراضي مقابل الإنفاق العام، ولكنها في أغلب الأحيان وطوال تاريخ المتسلطين المحسوبين على الإسلام لم تكن كذلك، بل كانت وسيلة قهر وإذلال، ولا يجوز لأحد فرض هذا المفهوم على القرءان ولا تحميله المسؤولية عنه.
***
إنه يجب التخلص والتبرؤ من المفهوم الخاطئ للجزية، وأن يعلن المسلمون ذلك على رؤوس الأشهاد، فمصلحة الإسلام والحقيقة والإنسانية مقدمةٌ على كل اعتبار آخر!


*******

التوبة من 1 إلى 6

التوبة من 1 إلى 6

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6).
إن سورة التوبة تتضمن كثيرا من أنباء القرن الإسلامي الأول وتتضمن كثيرا من الأوامر المتعلقة بما واجهوه من وقائع خاصة وتخلِّد جهادهم للناس ليتأسوا بهم، كما أنها تبيِّن بكل وضوح أنهم لم يكونوا كلهم علي درجة واحدة من الصلاح والكمال وإنما كانوا طبقاتٍ عديدة تم ذكرها وبيان أمرها، ولكنها أيضا ذكرت كثيراً من معاصيهم ومخالفاتهم وما اقترفوه من آثام حتى لا يغلوا الناس في أمرهم كما حدث مع الذين من قبلهم، ولا يعني ذلك تاريخانية السورة، ذلك لأنها تتضمن الكثير من الأحكام العامة  كما يمكن استنباط كثير من تلك الأحكام منها، فهي توضح مثلا للأمة المؤمنة في حال وجودها كيف تتعامل مع مكوناتها المختلفة ومع الأمم الأخرى، وكيف أنه يجب أن تتحلى تلك الأمة باليقظة والفطنة والحكمة والحزم في ذلك التعامل، فتلك السورة ترسى القواعد وتوضح نسق الأوامر والسنن والتعليمات اللازمة لتحقيق المقصد الديني الأعظم الرابع أي إعداد وبناء الأمة الخيرة الفائقة، فآيات السورة وأحكامها واجبة التطبيق والإعمال عندما تستجد ظروف مشابهة لتلك التي كانت موجودة في القرن الأول.
وليس لامرئٍ منفرد أن يلزم نفسه بما لا تقوم به إلا أمة تملك زمام أمورها وولاة أمرها منها لا من أعدائها، وعليه أن يعلم أن الله تعالي لا يكلف نفساً إلا وسعها وأنه لابد أن يعرف الناس منظومات القيم والسنن الإلهية وأن يعملوا وفق مقتضياتها، فإن أعياه ذلك فلا أقل من أن يتحلى بالتقوي والرغبة في طلب مرضاة الله تعالي.
والآيات (1-6) توجه الأوامر والتعليمات إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ والمؤمنين بخصوص كيفية التعامل مع قومه من العرب والأعراب الذين رفضوا الإيمان كما هو واضح وبيِّـن، فالمراد بالمشركين هنا هو ما اصطلح الكتاب على أن يسميهم كذلك، وهم من رفضوا الرسالة من العرب والأعراب وآثروا البقاء على عبادة الأصنام، فهم أشركوا بالله واتخذوا الأصنام أربابا وعبدوهم بحجة أنهم سيقربونهم إلى الله زلفى، وهم تمادوا في ذلك حتى أصبح الشرك سجية لهم، وأصبح اسم "المشركين" عَلَما عليهم، وهم لم يكتفوا بذلك بل أخرجوا الذين آمنوا من ديارهم واستولوا على أموالهم، وهم الذين كانوا مع كل حلفٍ ضد الأمة الوليدة، وهم الذين قاوموا ظهور دين الحق وحاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، وهم الذين أُعطيت لهم المهلة المذكورة، وهم الذين بدأت السورة بإعلان البراءة منهم حتى ولو كان ثمة عهد معهم، ولكن حدث استثناء لمن أوفى بعهده فيما يتعلق بالمدة.
فالآيات لا تلزم المحسوبين على الإسلام بقتال كل المشركين في مشارق الأرض ومغاربها وإلا للزمهم قتال أنفسهم، قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} يوسف106، وبالفعل فإن أتباع كل مذهب الآن يرمون أتباع المذاهب الأخرى بالشرك ويزعمون أنهم وحدهم هم الفئة الناجية، وهم مخطئون في ظنهم أنهم الفئة الناجية، ولكنهم كلهم محقون في كونهم جميعا مشركين، قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}الأنعام159، بل لقد أعلن الله تعالى أن الذين فرقوا دينهم الفرحين بما هم عليه من المشركين، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{30} مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} الروم.
وهم بالفعل لم يكفوا عن الاقتتال والتناحر إلا بفعل قوى أخرى، وهم إلى الآن بالفعل لا يملكون أية صيغة تمكنهم من التعايش السلمي مع بعضهم البعض.
ويجب العلم بأن قوم أي رسول ملزمون بالإيمان به من بعد أن جاءهم بالآيات والبينات، وقوم كل رسول لا يمكن أبدا أن يتعايشوا سلميا مع من آمن، ولكن لم يكن هذا ليحدث أبدا، لذلك كان لابد دائما من حسم أمرهم في هذه الدنيا.
وقد زعم بعض المضلين والمفسدين أن آية التوبة 5 والتي يسمونها بآية السيف تنسخ أكثر من مائة آية من آيات القرءان، والآيات التي زعموا أنها منسوخة هي التي تلزم الدعاة باتباع الأساليب السلمية والتي تحض على مكارم الأخلاق ومعاملة الناس بالحسنى، كما زعموا أن تلك الآية تلزم المسلمين بشن حرب لا هوادة فيها على المشركين أي على سائر البشر ما عدا المسلمين، ولقد ترتب على ذلك أن قسموا العالم إلى دارين دار إسلام ودار حرب، وجعلوا من أنفسهم حربا على كل من خالفهم؛ أي على البشرية جمعاء وذلك بدلا من أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس أمة داعية إلى الخير والسلام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، ولما فرَّق المسلمون دينهم وصاروا شيعا ضمت كل شيعة من خالفهم إلى أولئك المشركين، ومنذ ظهور الإسلام إلى الآن فقد كانت حروب طوائف المشركين المحسوبين على الإسلام فيما بينهم أكثر وأشد ضراوة من الحروب التي شنها الآخرون عليهم.
فالآية وردت في سياق الحديث عن المشركين المحيطين بمكة والمدينة إذ كان لابد من حسم أمرهم إن أريد للإسلام أن يبقى فلقد كانوا قبائل مقاتلة شرسة لا انضباط لديها ولا عهد لها ولا أيمان لها ولا يمكن أن يؤمن جانبها، وهم لم يؤمنوا إيمانا حقيقيا وإنما أذعنوا انتظارا لأية فرصة يهتبلونها، وقد كانوا لا يرون في الإسلام إلا حيلة ابتدعتها قريش لبسط سيادتها على سائر العرب مثلما رأت قريش من قبل أنه حيلة دبرها بنو هاشم للسيطرة علي مكة، وإن سياق وسباق الآية ليقطع يقينا بذلك ويبرر الأمر الصادر في الآية، فالآيات تتحدث عن عهود مبرمة وبشهور محددة وبأجل مضروب، فلكل ما سبق بيانه لم يكن من الممكن ترك تلك القبائل لتمثل قنابل موقوتة في جسد الأمة الوليدة التي تتهيأ للتصدي للدول العظمى الموجودة آنذاك والتي ثبت أنها تتربص بها الدوائر.
فالآية تتحدث عن ظروف استثنائية وهى تتضمن أحكاما خاصة بهذه الظروف، ومع ذلك فإنها تؤكد أنه بمجرد إسلام المشركين –ولو إسلاما ظاهريا- فانه لا سلطان لأحد عليهم، ولقد انتهت الآية ببيان أن الأمر كله خاضع لمقتضيات الاسم الإلهي الغفور الرحيم.
والآية تبين أنه بالنسبة لقوم نبي مرسل فإن إعلان التبرؤ من الشرك هو في الحقيقة توبة، ذلك لأن إصرارهم على الكفر بعدما تبين لهم الحق هو أفدح ذنب، فقوم الرسول النبي ملزمون بالإيمان به من بعد أن جاءهم بالبينات وإلا فسيعرضون أنفسهم للهلاك العاجل، أما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فهما بمثابة إعلان الانتماء إلى الأمة المؤمنة، وهما من وسائل زيادة تماسكها وتقوية بنيانها.
وهذه الآية تبين ماذا كان مطلوبا من قوم النبي، وما هو مطلوب منهم كان هو الإسلام بمعناه الظاهري الذي لا يستلزم بالضرورة إيمانا، وهذا الإسلام له أركانه الثلاثة المذكورة، والتي تمثل بالنسبة لقوم النبي من العرب والأعراب بطاقة الهوية التي تعني الانتماء إلى الأمة، وهي التوبة من عبادة الأصنام بالتلفظ بالشهادة، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
فالإسلام الظاهري (Restricted or limited or superficial or minor or formal Islâm)، هو جماع ما يعلن به الإنسانُ من الناحية الظاهرية على الأقل انتماءَه للأمة المؤمنة المسلمة ومسالمتَه لها وولاءَه لها، وفيه قال تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} التوبة5، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }التوبة11، {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الحجرات: 14، {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} آل عمران20، وهو يتضمن الأركانَ الخمسة المعلومة ولا يتضمنُ بالضرورة إيمانا أو إحسانا، وهو الإسلام الذي كان قومُ الرسولِ مطالبين به، وبه يكتسب المرءُ الهوية الإسلامية؛ أي يكون من حقه أن يكون عضوا في الأمة الإسلامية،  ويكون له كافةُ حقوقِ المسلم ولو كان يخفي نفاقا عريقا، ولكنه يكون أيضا ملزما بما عليه من واجبات، ومثلُ هذا لا يجوز إخراجه من الجماعة المؤمنة وإن كان يجب أخذُ الحِذْرِ منه وجهادُه بالقرءان.
فالالتزام بالأركان الثلاثة المذكورة في آية التوبة كان في العصر النبوي بمثابة بطاقة هوية لكل من ينتمي إلى الأمة، لذلك يجب مؤاخذة من لا يلتزم بها في حالة وجود تلك الأمة وامتلاكِها لمقدراتها ووجود ولاة أمر لها منها، ومن الجلي أن إسلاما كهذا لا يضمن النجاة لصاحبه، أما من اعتنق هذا الإسلام رغبةً في الاهتداء وليس نفاقا أو على سبيل التقية فإنه بقيامه بأركانه وحرصه على العمل بما فقهه من كتاب الله سيدخل الإيمان في قلبه شيئا فشيئا ويصبح مؤهلاً ليكون مسلما بالمعنى الحقيقي
والآيات رغم أنها تتحدث عن أحكام خاصة إلا أنه إذا ما توفرت ظروف مشابهة لما تحدثت عنه الآيات مثل نشوء أمة مؤمنة وليدة تعاني من الاعتداءات المتكررة من الآخرين، وتخشى على نفسها من تربص المشركين بها والذين دأبوا على نقض العهود والمواثيق أن تعلن البراءة منهم وأن تحذرهم من العواقب الوخيمة لأفعالهم فإن لم يُجْدِ كل ذلك نفعا وظلوا متشبثين بسياساتهم العدائية تجاه الأمة المؤمنة فعليها أن تعلن الحرب عليهم، وهذا يعني أنه لا يجوز لأحد أن يتولاهم ولا أن ينحاز إليهم، ومن المعلوم أن ذلك يُعتبر في القوانين العصرية من أعمال الخيانة العظمى.
أما إذا كانوا لم يقاتلوا المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم وأموالهم ولم يظاهروا عليهم أحدا فعلى المسلمين أن يبروهم وأن يقسطوا إليهم وأن يعاملوهم وفق منظومة القيم الإسلامية التي هي أرقى منظومات القيم الإنسانية.
ولكن ليس من حق إحدى الطوائف المحسوبة على الإسلام أن تشهر هذه الآيات كسلاح ضد الطوائف الأخرى المحسوبة على الإسلام، وحتى بالنسبة لأتباع دين الحق عليهم أيضا أن يضعوا في اعتبارهم نظرة الآخرين إليهم وأن يلتزموا دائماً بالجنوح إلى السلم.

فآيات سورة التوبة لا تعطي الشرعية لأي أحد ليقاتل الناس حتى يؤمنوا، والاعتداء على الآخرين هو كبيرة من كبائر الإثم التي لا يحبها الله، فالعدوان محرم تحريما باتا، كما أن القتال ليس وسيلة شرعية للدعوة إلى الله تعالى، وهو لا يكون مشروعا إلا ردا لعدوان أو الدفاع عن الأوطان (الديار والأهل والأموال) أو لنجدة المستضعفين المضطهدين في دينهم.
*****

الأربعاء، 30 مارس 2016

جهلوت بن كفروت بن إرهابوت الدموي

جهلوت بن كفروت بن إرهابوت الدموي

كان جهلوت بن كفروت بن إرهابوت الدموي من خيرة دواب همجستان، ظهرت وميوله ومهاراته الجهادية منذ صغره، دخل حظيرة الدجاج ذات مرة على حين غفلة من أمة واقترف مجزرة مروعة في حق الدجاج والكتاكيت، عندما اكتشفت أمه الأمر أخذت تلطم لمدة ساعة كاملة ثم انهالت عليه بالضرب حتى كلَّت وسقطت من الإعياء، لاحظت أنه كان يستمتع بالضرب ويحملق فيها ببلاهة.
عندما كبر قليلا أصبح ينزل إلى الشارع ليصطاد القطط الضالة، وكان يستمتع بخنقها، أخذ من بعد ذلك يتطلع إلى تحقيق هدفه الأكبر؛ كان يهاجم الكلاب الضالة ويرجمها بالحجارة، كانت تفر من أمامه مما شجعه على التمادي في ذلك.
رأى في إحدى المرات كلبا ضخم الحجم، هنَّأ نفسه على هذا الهدف الثمين، أمسك بحجر ضخم وقذف به الكلب، فوجئ بالكلب ينقض عليه، ويمزق ملابسه ويثخنه بالجراح، لم ينقذه منه إلا احتشاد الناس.
تلقى درسا قاسيا، لم يخفف من وطأة نزعة الدموية الإجرامية، ولكنه ازداد خسة ونذالة، لم يعد يهاجم إلا ما يتوسم فيه الضعف.
أخذت تنتابه رغبة لا تقاوم في قتل البشر، كان يستمتع في خياله وأحلام يقظته ومنامه بذلك ويتمنى أن تتاح له الفرصة للتنفيد، ذات مرة انتهز فرصة خلو البيت وهجم على أخته الصغيرة وأطبق على عنقها بكل قوته، أنقذها الجيران منه، عادت أمه لتجد الحشد الكبير من الجيران في المنزل لتتلقى صدمة جديدة كادت تودي بها.
رأوا أن يقتادوه إلى الشيخ الهمجستاني الشهير، رأى فيه صيدا ثمينا في هذه الظروف الحرجة التي تنتاب الأمة الهمجستانية، علمه أن من الأفضل له استثمار ميوله الجهادية هذه لخدمة قضية همجستان المقدسة، أعده إعدادا جيدا، علمه المذهب الهمجستاني العتيد، أسعد قلبه عندما أخبره أن كل مسلم غير همجستاني هو هدف مشروع ويمكن الفوز بالجنة بسفك دمه.
اكتسب كراهية رهيبة لكل المسلمين غير الهمجستانيين، أصبح كل أمله أن يتحول إلى قنبلة ذرية تنفجر في بلادهم فلا تبقي منهم أحدا حتى يضم كافة بلادهم رسميا إلى همجستان.
لم تتخلص أسرته من شره إلا عندما افتُتِح أوكازيون الجهاد في أحد بلدان الشرق العربي، لم يصدق نفسه، ذهب إلى هناك لتوِّه، أخذ يتفنن في قتل المسلمين وتقطيع أعناقهم وأكل قلوبهم وأكبادهم والتمثيل بجثثهم ولعب الكرة برؤوسهم، ثم أخيرا حقق حلم عمره الأكبر عندما فجَّر نفسه في حشد كبير للمسلمين كانوا في طريقهم إلى أداء الصلاة في المسجد الجامع، وأخيرا استطاعت أمه أن تنام مطمئنة قريرة العين لأول مرة منذ أن ابتليت به.
أما أهالي همجستان فقد أصبح يُلقب عندهم بالمجاهد الشهيد، وأصبحوا يضربون به المثل لأطفال همجستان، وهكذا لم يمت جهلوت، لقد أصبح يتجسد في أشخاص جدد يتأسون بسيرته ويُصنعون على عينها.


*******

الشجاع الأقرع

الشجاع الأقرع

حقيقة الشجاع الأقرع العدو اللدود للمجتهدين الجدد
آثار أعمال الإنسان إما أن تشكل تغيرات في كيانه الجوهري فتتحسن صورته أو تسوء وإما أن تتحول إلى كيانات حقيقية يتنعم بها أو يُعذَّب ويظل يرقى بها أو يتدهور وفق أنساق من السنن الإلهية الكونية، وإما أن يتحقق له الأمران معا، والنفس تكون في حياتها مخدرة بتأثير الجسم الطبيعي الطيني، وبسبب انشغالها الشديد به.
والنفس هي كيان لطيف جدا من حيث البنيان، وهي مثل الريح؛ شديدة التأثر بكل ما تمر عليه أو يمر بها، وهي تتأثر أيضا بما يصدر عنها أو يُلقى عليها، وهي طالما كانت مرتبطة بالجسم فإنها لا تحس ولا تعمل إلا بحواسه، فلا تدرك إلا قليلا شيئا من آثار أعمالها.
ولكنها بمجرد أن تذوق الموت بانعزالها عن تدبير الجسم تبدأ في استعمال حواسها الخاصة بها، وعندها يشتد إدراكها لآثار أعمالها، فتتمثل لها آثار أعمالها في صورة حسية بالنسبة لها في عالمها البرزخي، هذه الصور تتناسب مع طبيعة الآثار ومع طبيعة النفس أيضا.
وأشبه شيء بذلك هو الكوابيس الليلية، فيوجد عامل مزعج بالنسبة للجسم يتمثل للنفس بصورة مخيفة مشكلة مما هو موجود في حافظتها، وهي تتألم وتصرخ وتتعذب بهذه الصورة.
فكذلك الأمر تتمثل للنفس صفاتها السيئة وآثارها في صورة كائنات مخيفة، ولكن لا يوجد للنفس الآن أمل في الخلاص منها بالاستيقاظ!
وفي المقابل تتنعم النفس الطيبة بصفاتها الحسنة وبآثار هذه الصفات.
ولذلك لا غرابة في أن تكون المشاهد في البرزخ مرعبة لذوي الصفات سيئة، وأن تتجسد الصفة السيئة بما يناسبها من كائنات كان الإنسان يعرفها، أو تكونها له مخيلته من كائنات كان يعرفها.
فالنفس لا تنعدم بالموت، أما البعث فهو عودتها إلى الجسم بعد أن نبت وأصبح مهيأً لها، وبهذه العودة تحس بنفس شعور من تنبه واستيقظ من نومه، فالحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية التي تبدو بالنسبة لها حياة البرزخ كحلم أو كخيال.
إنه يجب العلم بما يلي:
1.     النفس الإنسانية التي هي الكيان الجوهري لا تنعدم، وإنما تذوق الموت كما تذوق أي شدة أخرى أو أي ألم آخر.
2.     لا يستطيع أحد أن يماري في ترتب النتيجة على السبب.
3.     النفس تكون في عالم برزخي هو حقيقي بالنسبة لها، بل إنها تنظر من خلاله إلى عالم الدنيا كعالم خيالي.
4.     أحوال النفس في البرزخ هي النتائج الطبيعة للحالة التي آلت عليها وفق آثار أعمال الإنسان كما يترتب العطش على فقدان الماء أو الشبع على تناول الطعام.
5.     الأنبياء والصديقون والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فالعبرة هي بالنفس الحقيقية.
6.     القبر هو من عالم الدنيا هو وما يضمه من جسد، وتسري عليهما قوانين العالم المادي، أما عالم البرزخ فشيء آخر.
7.     عالم البرزخ له أبعاده الخاصة وطبيعته الخاصة، وهو متداخل مع هذا العالم لذلك، والنفس أصلا متعينة فيه، وهي لا تتقيد بالعالم المألوف إلا من حيث ارتباطها بالجسم.
القول الذي لم نفصح عن أسبابه أو لم نقدم براهينه يكون الناس مخيرين بشأنه، وكما قالوا: ليس كل ما يعرف يُقال!
المتمذهبون والمجتهدون الجدد ودراويشهم لم ولن يتقبلوا ما يخالف ما ألفوا عليه أسلافهم أو ما يخاف ما يعرفونه حتى لو أيقنوا أنه سيقودهم إلى الدرك الأسفل من النار، والكلام ليس موجها لهم! بل هو موجه إلى الباحثين عن الحقيقة!


*******