الثلاثاء، 16 يونيو 2020

عبيد الخازوق العثمانلي


عبيد الخازوق العثمانلي


يُحكى أنه ظهر أحد البلاطجة قديمًا، أتى من بلاده القاحلة هربًا أمام أعداء أشد بطشا، دخل على قرية بها بعض المسيحيين المتناحرين، افترس أضعفهم، وأقام في بيته، تركه المسيحيون الآخرون لانشغالهم بأمورهم الخاصة وصراعاتهم فيما بينهم، ثم بدأ بعضهم يستعمله ضد البعض الآخر.
استدار هذا البلطجي على قرية كان يقيم بها بعض المحسوبين على الإسلام، والذين يوجد من بينهم خونة، كانوا معجبين به لأنه افترس بعض المسيحيين، حرضه الخونة على احتلال قريتهم، وقدموا إليه كافة التسهيلات.
تمكن من احتلال قريتهم، اصطفى لنفسه الخونة منهم ثم أجلس الباقين على خوازيق، فهاموا به وجدا وشغفهم حبًّا، وأصبحوا يتغنون بسيرته لأنه قتل بعض المسيحيين، استشرى بينهم الفقر والجهل والمرض، فازدادوا له حبًّا، وقالوا لأنفسهم: "لا تنسوا أنه مسلم وأنه قتل بعض المسيحيين"! أخذ الموت يحصدهم، ولكنهم كانوا مع ذلك يسبحون بحمده ويقدسون له لأنه في ظنهم مسلم وقد قتل بعض المسيحيين.
جاء المسيحيون من بعد أن أصبحوا علمانيين واحتلوا بكل سهولة قريتهم، لم يستطع البلطجي حمايتهم، بل قدم تسهيلات لهؤلاء الغزاة ليتركوه وشأنه، تحرر مدمنو الخوازيق من خوازيقهم، وأخذوا يقاتلون الغزاة، ليس ليصبحوا بشرًا أحرارا، وإنما ليجلسوا من جديد على خازوق البلطجي.
ضاق أحفاد البلطجي به زرعًا، ألقوه في سلة القمامة، فبكاه ورثاه مدمنو الخوازيق.
أحس أحد أحفاد البلطجي بأماني وأشواق عبيد الخازوق، فأعلن أن القرية بمن فيها وما عليها إرث شرعي لجده البلطجي، هب المخوزقون هبة مخوزق واحد، وتداعوا لنصرة حفيد البلطجي.
وقف الخلق ينظرون جميعا كيف تتم خوزقة أهالي القرية، واحدًا تلو الآخر.
لاحظوا مدى سعادة أهالي القرية، وأنهم كانوا يذهبون مستبشرين إلى الخوازيق وهم يهتفون: "لا تنسوا أنه مسلم، وأنه سيحيي أمجاد جده الذي قتل بعض المسيحيين".
*******

الجمعة، 24 أبريل 2020

عصابة عادلة



عصابة عادلة

هاجمت العصابة قصرا منيفًا فخمًا، واستولت على كل ما فيه، أرسلت بعض البنات اللاتي كن يقمن فيه لكي يُبعن في سوق النخاسة، أقامت العصابة في قلب القصر، رأت أن تبقي على بعض من كانوا يقيمون فيه ليعملوا في الحدائق المحيطة بالقصر، والتي كانت ملكًا لهم، وبذلك يتم توفير احتياجات العصابة وأهالي العصابة المقيمين بعيدا.
قال سيد القصر القديم لزعيم العصابة: بأي حق تفعل كل ذلك؟
قال الزعيم: ألم نعرض عليك أن تكون مثلنا فرفضت، ومع ذلك لم نقتلك، يجب أن تشكر لنا!
قال السيد: ولكني لم أجد في سلوككم ما يغري بأن أكون مثلكم!
قال الزعيم: هذه مشكلتك، وهذا أفضل على كل حال، فلو أصبحتم مثلنا، منتمين إلى هذه العصابة، فسيهلك الكل من الجوع، من الأفضل أن تستمر الأمور هكذا! وبالمناسبة، سمعت أن الكوخ الصغير الواقع خارج أسوار القصر هو ملك لك؟ أريد أن أشتريه منك لتنفيذ خطتنا المستقبلية لتوسيع القصر، بكم تريد أن تبيعه؟!
قال السيد: أتأخذ القصر كله عنوة، وتريد أن تشتري هذا الكوخ الحقير بثمنه؟
قال الزعيم: ماذا؟! هل تظننا لصوصًا أيها النذل، إننا أفضل البشر على الإطلاق، وزعيم عصابتنا الكبير هو مضرب الأمثال في العدل!
ذُهل السيد، جحظت عيناه وطال عنقه، وطار عقله، وأخذ يصرخ بأعلى صوته: يحيا العدل، يحيا الزعيم العادل وزعيم الزعيم العادل!
جاء باقي سكان القصر، رأوه على هذه الحالة، جُنَّ جنونهم مثله، وأخذوا يهتفون معه.
من فرط تأثرهم بعدالة الزعيم أخذوا هم في تأليف قصص وأساطير عن عدالته التي ملأت قصرهم، كما حرصوا على تلقينها لأبنائهم.

*******


الثلاثاء، 31 مارس 2020

صلاح الدين الأيوبي 1


صلاح الدين الأيوبي 1

صلاح الدين رجل من رجالات التاريخ الكبار، ولمؤسسي الدول صفاتهم الخاصة، فهم ليسوا أئمة دينيين، وهم يُستعملون لتنفيذ أحكام بمقتضى السنن التاريخية، ورجل الدولة يجب للأسف أن يتمتع بقدر كبير من المكياڤيللية في التعامل مع الأمور، وذلك بالنظر إلى تدهور وتردي أحوال أكثر الناس.
ولذلك فكل قرار يتخذونه كان له آثار سلبية وآثار إيجابية، وقد تكون الآثار الإيجابية مبهرة، ولكنها قصيرة الأمد، وقد تكون الآثار السلبية واهنة، ولكنها فادحة النتائج.
وتحليل كل ذلك مع ربطه بشخصياتهم يستلزم عملا ضخما.
وبالنسبة للمصريين مثلا لم يعتبروا صلاح الدين رجلهم ولا بطلهم، وإنما كان ذلك للظاهر بيبرس لأسباب عديدة، وكانت له سيرة ضخمة، ولكنه تعرض لحملة تشويه مغرضة وممنهجة.
وفي المقابل فإن صلاح الدين حكمهم بالحديد والنار، وقتل منهم أضعاف من قتلهم من الصليبيين، وسخرهم بكل قسوة لتحقيق أمجاده الخاصة.
وقد حظي صلاح الدين بحملة تهويل وتضخيم وتقديس، لما يلي:
1.   لدوره في القضاء (رسميا) على أكبر دولة شيعية ظهرت في التاريخ، مع أن هذه الدولة، مثل كل الدول، كانت قد دخلت في طور الاحتضار، قبل مقدمه، وبالتالي أصبح كيانا مقدسا لدى أهل السنة والسلفية، رغم أنه من المفترض أنه عند السلفية "أشعري فاسق ومن مخانيث المعتزلة"! كما أنه شجع التصوف السني بشدة لكي يمتص حب المصريين لأهل البيت، وهو بذلك يُعتبر عند السلفية قبوريا مشركا.
2.   لتحقيقه أول انتصار حاسم وباهر على الصليبيين في حطين، وقد غفروا له لذلك كل الهزائم الثقيلة التي لقيها من قبله ومن بعده.
3.   في العصر القومي الناصري، كانت الحاجة ماسة إلى بطل تاريخي للقومية العربية، ويكون عاملا مشتركا وموحدا بين مصر وبين سوريا، فلم يجدوا إلا صلاح الدين، فتحول إلى شبه إله للقومية العربية، هذا رغم أنه لم يكن عربيا، فقد انسحب العرب من التاريخ من قبله بكثير، بل كان  كردي الأصل، وأسماء أفراد عائلته أسماء كردية، أما جيشه الأصلي فكان تركمانيا من بقايا السلاجقة، كما أن صلاح الدين إنما أسس دولته في مصر، ثم استولى بالقوة على ممتلكات سيده نور الدين زنكي في الشام، وخلع ورثته، فكان مثله مثل أي حاكم قوي حكم مصر من قبله ومن بعده؛ ملوك الدولة الحديثة في مصر القديمة، بطليموس الأول، ابن طولون، الإخشيد، الفاطميون، المماليك، علي بك الكبير، محمد علي.
4.   لأن الغربيين يحبونه بصفة عامة، فقد أبدى قدرا هائلا من التسامح معهم، وصل إلى حدّ التخاذل، فأكملوا الاستيلاء في عهده، على كل ساحل الشام، وأقاموا فيه قلاعهم المنيعة، وقد طبع بطابعه ذلك حكام أسرته من بعده، وكان ذلك من أسباب ثورة الرأي العام عليهم، واستيلاء المماليك على السلطة، وهم الذين لم يبدوا أي تهاون مع الصليبيين، ولم يتوقفوا عن قتالهم إلى أن ألقوهم في البحر.
ومن أكبر الكوارث التي ضرب بها صلاح الدين المنطقة أنه كان جلفًا متعصبا من الناحية الدينية، يكره الفلسفة التي كانت أم العلوم، ولذلك قضى على كل آثار النهضة العلمية التي حدثت في مصر في العصر الفاطمي، ودمر دار الحكمة، وقضى على كل الكتب فيها، مستبقا بذلك ما سيفعله هولاكو ببغداد، وتعامل بقسوة مع فلاسفة التصوف، بينما شجع تصوف الطُرُقية.
كما أنه سخَّر المصريين ليهدموا له الكثير من الأهرام التي أقامها أجدادهم، وبصخورها أنشأوا له قلعته.  
وهو بالطبع كان يتصرف كحاكم من حكام القرون الوسطى، يريد أن يؤسس مملكة يحكمها هو وأبناؤه من بعده، ولكن بالنسبة له كان الذي جنى ثمرة جهوده هو أخوه، وهو الذي ورَّث لأبنائه السلطة.

ولكنه في المقابل هو المؤسس لدولة قوية في الشرق الأوسط، وتسبب في تغييرات حاسمة في تاريخ المنطقة وفي مذهبها الديني السائد.

الأحد، 22 ديسمبر 2019

خلاصة القول في المذاهب التي حلت محلّ الإسلام


خلاصة القول في المذاهب التي حلت محلّ الإسلام

وخلاصة القول في المذاهب التي حلت محلّ الإسلام كما يلي:

1.          دين الحق أعظم وأكبر وأرقى كثيرا من المذاهب، أو بالأحرى الأديان، التي حلت محله.
2.          الاختلافات بين هذه المذاهب وبين دين الحق جذرية، وليست شكلية ولا هامشية.
3.          دين الحق غريب ولا يعرفه الآن إلا قليلون، وبعض المسلمين يمارسونه دون أن يعرفوا بنيانه النظري التام، هذا لأن من عقد العزم على أن يعمل بمقتضى كل الأوامر القرءانية هو متبع بالضرورة لدين الحق.
4.           كل المذاهب التي حلَّت محلّ دين الحق لا تمثله تمثيلا صادقا، وكلها نشأت لأسباب سياسية وتاريخية، واتِّباعها غير ملزم لأحد، فدين الحق واحد.
5.          لا يخلو مذهب من هذه المذاهب من حقٍّ وباطل ممتزجين بنسب متفاوتة، لذلك لا يجوز ضرب مذهب بما فيه من باطل مع التغاضي عما فيه من الحق.
6.          لا يخلو مذهب من هذه المذاهب من كفريات وشركيات خطيرة، ومن الكفريات كفرهم بالكثير من آيات القرءان وبمنهجه، ومن الشركيات اتخاذهم شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ.
7.          لا يخلوا مذهب من هذه المذاهب من عقائد أحدثوها وجعلوها محور دينهم.
8.          الأخذ بأي مذهب ككل واحد قد ثبت على مدى القرون أثره المدمر على من أخذوا به، ومع اختلاف المذاهب فقد فشلت كلها فشلا ذريعا في تحقيق مقاصد دين الحق.
9.          لم ينج من الناس إلا قلة بسبب اعتصامهم بجوهر الدين وعدم تعمقهم في المذاهب أو خوضهم فيها.
10.      هذه المذاهب هي التي تجذَّرت مقولاتها وممارساتها في نفوس أكثر المحسوبين على الإسلام، وهي التي أنتجت وتنتج هذه الشعوب الفاشلة المحبطة ومن تسلط أو يتسلط عليهم من الطغاة والمستبدين والسفاحين واللصوص والمجرمين، وهي التي تنتج طابورا هائلا من المجرمين وسفاكي الدماء والمفسدين في الأرض بدءا بالأمويين وعملائهم والعباسيين من بعدهم ومرورا بتيمورلنك وسليم السفاح العثماني ونادر شاه إلى السلفية الوهابية والقاعدة والسلفية الجهادية وداعش في العصر الحديث.
11.      النهضات الجزئية التي كانت تحدث من حين لآخر في الدول المحسوبة على الإسلام كانت تتم رغم أنف المذاهب ومتبعيها، لذلك سرعان ما كان يتم إحباطها.
12.      شعار العودة إلى الدين الذي يرفعه المحسوبون ظلمًا على الإسلام هو الذي تمَّ به القضاء على كل نهضة وليدة في العالم المحسوب على الإسلام، ذلك لأن هذه العودة لا تعني إلا العودة إلى المذاهب التي حلَّت محلّ الإسلام، والتي لها آثارها التخريبية والتدميرية المعلومة.
13.      لذلك لا أمل لهذه الأمة في النجاة والتقدم إلا بالتخلي عن هذه المذاهب والعودة إلى دين الحق، والتخلي الجزئي عن بعض عناصر هذه المذاهب هو الذي مكَّن بعض الشعوب المحسوبة على الإسلام من تحقيق بعض التقدم في العصور الحديثة.
14.      غير المسلمين ليسوا ملزمين باتباع مثل هذه المذاهب لأنها لا تحقق شروط البلاغ المبين، بل هي تحقق ما يلزم لصدّ الناس عن سبيل الله تعالى، فوجودها رحمة لغير المسلمين لأنها تعطيهم العذر الكافي لرفض ما يظن الناس أنه الإسلام.

*******