سورة البقرة 8-10
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا
بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ
اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا
يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
إن إعلان الإيمان بالله
واليوم الآخر هو الحدّ الأدنى المطلوب من الإنسان لكي يُعتبر مسلمًا في المجتمع
المسلم؛ له ما للمسلم من الحقوق وعليه ما عليه من الواجبات، ولكن المنافقين يظنون
لجهلهم ولفسادهم على المستوى الجوهري أنهم يمكن أن يخادعوا الله تعالى، وهذا يعني
أنهم لا يعلمون شيئًا عنه ولا عن سماته ولا عن سننه، وهم يحاولون أن يخادعوا الذين
آمنوا، والحق هو أنهم بمقتضى السنن لا يخدعون إلا أنفسهم، فعملهم بمقتضى جهلهم
ونفاقهم إنما يكون ضد أنفسهم، ومن يُخَادِعُونَ
اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فلا نجاة
لهم أبدًا من العقاب اللازم، والحق هو أن من كان كذلك إنما يعاني من مرض خطير يهدد
كيانه الجوهري؛ أي القلب، وهو إذ يعمل بمقتضى هذا المرض إنما يؤدي إلى استفحاله
كما تقتضي ذلك السنن الإلهية الكونية.
والمطلوب من كل مسلم أن يكون
على حذر من أمر نفسه؛ فإذا لمس فيها بادرة رياء أو نفاق أو رغبة في تملق أحد
فليبادر بوأدها أو ليقاومها بألا يتصرف بمقتضاها وبأن يستعيذ بالله تعالى منها،
وعليه ألا يحاول خداع أحد باسم الدين، وكل ذلك من لوازم ركن التزكي، وهو من أركان
الدين الجوهرية.
والأمراض القلبية مثل الفسق
والنفاق والكفر والشرك هي أخطر شيء على كيان الإنسان الجوهري ومصيره، والتصرف
بمقتضى المرض القلبي يضاعف من الآثار السيئة لهذا المرض وترتد على صاحبها فتؤدي
إلى مزيد من تدهور كيانه المتسبب في صدورها وهو القلب، وهكذا يزداد المرض باطراد
ويؤدي إلى عذاب أليم عندما تتحرر النفس من الغطاء الجسمي، ولكل ذلك لن ينجو إِلَّا
مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
*****
إن
الآيات تتحدث عن طائفة من الناس هم أشد تلونًا وتنوعا والتواءً وتعقيدا من
الطائفتين السابقتين وهم المنافقون، وقد استغرق الحديث عنهم آيات أكثر من تلك التي
استخدمت لبيان حال كل من المؤمنين والكافرين وذلك لشدة تنوع أحوالهم وغموضها
وغرابتها من ناحية ولكثرتهم العددية بين المحسوبين على الإسلام من ناحية أخرى،
ولأنه كان معلوما أنهم سيظلون يفتّون في عضد الأمة ويكيدون لها منذ العصر النبوي إلي
يوم القيامة، وكذلك لأن مقاصد الدين وقيمه وسننه اقتضت ألا يؤاخذ الإنسان في
الدنيا بما أضمره في نفسه، فكان لابد أن يتعلم الناس كيف يتعايشون معهم.
ومن
يقرأ أواخر سور القرءان نزولا سيدرك الحملات الضارية التي شنها على هؤلاء
المنافقين مما يقطع بأنهم كانوا حزبًا قويا عديدا، ولم يكونوا شرذمة قليلين،
وبالطبع لم يتبخر هؤلاء بمجرد انتقال الرسول، وإنما تضاعفت أعدادهم، ثم استولوا
على الأمة وعلى ثمار صبرها وجهادها، وأحدثوا مصطلح الصحابة ليتسع لأمثالهم، ثم
حاولوا إبادة ذرية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ
وَسَلَّمَ والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وصنعوا دينًا على أعينهم يكون
لهم فيه عمليا المقام الأرفع.
ولا زال أتباع دينهم هذا يتصدون بشراسة ووحشية وسفالة لكل من يحاول تصحيح
الأمر والتصدي لآثار جرائمهم الكبرى، والتي لم يحدث مثلها في تاريخ الأديان.
ومن
أبرز مظاهر النفاق وتجلياته في هذا العصر محترفو التكسب بالدين، فأولئك هم الذين
أضلهم الشيطان وأعمى أبصارهم واستخدمهم لفتنة الناس في دينهم وللصد عن سبيل ربهم،
وهم الذين ترتسم ملامح الغضب والمقت على وجوههم؛ فويل لهم!
والنفاق
هو من الصفات الذميمة ومن أركان المنظومة الشيطانية، والعمل والتصرف بمقتضاه من
كبائر الإثم التي يجب أن يعمل الإنسان على التطهر التام منها، والمنافقون يزعمون
عادة أو يعتقدون أنهم مؤمنون، وما هم بمؤمنين لسوء ظنهم برب العالمين، فليس لديهم
إحساس حقيقي بوجوده، وحتى إن سلَّم بعضهم بذلك فهم يجهلون أو يتجاهلون أسماءه
وسماته ويسيئون الظن به؛ فيظنون أنه شخص مثلهم يمكن أن يخادعوه، فليس لديهم إيمان
حقيقي به كما تكلم عن نفسه، فهم لا يراقبونه في فعل ولا يقيمون له أدنى وزن، وكل
من هم سواه هم أشد رهبة في صدورهم منه.
*****
الآيات
تذكر مجموعة من عناصر المنظومة المعنوية الشيطانية، فمنها:
إضمار
الكفر وإظهار الإيمان
الكذب
الناتج عن جبن ورغبة في الخداع والإفساد والمكايدة.
الظن
السيئ برب العالمين، إذ يظنون أنهم يمكن أن يخادعوه، وهذا يدل على القصور الشديد
فيما لديهم من تصور عن الإلهية.
مخادعة
الذين آمنوا، وذلك ينطلق من نوايا شيطانية ولا يؤدي إلا إلى تخريب وإفساد.
*****
ومن
سوء ظنهم بربهم أنهم يحاولون أن يخدعوه، وهو المحيط بهم وبما يجرى في أعماقهم، وهم
أيضا يحاولون خداع من آمن به وهم في كل ذلك لا يخدعون إلا أنفسهم، ذلك لأنه طبقًا
للقوانين والسنن سيستدرج بهم، ولا بد لكل مقتضيات ظنهم هذا من أعمال أن تنقلب
عليهم، وهم لا يؤمنون بالطبع بإمكانية البعث، إن مسلك المنافق سببه مرض في قلبه
الذي هو جوهره ولبه، وأمراض القلوب أشد وطأة وأعظم خطرا من الأمراض العضوية
والنفسية، وذلك المرض يدفعه إلى سلوكيات مَرَضية غير مُرْضية تعود آثارها عليه عن
طريق حلقة تغذية خلفية موجبة يزداد بها نفاقه ويعذب به، ومن سلوكهم المرضى إدمان
الكذب واستمراؤه وهم إذ يمارسونه فإنهم يعذبون به على المستوى الباطني الجوهري
وسينقلب هذا العذاب الباطني عذابا ظاهرا مريعا في البرزخ وفى يوم القيامة.
*****
الفعل "خادع" هو فعل مزيد من الفعل "خَدَعَ،
يخْدَعُ"، وهو فعل ثلاثي متعد بنفسه ومتعد بحرف، واسم معنى الفعل المجرد: خَدْعٌ،
خُدْعَةٌ، خَدِيعَةٌ.
والفعل "خدَع" يعني "أَظْهَرَ عَكْسَ
مَا يُبْطِنُهُ، والقول خدع زيد عبيدا يعني أَوْقَعَ بِهِ الأَذَى مِنْ حَيْثُ لاَ
يَدْرِي، أو "أَرَادَ بِهِ السُّوءَ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُ"، "أضمر
له المكروهَ؛ ليأتيه من حيث لا يعلم"، "أغواه"، "أضلّه"،
"غشّه".
والفعل "خادعَ، يخادع"، اسم فعله خِداع
ومُخادَعةً، يُقال "خادعه بكلام معسول"، أي: "أظهر له خلافَ ما
يخفيه"، "بيَّت له المكروهَ وهو غافل".
وقوله {يخادعون الله} قرأه نافع وابن كثير وأبو عَمرو
وخلَف (يخادِعون)، وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب
(يخْدَعون).
الفعل "خادع" المسند إلى المنافقين يعني
محاولة اقتراف الخداع وموالاته ومتابعته وتأكيده والإكثار منه، فالقراءة الصحيحة
هي "يُخادعون"، فالفعل مزيد هنا للتأكيد.
أما قراءة ابن عامر وغيره "يخْدَعون
الله" فهي تعني تحقق الخديعة ووقوعها بالفعل، وذلك أمر مستحيل في حق الله
تعالى.
واستعمال
الفعل "خادَع" هنا لا يعني تبادل الفعل من
الجانبين، فصيغة "فاعَل" لا تعني بالضرورة المفاعلة أو المبادلة، ولكنها
يمكن أن تعني التأكيد والتكثير، ومن ذلك الفعل "ضاعَف، كاثر"، كما يمكن
أن تعني الموالاة بمعنى أن يتكرر الفعل ويتلو بعضه بعضا، ومن ذلك الفعل والى (والى
الصوم مثلا)، تابع (تابع القراءة مثلا)
أما إسناد صدور الخداع عن الله في آية
أخرى فهو من باب المشاكلة، فمن يحاول أن يخدع الحقيقة أو السنن الإلهية لا يخدع
إلا نفسه.
والمنافقون بأفعالهم التي تصدر عنهم
بمقتضى نفاقهم يتصورون أنهم بها يعملون لصالح الإله الذي يعبدونه، فالمقصود منهم
هو خداع الذين آمنوا والعمل ضد الدين الذي يتبعونه، هذا العمل منهم الحكم عليه هو
أنهم يخادعون الإله الحقيقي الذي يؤمن به الذين آمنوا بالرسول ورسالته، فالآية
تخبرهم بحقيقة أفعالهم والحكم عليها لعلهم يتوبون ويهتدون.
وقرأ الحرميان، ابن كثير المكي ونافع
المدني، وأبو عمرو: {وَمَا يُخَـادِعُونَ}، وقرأ باقي السبعة: {وَمَا يَخْدَعُونَ}،
وتوجد قراءات أخرى.
فالحقيقة الراسخة أنهم يحاولون أن يخدعوا اللّهَ
وَالَّذِينَ آمَنُوا، ولكن المتحقق بالفعل هو أنهم يخادعون أو يخدعون أنفسهم،
فالذي يحاولون فعله قد ارتد عليهم.
والنفس هي الكيان الإنساني الجوهري، فهي الإنسان
الحقيقي، وهي بحكم حقيقتها قابلة للتغير والتطور والتدسي والتزكي، وهي محل آثار
أعمال الإنسان الاختيارية، والصورة النهائية التي تصل إليها عادة قبل احتضار
الإنسان هي التي سيترتب عليها مصيره في الدار الآخرة.
*****
إن النفاق هو مرض من أمراض القلوب، ولكن الإنسان هو
الذي يتسبب فيه لنفسه، فهو يصيب المرء نتيجة لأفعاله وأقواله الاختيارية؛ أي التي تصدر عنه بمحض
إرادته، وهو الذي يترك هذا الداء ليتمكن منه ويسري في أوصاله ويتمكن من قلبه، بل
ويستمتع بذلك ويقترف كل ما يمكن أن يضاعف من أعراض مرضه ولوازمه، وهو الذي يترك
عيوبه لتستفحل حتى تأخذ بخناقه وتحيط بقلبه وتمنع أنوار الهدى من النفاذ إليه،
فإذا ما تمكنت من قلبه فلن يزداد من بعدها إلا مرضا، فالحقيقة الإنسانية تتضمن
استعدادا للاستكبار.
والإنسان يستطيع أن يتزكى وأن يزكي نفسه وأن يتطهر من
الكبر طالما لم يستفحل ولم يحطم جوهره ولبه، فإذا ما غفل عن كبره أو مارس مقتضياته
أو تركه ليستفحل فرحا به تمكن الداء من قلبه ففسق وأصبح منافقا، ولابد من أن يستمر
استفحال دائه هذا إذا لم يعمل على علاج نفسه ولم يعد من قريب، وتلك سنة كونية
سارية تستند إلى سنة إلهية لا تبديل لها ولا تحويل، لذلك قال تعالى:
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ
مَرَضًا}، فاستفحال صفة النفاق أو أي
مرض آخر من أمراض الكيان الإنساني الجوهري يخضع لحلقة تغذية خلفية موجبة، فممارسة
مقتضيات وجود المرض تؤدي إلى تقوية هذا المرض فتشتد الأفعال والممارسات المترتبة
عليه فيشتد من جديد المرض، فالآية تشير إلى سنة كونية مجالها الإنسان المخير ذو
الإرادة.
*****
الإيمان هو التصديق، ومجاله هو الخبر الغيبي،
فالإيمان بهذا الخبر يعني التسليم والإقرار بصحته وصدقه، وعلامة ذلك العمل
بمقتضاه.
مثال أخبرك أحدهم أن هذا الطعام فيه سم قاتل، أنت تثق
به، ستصدق ما قال، هذا يعني أنك آمنت بصحة وصدق ما أخبرك عنه، هذا أمر باطني،
يمكنك كتمانه، ويمكنك إعلانه بلسانك، ولكنك في كل الأحوال ستتصرف وفق ما آمنت به
في قرارة نفسك، فعملك الظاهر سيكشف حقيقة إيمانك.
والإيمان الديني هو بالطبع أشد تعقيدًا من ذلك، ولكنك
بصفة عامة ملزم بالإيمان بكل ما ورد في القرءان من أمور غيبية.
مثال: المطلوب منك أن تؤمن بوجود كائن اسمه الشيطان،
وأنه لك عدوّ مبين، علامة ذلك أن تستعيذ بالله منه.
وهناك من يزعمون للناس أنهم مؤمنون، وهم كاذبون،
هؤلاء فئة خطيرة، يجب الحذر منهم، ولكن لا توجد لدى الأمة عقوبة دنيوية توقعها
بهم، فالإيمان أمر قلبي.
هؤلاء حكمهم أنهم مسلمون الإسلام الشكلي الظاهري
الخالي من الإيمان، ولكن لا يملك أحد إخراجهم من الأمة.
أما الإسلام الذي هو دين الحق فالإيمان أساسه، وهذا
الإيمان يتمثل في عدة أركان وأوامر قرءانية كبرى، وكل لأمرٍ قرءاني هو جزء من
بنيان هذا الدين، ومن أنكر شيئا من أركانه الكبرى فهو ليس مسلمًا أصلا، ومن الأمور
الكبرى الإيمان بالله الذي له الأسماء الحسنى والإيمان بكتاب الله والإيمان بخاتم
النبيين.
فمن لم يؤمن بذلك فليس بمسلمٍ أصلا، فمن أنكر أن القرءان كتاب منزل من لدن الله أو أن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ
وَسَلَّمَ هو
خاتم النبيين المرسل إلى الناس كافة، فهو ليس
مسلما، ومن زعموا له أنه مسلم رغم إنكاره المذكور، مثل دراويش شحرور، فهم ليسوا
مسلمين أصلا، فيلزم الحذر من هذه الفرقة المارقة.
*******
بارك الله لنا فيك وفي علمك
ردحذف